هل تحتاج واشنطن إلى جرينلاند لبناء القبة الذهبية؟.. ترامب: الاستيلاء عليها حيوي لمنظومة الدفاع الصاروخي الأمريكي.. خبراء عسكريون يشككون في مزاعمه.. ووزارة الحرب ترى في نيويورك خيارًا أفضل
يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تصدير مزاعمه بأن امتلاك جزيرة جرينلاند هو "أمر حيوي" لدرع الدفاع الصاروخي الذي يخطط له والمعروف باسم "القبة الذهبية"، مشيرا إلى أن الإقليم الدنماركي الشاسع ضروري للأمن القومي الأمريكي، ما يطرح سؤالا هو: هل تحتاج الولايات المتحدة إلى امتلاك جرينلاند كي يشيد ترامب قبته الذهبية؟
سؤال حاول موقع "فرانس 24" الإجابة عليه عبر تقرير نشره باللغة الإنجليزية، مؤكدا أن عديد الخبراء يرون أن القبة الذهبية المكلفة التي يتبناها ترامب يمكن بناؤها من دون الاستيلاء على أكبر جزيرة في العالم.
يقول التقرير: طرح ترامب سببا جديدا لامتلاك الولايات المتحدة لجزيرة جرينلاند، رابطا هذه الخطوة بمشروعه للدفاع الصاروخي المعروف باسم القبة الذهبية، مشيرا إلى أن "الجزيرة الغنية بالمعادن حيوية للقبة الذهبية التي نبنيها"، في وقت أثارت فيه رغبة ترامب في الاستحواذ على الإقليم الدنماركي شبه المستقل بطريقة أو بأخرى، دهشة وقلق كوبنهاجن وحلفائها الأوروبيين.
قبة ترامب الذهبية مستوحاة من القبة الحديدية الإسرائيلية
استوحت إدارة ترامب منظومة "القبة الذهبية" من "القبة الحديدية" الإسرائيلية، وتستهدف تلك المنظومة اعتراض المقذوفات المتجهة إلى الأراضي الأمريكية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، بحسب ما أعلنه ترامب في مايو 2025، كاشفا عن خطة بقيمة 175 مليار دولار لبناء الدرع الصاروخي خلال ثلاث سنوات فقط.
وبعد أشهر، لا تزال "القبة الذهبية" في مرحلة التخطيط فقط، بحسب الخبير في السياسة الخارجية الأمريكية بجامعة لايدن الهولندية أندرو جاوثورب.
يقول جاوثورب: الأمر برمته افتراضي تماما في هذه المرحلة. وحتى الآن لم تمنح أي عقود حكومية فعلية لتطويره.
نسخة ترامبية من برنامج حرب النجوم
بحسب "فرانس 24"، توصف القبة الذهبية بأنها نسخة "ترامبية" من برنامج "حرب النجوم" الذي أطلقه الرئيس الأسبق رونالد ريجان في 23 مارس 1983، وتعرض لانتقادات واسعة قبل أن يلغى في نهاية المطاف؛ واستهدف البرنامج الذي حمل –آنذاك- عنوان "مبادرة الدفاع الاستراتيجي" إنشاء نظام دفاعي شامل من أجل حماية الولايات المتحدة الأمريكية من الهجمات الصاروخية النووية، خاصة من الاتحاد السوفيتي (السابق)، بحيث تتكون المنظومة الدفاعية من تقنيات تستخدم فيها أقمار صناعية في الفضاء لاعتراض الصواريخ الباليستية في مراحل مختلفة من رحلتها قبل أن تصل الأراضي الأمريكية، إضافة إلى استخدام أسلحة الطاقة الموجهة، وهي أنظمة عسكرية تستخدم تقنيات متقدمة مثل الليزر والموجات الدقيقة.
ترامب يطرح أسبابا واهية للاستيلاء على جرينلاند
يقول المتخصص في الدفاع الجوي بجامعة بورتسموث البريطانية ماثيو باول: أبرز ملامح منظومة القبة الذهبية هو الاعتماد على نظام إنذار مبكر قائم على كوكبة من الأقمار الصناعية في الفضاء.

