فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

هيروشيما رقمية جديدة!

ما جرى في فنزويلا لم يكن واقعة أمنية عابرة يمكن اختزالها في خبر عاجل أو تحليل تقني محدود، بل كان لحظة كاشفة لانزلاق العالم إلى طور جديد من الصراع، طور لا تُدار فيه المعارك من غرف العمليات العسكرية وحدها، بل من داخل الشبكات، ولا تُهزم فيه الدول بإسقاط جيوشها، بل بإفقادها القدرة على الرؤية واتخاذ القرار. 

خطف رئيس دولة من قلب نظامه، أيًّا ما تكن تفاصيل التنفيذ، يعني أن مفهوم السيادة ذاته قد تعرض لاختبار قاسٍ، وأن الدولة التي تفقد سيطرتها على منظومة القيادة والمعلومة تصبح جسدًا بلا عقل، قابلًا للإخضاع دون ضجيج ودون بطولة.

ما سقط في فنزويلا لم يكن شخص مادورو بقدر ما كان سقوط وهمٍ قديم ظل يراود دولًا كثيرة، وهم أن امتلاك السلاح يعني امتلاك القوة، وأن التحالفات الاقتصادية يمكن أن تحل محل السيادة التكنولوجية، وأن الخروج من النظام المالي القائم ممكن من دون دفع ثمن استراتيجي. 

حين شُلّت منظومات القيادة والسيطرة، وانقطعت الكهرباء، وتعطلت الرادارات، لم تعد الدولة قادرة على الدفاع عن نفسها أو حتى على تعريف ما يجري داخل حدودها. في تلك اللحظة، انتهت السياسة وبدأ التنفيذ، وتحول القرار السيادي إلى تفصيل تقني يُدار عن بُعد.

في العمق، لم تكن فنزويلا الهدف الوحيد، بل كانت الرسالة موجهة إلى ما هو أبعد منها، إلى الصين تحديدًا، وإلى كل قوة صاعدة ظنت أن النفوذ الاقتصادي كافٍ لحماية الحلفاء؛ فالصين التي راكمت حضورها في أمريكا الجنوبية عبر النفط والاستثمارات والسلاح، وجدت نفسها أمام مشهد صادم: حليف يسقط، ومنظومات دفاع تصمت، واستثمارات لا تمنح حصانة. 

لم تكن المسألة فشل أجهزة بقدر ما كانت انكشاف فجوة قاتلة بين من يملك التكنولوجيا ومن يملك المنظومة التي تتحكم في بيئتها، الفارق بين بيع السلاح والسيطرة على الفضاء الذي يعمل فيه السلاح هو الفارق بين لاعب داخل النظام ومن يكتب قواعده.

الأثر الأعمق لما حدث لم يكن عسكريًا فقط، بل نقديًا وطاقويًا بامتياز. فنزويلا لم تكن مجرد دولة مأزومة، بل عقدة نفطية وذهبية خارج السيطرة الغربية الكاملة، وقناة رئيسية لتغذية الصين بالطاقة بعيدًا عن الدولار. 

تحييدها أو إعادة ضبط مسارها يعني تضييق الخناق على تجارة النفط غير الدولارية، وتوجيه رسالة قاسية لكل المنتجين بأن سوق الطاقة ليس ساحة حرة كما يُروَّج، وأن من يخرج عن قواعد اللعبة يدفع الثمن، ليس فقط اقتصاديًا بل سياديًا. 

أما الذهب، الذي تراهن عليه القوى الصاعدة كمخزن قيمة بديل، فقد أصبح هو الآخر جزءًا من معركة التحكم، إذ لا قيمة لاحتياطي ذهب لا يستطيع صاحبه حمايته أو توظيفه خارج النظام المالي المسيطر.

كل ذلك يكشف أن العالم لا يتجه إلى تعددية أقطاب كاملة كما يُعلن، بل إلى تعددية مشروطة، يُسمح فيها بالصعود الاقتصادي، ويُتسامح مع التنوع السياسي، لكن تظل مفاتيح السيادة الصلبة، من شبكة المعلومات إلى النظام النقدي، محتكرة. النظام العالمي الجديد لا يُدار بالدبابات ولا بالبيانات الصحفية، بل بالقدرة على تعطيل الخصم دون إطلاق رصاصة، وبجعل الدولة عاجزة عن رؤية ما يحدث لها قبل أن تفقد قدرتها على الرد.

وهنا تفرض الأسئلة نفسها بإلحاح لا يمكن تجاهله: هل تستطيع القوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين، أن تبني منظومة سيادة تكنولوجية مكتملة تحمي حلفاءها قبل لحظة الصدام الكبرى؟ وهل يصبح الذكاء الاصطناعي أداة توازن تردع الهيمنة، أم يتحول إلى سلاح احتكار يعمّق الفجوة بين من يملك الخوارزمية ومن يملك الأرض فقط؟ 

وهل نشهد في السنوات المقبلة انقلابات رقمية بلا جيوش وبلا دماء، لكنها تعيد رسم الخرائط السياسية والاقتصادية بهدوء قاتل؟ ثم السؤال الأخطر: هل ما زالت الدولة الوطنية قادرة على حماية قرارها في عالم تُدار فيه الشبكات من خارج الحدود، أم أننا أمام نموذج جديد للدولة، دولة تملك العلم والنشيد، لكنها لا تملك مفتاح الإشارة؟

ما جرى في فنزويلا، سواء أُحب أو كُره، ليس نهاية قصة، بل بداية فصل جديد في تاريخ الصراع الدولي، فصل يُهزم فيه الخصوم قبل أن يدركوا أنهم دخلوا معركة، ويُكتب فيه مصير الدول في صمت، لا بصوت المدافع، بل بانقطاع الشبكة.