فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة بلا داع

المؤتمرات الصحفية تحولت إلى عبء على الكرة المصرية

لم تكن أزمة تصريحات الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني لكرة القدم، قبل مواجهة مصر ونيجيريا مجرد جدل إعلامي عابر، بل تحولت خلال ساعات قليلة إلى قضية رأي عام رياضي داخل مصر وخارجها، بعدما فجّرت موجة من الغضب والانتقادات المتبادلة، كان من الممكن تفاديها بالكامل لو أُدير الموقف بحكمة واحترافية وهدوء أعصاب يليق بمن يقود منتخب دولة بحجم وثقل مصر.

فالمنتخب الوطني لا يمثل مجرد فريق كرة قدم، بل يمثل صورة الدولة أمام جماهير القارة والعالم، ومن ثم فإن كل كلمة تُقال في مؤتمر صحفي، وكل إشارة أو رد فعل، تحمل أبعادًا تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتطال صورة الوطن ومكانته وعلاقاته الرياضية والإنسانية مع الآخرين.

بدأ الجدل عندما توجه المدير الفني عقب إحدى المباريات إلى الجماهير منتقدًا ضعف الدعم والهتاف للمنتخب، قائلًا -بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام- إن “الجمهور لم يقف مع الفريق كما يجب”، في وقت كان فيه المنتخب قد خرج فائزًا بالفعل، وهو ما أثار تساؤلات منطقية: كيف يتحول الفوز إلى لحظة خصام مع الجمهور؟ ولماذا يُحمَّل المشجعون مسؤولية معنوية وهم ليسوا طرفًا في الأداء داخل الملعب؟

الأمر الأكثر إثارة أن المباراة السابقة شهدت حضور أكثر من خمسة وعشرين ألف متفرج مغربي دعموا المنتخب المصري بحماس واضح، كما وقف الإعلام المغربي موقفًا داعمًا للفريق المصري، في مشهد يعكس عمق الروابط الرياضية والشعبية بين البلدين، وهو ما كان يستوجب الشكر والتقدير، لا التجاهل أو التقليل.

تصريحات استفزازية.. من الرياضة إلى الخطاب الشعبوي

لم يتوقف الجدل عند حدود نقد الجمهور، بل امتد إلى تصريحات حملت طابعًا استفزازيًا، حين ألمح المدير الفني إلى أن توقيت المباراة لم يكن مناسبًا، وأن هناك “من لا يريد للمنتخب المصري الفوز”، دون تحديد من هم هؤلاء أو لماذا يسعون لذلك، وهو خطاب يفتح أبواب الشك والاحتقان دون أي سند موضوعي، ويحوّل الهزيمة من قراءة فنية طبيعية إلى رواية مؤامراتية تفتقر إلى الدليل.

ثم جاءت تصريحات أخرى أكثر إثارة، حين لجأ إلى استدعاء مفردات تاريخية وشعاراتية من قبيل:
“مصر أم الدنيا”، و”مصر أم العرب”، و”منتخبنا بعبع أفريقيا”، في سياق مؤتمر صحفي يفترض فيه التحليل الفني والتقييم الواقعي للأداء، لا إطلاق عبارات إنشائية تعبّوية لا تضيف شيئًا للمشهد الرياضي، بل تزيده توترًا وتشنجًا.

وكان الأجدر في مثل هذا الموقف أن يُقال ببساطة واحتراف: “لم يكن يومنا، هناك سوء توفيق، والفريق المنافس يمتلك عناصر أكثر خبرة”، وهي اللغة التي تُعبّر عن قوة الشخصية لا ضعفها، وعن الثقة لا الارتباك.

محمد صلاح.. درس في القيادة الهادئة

في المقابل، قدّم قائد المنتخب محمد صلاح نموذجًا مختلفًا تمامًا في التعامل مع هذه المواقف، حين قال بهدوء واتزان إن المنتخب يواجه فريقًا يمتلك خبرات كبيرة نتيجة احتراف معظم لاعبيه في كبرى الأندية الأوروبية، بينما يعتمد المنتخب المصري على عناصر معظمها تلعب في الدوري المحلي، وهو فارق طبيعي في الإيقاع والخبرة والاحتكاك الدولي.

