فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

رجل الدراما الأول

هو بالقطع وبالطبع رجل الدراما الأول في العالم حاليا، وهو في عرض مستمر حتى ثلاث سنوات قادمة، بعد أن أكمل تقريبا، بل بالفعل، السنة الأولى التي أغرق الجمهور في جميع أركان الدنيا في الحيرة والتوقع والدم والمال والخوف ونداءات السلام الزائفة. هو ترامب، الورقة الرابحة ترجمة اسمه، يعمل وفق عقيدة أنا رجل العالم، سيد، العالم، وحاكمه، وقيصره ومالكه. وإمبراطوره.

يستهزئ بالحلفاء ويعبد المال، وينحني له ساجدا، لا يتورع عن تهديد أقرب حلفائه، فهو يريد الاستحواذ على ما يملكه الآخرون بالقوة العسكرية وبالضغوط الاقتصادية، أو بالتملق السطحي يمدح ويوزع أوسمة كاذبة، بينما يطوي الخنجر لمن يرفض منحه التريليونات.. 

لقد بات العالم خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، في حال من الترقب، على طول المسافة من إيران شرقا إلى جرينلاند في أقصى شمال الأرض بين الدنمارك وأمريكا في المحيط المتجمد الشمالي.. 

زيارة نتنياهو الأخيرة، في أعياد الكريسماس، في منتجع اللهو السياسي الخاص بترامب، وضعت السيناريو تقريبا. وافق الأخير علي طلب نتنياهو بضرب إيران، والخطة تجسدت ملامحها، نفس الخطة التى نفذوها في تونس وليبيا ومصر وسوريا، وهي استغلال السخط الشعبي الداخلي وإثارة الغضب الفئوى وتحريض الملايين على الخروج الي الشوارع والميادين وفي الوقت ذاته يندس وسطهم عملاء الموساد والسي آي إيه. 

وعملاء مارقون خائنون لبلادهم، يطلقون النار على المحتجين وينسب الآلة الإعلامية القتل لقوات الأمن المحلية فيزداد الحريق اشتعالا، فتتحول المظاهرات إلى محارق ومجازر وعندئذ يخرج مدبر الأمر والمؤامرة لينذر ويتوعد ويحشد قاذفاته.. ويحرض ويتدخل.. 

بعد ثلاثة أيام من الاحتجاجات الدامية، ومع إدراك الشعب الإيراني للتحريض الأمريكي وما يعقبه من سقوط البلاد وليس فقط النظام، تراجع المتظاهرون، وانحسر الاحتجاج وفهم الناس عواقب ما يدبر لهم.. هو وعي الشعوب، وعي حتمي يجعلهم قادرين على التمييز بين الحق والباطل.. فهمنا في مصر وأنقذنا الوطن مما يحاك له ولا يزال. 

حتى ليلة أمس كان ضرب إيران وشيكا، وهو أراد في اجتماع الخيارات المطروحة مع أركان جيشه، ضربات حاسمة قاصمة سريعة دون تورط ممتد لأسابيع أو شهور، ومع ساعات الليل، وقع انقلاب جزئي في الموقف، فعاد وخرج يقول إنه تلقى معلومات بأن النظام الإيراني كف عن القتل ولن يعدم أحدا.. 

بعد هذا التصريح أرجئت حركة القاذفات وأعيد فتح المجال الجوي لإيران، ويمكن بسهولة فهم السر وراء هذه الخطوة القصيرة إلى الوراء، وهو تدخل دول الخليج وتركيا لحث الرجل على ضبط النفس والتوقف عن زعزعة استقرار دولة بحجم إيران لو سقطت لعمت الفوضى أرجاء الإقليم، وتوزعت الدول فرقا وطوائف مسلحة وبات ممر البترول في الخليج، هرمز رهينة الميليشيات والعصابات..

سأله الصحفيون عن مصدره حول وقف القتل ووقف الإعدامات قال إن مصادر بالغة الأهمية من إيران هي التي أبلغته، والمقصود بالطبع عبر وسطاء، لأنه لا يوجد اتصال مباشر بين الإدارتين، ونحسب أن أكثر الأطراف تضررا مما كان سيحدث هم الأشقاء في الخليج، والأصدقاء في تركيا، الذين أفزعهم بالطبع تهديدات إيران بضرب القواعد الأمريكية أينما كانت إذا ضربت أمريكا إيران..

هل سيتوقف ترامب عن التنمر والتحرش بالدول والثروات؟ لن يتوقف، هو يريد تركيع إيران لحساب إسرائيل. وهو مولع بفكرة خطف الرؤوس، بعد نجاحها مع مادورو فنزويلا، الوضع شبه مستحيل بالطبع مع خامنئي، لكن كل شيء وارد، وهو لن يتوقف عن أطماعه في ضم جرينلاند، بالذوق وبالعافية، بالقوة أو بالمال. يشتريها، لا يكترث رغم أن واجبه كعضو بارز في حلف الناتو أن يحمي مملكة الدنمارك لا أن يقتطع منها أرضا تحت لوائها.. 

من بعد جرينلاند سينقلب ليجدد مطالبه ومطامعه في ضم كندا، ثم الاستيلاء على قناة بنما.. يقول إنهم من حفروها! وفي التحصيل النهائي، حتى الآن، يمكن القول إن ترامب ذاته أراد أن يشعل النار فأطفأها في إيران بتصريحات التحريض والاستيلاء على المؤسسات وإنذارات التدخل العسكري. وللأسف، العرض مستمر في العالم حتي 2029.. لكن السماء قد تعجل بنزول القرار الإلهي..