احتفالا بمولده في شهر شعبان، بعضٌ من سيرة الإمام الحسين
شهر شعبان هو الشهر القمري الثامن في التقويم الإسلامي، وعُرف شهر شعبان بهذا الاسم في عهد كلاب بن مُرّة الجد الخامس للرسول.
وتسمية شهر شعبان كباقي الشهور العربية يعود لعصرِ ما قبل الإسلام، وسمى بـشعبان لتشعب القبائل العربية وافتراقها للحرب بعد قعودها عنها في شهر رجب، حيث كانت محرمة عليهم.
وشهد شهر شعلان في السنة الرابعة من الهجرة النبوية ميلاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما وخلال السطور التالية نستعرض بعضا من سيرة الحسن في شهر مولده.

مولد الإمام الحسين
ولد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي رضي الله عنه، ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الثالث من شعبان من العام الرابع الهجري، الموافق لـ10 يناير/كانون الثاني 626م.
وهو ثاني أبناء الإمام علي والسيدة فاطمة، بعد الحسن الذي ولد يوم 15 رمضان من السنة الثالثة للهجرة، وقد فرح الرسول صلى الله عليه وسلم بولادة الحسين فرحا شديدا، فقد جاء في الخبر أن النبي لما عرف خبر المولود جاء إلى بيت علي فقال "أروني ابني، ما سميتموه؟"، فقال علي: حرب. فقال الرسول "بل هو حسين"، وكذلك سمى الحسن معترضا على اختيار علي اسم "حرب" أيضا، ولم يكن اسما "الحسن" و"الحسين" معروفين عند العرب.
وقيل ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة . وقال بعضهم: إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل. وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع.
وقال قتادة: ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين ، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف، رضي الله عنه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حنكه، وتفل في فيه، ودعا له، وسماه حسينا، وقد كان سماه أبوه قبل ذلك حربا، وقيل: جعفرا. وقيل: إنما سماه يوم سابعه وعق عنه.
معاصرة الحسين للنبي صلى الله عليه وسلم
أدرك الحسين من حياة النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث، وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيرا، ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها في الجمل وصفين، وكان معظما موقرا ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، فلما آلت الخلافة إلى أخيه، وأراد أن يصالح معاوية شق ذلك عليه، ولم يسدد رأي أخيه في ذلك، بل حثه على قتال أهل الشام، فقال له أخوه: والله لقد هممت أن أسجنك في بيت، وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن، ثم أخرجك. فلما رأى الحسين ذلك سكت وسلم.
فضائل الحسين رضي الله عنه
روى البخاري بسنده عن ابن أبي نعم قال: سمعت عبد الله بن عمر، وسأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب، فقال: أهل العراق يسألون عن قتل الذباب، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هما ريحانتاي من الدنيا " ؟ !
وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني ". يعني حسنا وحسينا.
وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال: " أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم ". تفرد بهما الإمام أحمد.
بسنده عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله، والله إنك لتحبهما. فقال: " من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني ". تفرد به أحمد.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي بسنده عن أنس بن مالك يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي أهل بيتك أحب إليك ؟ قال: " الحسن والحسين ". قال: وكان يقول: " ادع لي ابني ". فيشمهما ويضمهما إليه.
وقال الإمام أحمد بسنده عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، فيقول: " الصلاة يا أهل البيت،إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ".
وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، إذ جاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال: " صدق الله: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ".
وعن يعلى بن مرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحسن والحسين سبطان من الأسباط ".
وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
وقد قال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة قال كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذا رفيقا، فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى قضى صلاته أقعدهما على فخذيه. قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله، أردهما ؟ فبرقت برقة فقال لهما: " الحقا بأمكما ". قال: فمكث ضوءها حتى دخلا.
وقال الإمام أحمد بسنده عن علي قال: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا نائم على المنامة، فاستسقى الحسن أو الحسين، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة لنا بكئ فحلبها فدرت، فجاءه الآخر فنحاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت فاطمة: يا رسول الله، كأنه أحبهما إليك ؟ قال: " لا، ولكنه استسقى قبله ". ثم قال: " إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة ".
وقد روى الطبراني بسنده عن سليمان بن الهيثم قال: كان الحسين بن علي يطوف بالبيت، فأراد أن يستلم، فأوسع له الناس، والفرزدق بن غالب ينظر إليه، فقال رجل: يا أبا فراس، من هذا ؟ فقال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إكرام عمر بن الخطاب للحسن والحسين رضي الله عنهم
ثبت أن عمر بن الخطاب كان يحبهما ويكرمهما ويحملهما ويعطيهما في الديوان كما يعطي أباهما، وجيء مرة بحلل من اليمن، فقسمها بين أبناء الصحابة، ولم يعطهما منها شيئا، وقال: ليس فيها شيء يصلح لهما. ثم بعث إلى نائب اليمن، فاستعمل لهما حلتين تناسبهما.
وقال محمد بن سعد بسنده عن العيزار بن حريث قال: بينما عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين بن علي مقبلا، فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء.
وقال الزبير بن بكار بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر، وهم صغار لم يبلغوا، ولم يبايع صغيرا إلا منا.
وقال محمد بن سعد بسنده عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: حج الحسين بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا، ونجائبه تقاد بين يديه، والصواب أن ذلك إنما هو الحسن أخوه، كما حكاه البخاري.
وقال المدائني: جرى بين الحسن والحسين كلام فتهاجرا، فلما كان بعد ذلك أقبل الحسن إلى الحسين، فأكب على رأسه فقبله، وقال: إن الذي منعني من ابتدائك بهذا أني رأيت أنك أحق بالفضل مني، فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به.
وحكى الأصمعي بسنده أن الحسن كتب إلى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء، فقال الحسين: إن خير المال ما وقى العرض.

إكرام معاوية للحسن والحسين في خلافته
لما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن، فكان معاوية يكرمهما إكراما زائدا، ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا أحد بعدي.
فقال الحسين: والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلين أفضل منا، ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذي غزا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين.