فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حديث الجمعة

ادع الله بما شئت وأحسن الظن

الدعاء هو مخ العبادة وجوهرها وخلاصتها وأساس قوتها، فالدعاء لله يظهر ويؤكد إقرار العبد بربوبية الله، والتوكل عليه، والافتقار إليه، وتفريغ قلبه من التعلق بغيره من العباد، وهو ما يجسد حقيقة التوحيد والإخلاص، وتلبية لأمر الله حين قال في كتابه العزيز: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر: 60) فمن يستكبر عن الدعاء فقد ظلم نفسه واستحق غضب الله صاغرا ذليلا مع كل المستكبرين.. 

إن فضل الدعاء عظيم، فهو عبادة محببة إلى الله، وسبب لتحقيق المطالب، ودفع البلاء، ونيل الأجر، وتحقيق المعية الإلهية، وهو إقرار المخلوق بالافتقار إلى خالقه، كما أن الإكثار من الدعاء دليل حسن الظن بالله، وقد يَعجل الله بالإجابة أو يؤجلها أو يصرف عن العبد شرًا أعظم..

ولنا في الأنبياء الأسوة الحسنة  فلم يمنعهم كونهم رسل وأنبياء من التقرب إلى الله بالدعاء فهم أعلمنا بفضل الدعاء وحب الله لمن يدعوه ويسأله ويستعين به، كما فعل سيدنا موسى -عليه السلام- حين دعا ربه بعد أن جاء طريدا هاربا من غضب فرعون، وقبل أن يفتك به جنود فرعون انتقاما منه بعد أن قتل المصري الذي كان في عراك مع رجل من قوم موسى.. 

فجاء إلى أرض مدين لا يعرف أحدا ولا أحد يعرفه فوجد نفسه وحيدا مغلوب على أمره، فرفع يديه إلى السماء داعيا الله:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص24) بعد ذلك تغيرت حياة موسى للأفضل في ظل رعاية الله وحفظه..

ثم لدينا قصة سيدنا زكريا -عليه السلام- حين طلب من الله سبحانه وتعالى أن يهبه الولد رغم تقدم سنه، رغم وهن العظم لم ييأس زكريا من رحمة ربه فدعاه بما يريد قال تعالى في أول سورة مريم: {ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ (2) إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا (4) وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا}..  

تبين الآيات دعاء النبي زكريا لربه، حين طلب من الله الولد الصالح الذي يرثه خوفا من الموالي الأقرباء من أن يضيعوا الدين ميراث الأنبياء من بعده، حيث يخبر ربه بضعف جسده وكبر سنه واشتعال الشيب في رأسه، متوسلًا إليه بأنه لم يخذله قط في دعواته السابقة، ويسأل الإجابة في طلبه الجدي، أن يهب له ولدا وليا يرثه ويرث من آل يعقوب: 

{فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.. فاستجاب الله له حين قال تعالى: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا}.. فتعجَّب زكريا من رحمة الله به واستجابة الدعوة لأنه يعلم ضعفه ويعلم أن ذلك الشيء مستحيل مع حالته وحالة زوجه لذلك قال زكريا: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا}.. لكن الله سبحانه القادر على كل شيء قال: {قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}..

ولكي تعلم قيمة الدعاء وأهميته للعبد؛ تأمل هذه الآية الكريمة السابعة والسبعين من سورة الفرقان قال تعالى:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}، وتعني أن الله لا يبالي بنا ولا يهتم بأمرنا إذا لم ندعوه ونعبده ونلجأ إليه ونتوكل عليه فمن يتوكل على الله فهو حسبه. فالدعاء في حد ذاته عبادة.

ادعوا الله بما شئتم من كل خير لكم ولأحبابكم طالما لم يتضمن الدعاء أثما أو قطيعة أو أذى لغيركم.
Nasserkhkh69@yahoo.co