فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

خالد زكي يكتب: اقتتال طائفي وقتل على الهوية واستباحة للمجال الجوي بسوريا.. حنين لـ “زمن الأسد” بسبب فشل “رجال الشرع”

حافظ وبشار الأسد،
حافظ وبشار الأسد، فيتو

بعد مرور عام واحد على اللحظة التاريخية التي اهتزت فيها جدران دمشق، معلنةً نهاية عهد استمر لأكثر من نصف قرن، تبدو العاصمة السورية ومختلف المدن الأخرى اليوم غارقة في صمت جنائزي، لا يشبه صخب "الثورة" ولا "طمأنينة الدولة".

في المقاهي الدمشقية العتيقة، وبين أزقة حلب التي لم تلملم جراحها بعد، يدور حديث خافت، مشوب بالحذر، لكنه يتصاعد بوضوح يوما تلو الآخر، مفاده أن "أيام الأسد لم تكن جنة، لكننا كنا نعرف من هو العدو، وكنا ننام في بيوتنا خلف باب واحد مغلق، لا خلف متاريس فصائل متناحرة".

هذا الحنين الذي يتسلل إلى نفوس السوريين ليس صك براءة لبشار الأسد من جرائمه التي دفع ثمنها الشعب دمًا وتهجيرًا، بل هو صرخة احتجاج ضد واقع جديد، وجد فيه السوريون أنفسهم بلا "دولة" وبلا "بوصلة"، أرضهم مستباحة من العدو الإسرائيلي التي تقف دباباته ومصفحاته المجنزرة على بعد أميال قليلة للغاية من قصر الحكم في دمشق، ويدور بينهم اقتتال داخلي على الهوية، وترفع شعارات الطائفية في كل مكان، فالدروز يطلبون استقلالا عن الدولة ويحتمون بإسرائيل، والأكراد دخلوا في مواجهات مسلحة مع الحكومة الجديدة، ويرفضون الانضواء تحت العلم السوري، بينما يقف العلويون بالمرصاد، ويستعدون للحظة التي يمكنهم فيها استعادة مجدهم الضائع، وفي الخارج يجلس فلول الأسد ورجال حكمه يخططون وينشرون سمومهم أملا في مجيء الوقت المناسب للعودة من جديد.

وسط كل هذا لا تزال سوريا تعيش مخاضًا عسيرًا لم يفضِ حتى الآن إلى ولادة "الدولة المأمولة"، وفي مفارقة تاريخية لافتة، بدأ يتسلل إلى الشارع السوري نوع من "الحنين" إلى الماضي، ليس حبًا في الاستبداد أو تغافلًا عن دموية النظام السابق، بل بحثًا عن مفهوم "الدولة" الذي تلاشى وسط صراعات الهوية، والاقتتال الفصائلي، واستباحة الحدود.

أولى بذور الحنين لعهد الأسد نبتت من تربة الفراغ، فقد كان نظام الأسد- رغم طبيعته القمعية- يمثل "المركزية المطلقة"، وكانت الدولة هي الأسد، والأسد هو الدولة، وهو ما أوجد هيكلًا مؤسساتيا حتى وإن كان مشوها يربط أطراف البلاد بمركز قرار واحد، وبسقوط هذا المركز، ودخول نظام الرئيس أحمد الشرع في دوامة الترضيات السياسية والمحاصصة الفصائلية، فقدت سوريا عصبها المحرك، وتاهت بوصلتها وسط انشغال الأطراف المتناحرة على تحقيق أكبر قدر من المكاسب حتى لو كان ذلك على حساب وطن ممزق.

اليوم، يجد المواطن السوري نفسه أمام خارطة ممزقة لا يحكمها قانون واحد،  ففي دمشق، تصارع حكومة الشرع لإثبات وجودها وسط تناحر أجنحة الإدارة الجديدة، بينما في الشمال والجنوب، تحولت البلاد إلى "كانتونات" يحكمها أمراء الحرب.