من جهته، يقول الخبير الدفاعي في مؤسسة العلوم والسياسة ببرلين ليفيو هوروفيتز: إن اعتراضات إسقاط الصواريخ القادمة ستطلق أيضا من الفضاء؛ وفي ظل وجود معظم عناصر القبة الذهبية فوق سطح الأرض، لا يوجد لدي أي سبب يبرر عزم ترامب استيلائه على جرينلاند لبناء هذا النظام الدفاعي.
مواقع وزارة الحرب المحتملة للقبة الذهبية لا تضم جرينلاند
ويحذر جاوثورب من أن البنية التحتية الأرضية ستظل جزءا من الدرع الصاروخي، ولا سيما لأغراض الاتصالات ولاحتضان بعض منصات الإطلاق الاعتراضية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن جزيرة جرينلاند قد لا تكون مكانا مناسبا لذلك.
وحددت وزارة الحرب الأمريكية بالفعل مواقع محتملة لإقامة البنية التحتية الأرضية لـ"القبة الذهبية"، ولا تظهر جرينلاند ضمن هذه القائمة.
ويشير هوروفيتز إلى أن "ولاية نيويورك جرى تحديدها كموقع مثالي لقاعدة اعتراض على الساحل الشرقي للولايات المتحدة"، وأن وزارة الحرب الأمريكية خصصت مبلغ 25 مليون دولار لتطوير قاعدة اعتراض في قاعدة فورت درام العسكرية شمال ولاية نيويورك، قرب الحدود الكندية، وليست جرينلاند.
وبحكم موقعها الأبعد شمالًا والأقرب إلى روسيا، قد تتمتع جرينلاند بميزة محتملة مقارنة بفورت درام، بحسب باول، إذ "قد تتيح استجابة أسرع قليلا لاكتشاف الصواريخ واعتراضها"، ولا سيما إذا أُطلقت من الأراضي الروسية".
لكن باول يؤكد في الوقت ذاته أن "الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى الاستحواذ على جرينلاند، وهي إقليم يعادل ثلاثة أضعاف مساحة تكساس، لتركيب جزء من القبة الذهبية هناك".

ويضيف: الولايات المتحدة لديها بالفعل قاعدة فضائية في الإقليم الدنماركي تعرف باسم بيتوفيك (كانت تسمى سابقا قاعدة ثولي الجوية)، وتضم جزءا كبيرا من شبكة الإنذار المبكر للصواريخ التابعة للجيش الأمريكي على مستوى العالم.
اتفاقية تمنح واشنطن حق توسيع وجودها العسكري في جرينلاند
ويقول جاوثورب: هناك اتفاقية أُبرمت بين الولايات المتحدة والدنمارك في عام 1951، وعدلت عام 2004، تسمح لواشنطن بتطوير قاعدة بيتوفيك وفق تراه ضروريا، شريطة الحصول على موافقة الدنمارك وجرينلاند.
وتفيد تقارير بأن مسؤولين أمريكيين يخصصون بالفعل عشرات الملايين من الدولارات لتحديث المنشأة استنادا إلى الاتفاقيات القائمة مع السلطات المحلية. ولا يزال ما لا يقل عن 150 جنديا أمريكيا متمركزين في بيتوفيك إلى جانب أفراد عسكريين من الدنمارك وجرينلاند وكندا ومتعاقدين من دول أخرى.
ويرى هوروفيتز أنه من غير المرجح أن تعارض كوبنهاجن الخطط الأمريكية لتطوير القاعدة في السياق الجيوسياسي الراهن، خاصة أن ذلك يعني تجنب استيلاء الولايات المتحدة على جرينلاند؛ إلا إذا رغبت واشنطن في توسيع وجودها في جرينلاند من دون الاضطرار إلى التشاور مع السلطات الدنماركية.
الأمريكيون متشككون في جدوى خطة ترامب
وبحسب "فرانس 24"، فإن استدعاء ترامب لمشروع القبة الذهبية قد يرجع إلى حاجته لإقناع الرأي العام الأمريكي بجدوى الاستحواذ على جرينلاند، حتى لو كان ذلك بالقوة، أو على حساب حلفاء الناتو.
ويؤكد التقرير أن الشعب الأمريكي متشكك جدا في جدوى الاستيلاء على جرينلاند، مشيرا إلى أن استطلاع رأي أجرته "رويترز/إيبسوس" ونشر في 15 يناير، أظهر أن 17% فقط من الأمريكيين يؤيدون خطة ترامب للاستحواذ على الإقليم الدنماركي، وأن 4% فقط أن استخدام القوة لتنفيذ ذلك هو "فكرة جيدة".

ويقول جاوثورب: يأمل ترامب أن يساعد تصوير الاستحواذ على جرينلاند بوصفه أمرا حيويًا لأمن الولايات المتحدة في كسب الرأي العام. فمن الأسهل بكثير القول: نحتاج إلى جرينلاند للحفاظ على أمن شيكاغو، بدلا من القول: نحتاج إلى جرينلاند لأنها تمتلك معادن.
لوكهيد مارتين: القبة الذهبية ضرورة حتمية
في المقابل، يشير تقرير نشرته شركة "لوكهيد مارتين" الأمريكية، وهي أحد أكبر شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية والعالمية، إلى "القبة الذهبية" تعتمد على رصد المقذوفات القادمة إلى الأراضي الأمريكية، وحساب مساراتها، ونشر صواريخ اعتراضية لتدميرها أثناء طيرانها.
وتقول: الدفاع الصاروخي يتطلب أكثر من مجرد الذكاء الصناعي أو الخبرة البرمجية؛ إنه يتطلب ربط منظومة عالمية من الأنظمة المعقدة التي يجب أن تعمل بسرعة البرق وبدقة متناهية في لحظة الخطر.
وبين تشكك الرأي العام الأمريكي، وانتقادات الخبراء الأوروبيين، وتعقيدات الجغرافيا والسياسة، تبقى قبة ترامب الذهبية محل جدل، سواء من حيث جدواها التقنية أو من خلال مبرراته الجيوسياسية العقيمة.