تصريحات صلاح لم تكن دفاعًا ولا هروبًا ولا اتهامًا، بل قراءة واقعية للمشهد، تُطمئن الجماهير وتضع الأمور في إطارها الصحيح، وتؤكد أن القيادة الحقيقية تظهر في لحظات الإخفاق قبل لحظات الانتصار.

احتواء رسمي مسؤول.. في مقابل تصعيد غير محسوب

وفي خطوة تحسب للمهندس هاني أبو ريدة، بادر بإرسال خطاب رسمي إلى الاتحاد المغربي لكرة القدم، عبّر فيه عن خالص الشكر والتقدير على حفاوة الاستقبال، وجودة الإقامة، وحسن التنظيم، والمعاملة الطيبة من الشعب المغربي الشقيق، في رسالة واضحة بأن مصر حريصة على علاقاتها الرياضية والإنسانية، وترفض الانزلاق إلى أي توتر غير مبرر.

هذا التحرك جاء ليغلق الباب أمام أي تصعيد محتمل، ويعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، في وقت كانت فيه بعض التصريحات الإعلامية مرشحة لتوسيع دائرة الأزمة بدل احتوائها.

الصحافة ليست خصمًا.. والانفعال ليس حلًا

أما في المؤتمر الصحفي الأخير، فقد بدا انزعاج المدير الفني واضحًا من بعض الأسئلة الصحفية التي وصفها بأنها “مستفزة” أو “غير منصفة”، وهو توصيف قد يكون مفهومًا في لحظات الضغط، لكنه لا يبرر الانفعال أو التصعيد، فالإعلام جزء أصيل من المنظومة الرياضية، وطبيعة العمل الصحفي تقوم على طرح الأسئلة الصعبة قبل السهلة، والنقد قبل المجاملة.

الاحتراف الحقيقي لا يظهر في المؤتمرات الهادئة بعد الفوز فقط، بل في القدرة على إدارة اللحظات المتوترة، وتحويل الأسئلة الحرجة إلى فرصة للشرح والتوضيح، لا إلى ساحة اشتباك أو استعراض غضب.

منتخب مصر ليس ملكًا لأحد

الأخطر في هذه الأزمة أنها كشفت عن خلط بين الشخصي والعام، وبين الغضب اللحظي والمصلحة الوطنية، فالمنتخب المصري ليس ملكًا لمدير فني أو جهاز فني أو اتحاد كرة، بل هو ملك لجماهيره وتاريخه وبلده، وكل من يتولى مسؤوليته مؤتمن على صورته ومكانته قبل نتائجه.

ومصر، بثقلها الحضاري والرياضي والإنساني، لا تحتاج إلى خطاب تعبوي أو شعاراتي لإثبات حضورها، فهي دولة صنعت تاريخها بالأداء لا بالصوت العالي، وبالاحترام لا بالانفعال، وبالاحتراف لا بالمبررات.

أزمة بلا داعٍ.. ورسالة يجب أن تُفهم

في النهاية، ما حدث لم يكن أزمة نتائج، بل أزمة خطاب وسلوك، أزمة كان يمكن احتواؤها بجملة واحدة هادئة، أو اعتراف بسيط بسوء التوفيق، أو كلمة تقدير للجمهور والإعلام والمنافس، لكنها تحولت إلى حالة جدل غير ضرورية أساءت للمشهد الرياضي أكثر مما أفادته.

ويبقى الدرس الأهم أن من يمثل مصر، خاصة في المحافل الدولية، لا يمثل نفسه فقط، بل يحمل اسم دولة كاملة، وتاريخ أمة، وصورة شعب، ومن ثم فإن ضبط النفس ليس ضعفًا، والحكمة ليست تنازلًا، والهدوء ليس هروبًا، بل هو قمة القوة والمسؤولية.


مصر أكبر من أي مباراة، وأعظم من أي مدرب، وأبقى من أي أزمة عابرة.. والكرة المصرية لا تحتاج إلى انفعال، بل إلى عقل، واتزان، واحترام، واحتراف.