هذا التفتت جعل السوريين يشعرون بأنهم فقدوا "المظلة الوطنية" التي كانت تحميهم، ليس من القمع، بل من "اللا دولة"، فغياب الجيش السوري القوي الذي كان، رغم تسييسه، يمثل مؤسسة جامعة تضم العلوي والسني والدرزي والكردي تحت بدلة عسكرية واحدة، هو الطعنة الأكبر في خاصرة الوضع الحالي في سوريا ما بعد الأسد، فمع انهيار الجيش برزت مليشيات مناطقية تفرض جباياتها وأجنداتها الخاصة، مما جعل السوري يتحسر على زمن كان فيه الجندي يمثل هيبة الدولة، لا سطوة العصابة.

سقط نظام الأسد وغادر بشار وقادة حكمه دمشق لكنه ترك خلفه إرثا محطما، والصدمة الكبرى لم تكن في حجم الدمار، بل في عجز النظام البديل بقيادة أحمد الشرع عن ملء الفراغ السيادي، والمفارقة السورية اليوم تكمن في أن "الدولة الوطنية" التي كان يختزلها الأسد في شخصه وجهازه الأمني، تلاشت تمامًا لتترك الساحة لمجموعات مسلحة وإدارات محلية متصارعة، جعلت المواطن يشعر أن سوريا لم تعد للسوريين، بل أصبحت مرتعا مفتوحا لكل عابر سبيل يحمل بندقية.

لم يكن الشرع غريبًا عن المشهد، لكن قيادته للمرحلة الانتقالية اصطدمت بصخور الواقع الذي لم تجمّله الشعارات، ويرى كثير من المراقبين ومراكز الأبحاث أن الخطأ الاستراتيجي القاتل لنظام الشرع تمثل في سياسة "التطهير الشامل" للمؤسسات، دون وجود كادر بديل يمتلك الخبرة الإدارية، فقد تم تفكيك الأجهزة البيروقراطية التي كانت تدير شئون الخبز والماء والكهرباء والتعليم بحجة تبعيتها للنظام القديم، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات العامة.

علاوة على ذلك، عجز الشرع عن كبح جماح الفصائل الراديكالية التي اعتبرت نفسها صانعة النصر، وترفض تسليم سلاحها للدولة الجديدة، هذا الضعف في الشخصية السياسية للنظام الجديد جعل دمشق تبدو وكأنها "جزيرة معزولة" لا يمتد نفوذها إلى أبعد من ضواحيها، مما أعطى الضوء الأخضر لكل مكون طائفي أو عرقي للبحث عن خلاصه الفردي بعيدًا عن المركز.

كان نظام الأسد يفتخر دائمًا بأنه "حامي الأقليات" ومانع الفتنة الطائفية، ورغم أن الكثيرين اعتبروا ذلك "فزاعة" سياسية، إلا أن الواقع بعد سقوطه جاء ليؤكد المخاوف، فما إن غابت القبضة الأمنية الحديدية، حتى انفتحت جروح الهوية التي لم تندمل حتى الآن.

في السويداء، نجد الطائفة الدرزية اليوم في حالة استنفار دائم؛ ليس فقط ضد بقايا المتشددين، بل ضد تغول فصائل مسلحة محسوبة على النظام الجديد، تحاول فرض نمط أيديولوجي غريب على أهالي الجبل، هذا الصراع دفع بالدروز للمطالبة بحكم ذاتي موسع، وهو ما يراه القوميون السوريون بداية لتقسيم البلاد.

أما في الشمال والشرق، فإن "المسألة الكردية" بلغت ذروة تعقيدها، فالأكراد الذين ذاقوا طعم الإدارة الذاتية خلال سنوات الحرب، يرفضون اليوم العودة إلى حظيرة دمشق في ظل غياب ضمانات دستورية، وهو ما أشعل صراعًا داميًا مع فصائل المعارضة العربية المسلحة التي ترى في الطموح الكردي تهديدًا لوحدة سوريا

هذا الاقتتال الكردي-العربي استنزف مقدرات المناطق الغنية بالنفط والقمح، وترك المواطن البسيط ضحية للصراع على الغنائم.

ولا يمكن إغفال مأساة "العلويين" في الساحل السوري، هؤلاء الذين ارتبط مصيرهم بالنظام السابق، يواجهون اليوم حملات تشويه وتهميش ممنهجة، جعلتهم يتقوقعون في جبالهم ومدنهم الساحلية، محولين إياها إلى "قلاع عسكرية" مغلقة، فشعور العلويين بالخطر على وجودهم جعلهم يترحمون على عهد كان فيه ابن طائفتهم هو "سيد القصر"، ليس حبًا في شخصه، بل لأنه كان يضمن لهم النفوذ والسلطة.

ولعل أكثر ما يثير حنق السوريين ويغذي حنينهم للماضي هو "المهانة الوطنية" التي يشعرون بها تجاه الاختراقات الإسرائيلية، ففي عهد بشار الأسد، ورغم كل الانتقادات لسياسة "الاحتفاظ بحق الرد"، كان هناك خطوط حمراء واضحة، وكان هناك جيش يمتلك منظومات دفاع جوي وسلاحًا صاروخيًا يمثل على الأقل عائقًا نفسيًا أمام الطموحات الإسرائيلية.. وربما هذا يفسر سر انقضاض إسرائيل على البنى التحتية للجيش السوري وتدميرها في الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد.

الانقسام الداخلي في سوريا فتح شهية القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، التي وجدت في سوريا المنهكة فرصة ذهبية لم تتحقق لها منذ عقود، ولم تعد الطائرات الإسرائيلية تكتفي بضرب شحنات سلاح أو مستودعات، بل انتقلت إلى سياسة "فرض الواقع الجغرافي" على الأرض، حيث استباحت مناطق حدودية استراتيجية في القنيطرة وريف دمشق، وأقامت مناطق عازلة بحجة حماية أمنها القومي.

المشاهد التي تنقلها شاشات الفضائيات تشير إلى أن سوريا أصبحت "ساحة تدريب" مفتوحة للطيران الإسرائيلي، ولم يعد الأمر يقتصر على ضرب أهداف إيرانية، بل تجاوز ذلك إلى سيطرة ميدانية وسطو على أراضٍ في ريف القنيطرة ودرعا، تحت ذريعة إنشاء "أحزمة أمنية"

ويوميا يرى السوريون جرافات الاحتلال الإسرائيلي وهي تقتلع أشجار الزيتون في القرى الحدودية، بينما حكومة دمشق مشغولة بصراعاتها الداخلية، والجيش الذي كان يُفترض أن يحمي الحدود تم حله أو تفتيته، هذا المشهد ولد شعورًا بالانكسار، فالسوري الذي نشأ على أدبيات "الممانعة".. رغم كل زيفها السياسي ورغم استخدامها المفرط في غير موضعها.. يجد نفسه اليوم بلا درع وبلا عنوان.. ويرى العديد من المحللين أن استباحة السيادة السورية بهذه الطريقة الفجة جعل حتى أشد معارضي الأسد يقولون في سرهم: "على الأقل، كان هناك جيش يرفع علمنا على الحدود ويجعل العدو يحسب ألف حساب قبل الدخول مترًا واحدًا في أراضينا".

يراقب السوريون بمرارة جرافات الاحتلال وهي تعبث بأراضيهم، ويقارنون بأسى بين زمن كان فيه "الجيش العربي السوري" –رغم كل مآخذهم على عقيدته السياسية– يمثل قوة ردع نفسية ومؤسسة وطنية تحمي الحدود، وبين واقع اليوم حيث أصبحت السيادة السورية قصيدة قديمة لا يقرؤها ولا يهتم بها أحد.

في الجانب المعيشي، يمثل الفشل الاقتصادي لنظام الشرع ركيزة أساسية في "نوستالجيا" السوريين، ففي عهد الأسد، ورغم العقوبات القاسية وانهيار الليرة، كانت هناك "دولة رعاية" تؤمن الحد الأدنى من السلع التموينية والرواتب الممنوحة لملايين الموظفين، وكانت المؤسسات الاستهلاكية تعمل وفق منظومة مركزية تضمن وصول الرغيف إلى المواطن.

هذه المنظومة تلاشت، والليرة السورية تعيش انهيارًا حرًا أمام الدولار، والأسواق تخضع لمنطق "الاحتكار الفصائلي"، كل منطقة تفرض ضرائبها الخاصة على البضائع العابرة، مما رفع الأسعار إلى مستويات لم يشهدها السوريون حتى في أوج سنوات الحرب،و المواطن الذي كان يشتكي من "فساد المسؤولين" في عهد الأسد، يشتكي اليوم من "بلطجة المسلحين" الذين يتقاسمون لقمة عيشه، هذا التردي جعل من "راتب الدولة" المضمون حلمًا بعيد المنال، ومن "الاستقرار السعري" النسبي في الماضي ذكرى جميلة.

الحنين الحالي في سوريا لزمن بشار لدى البعض لا ينبع من كون الأسد كان حاكمًا مثاليًا؛ فالتاريخ يسجل له كوارث لم يسبقه إليها أحد، فهو من استخدم البراميل المتفجرة لتسوية المدن بالأرض، مما جعل مهمة أي نظام بديل في الإعمار مهمة مستحيلة اقتصاديًا، وهو من دفع السوريين إلى التهجير القسري، فنصف الشعب السوري بين نازح ولاجئ، وهو ما أدى إلى تغييرات ديموغرافية خلقت بؤر التوتر الطائفي الحالية، وهو من رهن البلاد للخارج، واستدعى المليشيات الإيرانية والجيش الروسي، وهو من شرعن التدخل الأجنبي الذي تحول اليوم إلى احتلالات متعددة الجنسيات،و اعتمد نظامه سياسة أمنية طائفية لسنوات طويلة، زرعت الحقد في نفوس السوريين، لكن المأساة تكمن في أن "البديل" لم يقدم نموذجًا يتجاوز هذه الكوارث، بل أضاف إليها فوضى السلاح وعجز المؤسسات.

ويبدو الحنين الذي يغزو الشارع السوري الآن في جوهره حنين إلى "هيبة المؤسسة"،  فبشار الأسد، رغم كوارثه الأمنية التي لا تُنسى، ورغم مسؤولية نظامه عن تدمير المدن وتهجير الملايين، استطاع لعقود أن يحافظ على شكل "الدولة المركزية" وجيشها القوي الذي كان يمثل عماد الهوية الوطنية.

اليوم يفتقد السوري تلك المؤسسة التي كانت تنظم حياته، وتوفر له حدًا أدنى من الخدمات، وتشعره بأنه ينتمي لكيان سياسي واحد له علم وعاصمة،  بدلًا من ذلك، يواجه المواطن في عهد الشرع تضخمًا جنونيًا، وانفلاتًا أمنيًا يجعل الخروج إلى الشارع مغامرة غير مأمونة العواقب، واقتتالًا بين "أخوة السلاح" بالأمس على مكاسب المعابر والموارد.

مؤكد، لا يمكن تجاهل أن الأسد هو من زرع بذور هذه الفوضى برفضه الانتقال السلمي وإصراره على الحل الأمني، وهو من فتح أبواب سوريا لكل المليشيات الأجنبية، لكن المواطن الذي يعيش تحت وطأة الخوف والجوع اليوم لا يلتفت كثيرًا للتحليل التاريخي؛ إنه يريد دولة تحميه وتدافع عن أرضه وتمنع تحول سوريا إلى جيتوهات ومناطق حكم ذاتي.

وحتى الآن فشل نظام الشرع  في استيعاب بقايا مؤسسات الدولة وتحويلها إلى مؤسسات وطنية ديمقراطية، بدلًا من تدميرها، هو ما جعل "شبح الأسد" يبدو في نظر البعض مخلصًا فات أوانه، لا حبًا فيه، بل كفرًا ببديل لم يقدم سوى الفوضى.

سوريا تعيش حاليا أخطر مراحلها؛ فهي ليست أمام صراع على السلطة، بل أمام صراع من أجل البقاء كدولة موحدة، فالاستباحة الإسرائيلية، والتمردات الطائفية، والاقتتال الداخلي، كلها شواهد على أن الثورة التي أطاحت بالديكتاتور لم تنجح بعد في بناء الوطن الذي حلم به السورييين وانتظروه سنوات طويلة، وإذا استمر نظام الشرع في عجزه عن فرض سلطة القانون، وإعادة بناء جيش وطني مهني ينهي ظاهرة المليشيات، فإن الحنين للماضي قد يتحول من مجرد همس في المقاهي إلى تيار جارف يهدد شرعية كل ما تحقق من تغيير، لتبقى سوريا أسيرة معادلة صفرية إما استبداد يضمن البقاء، أو حرية تفضي إلى الفناء.