فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

متلازمة التعويم والديون

منذ تعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016 وأنا مشغول بالإجابة عن السؤال الأزلي: ماهى المميزات التي ستعود على اقتصاد أي دولة من تعويم عملتها، أي ترك سعرها محكومًا بالعرض والطلب، وهل هى أهم من رفع أسعار كل شىء وخفض مستوى معيشة غالبية المواطنين ونقلهم من الطبقة المتوسطة ليكونوا على حافة الفقر؟

 

بلغة بسيطة وبعيدًا عن المصطلحات الاقتصادية المعقدة، وبالحسابات النظرية لـ كتب الاقتصاد، هناك ميزتان اقتصاديتان لتحرير سعر صرف أي دولة، أولهما زيادة الصادرات بسبب انخفاض قيمة العملة الوطنية نتيجة التعويم، وبالتالي تصبح المنتجات المصرية أرخص كثيرًا في الأسواق الخارجية، ومن ثم تصبح أكثر تنافسية وجذبًا للاستثمارات، ثانيًا: القضاء على ظاهرة السوق غير الرسمية للدولار والمسماة بـ السوداء بحيث يذوب الفارق بينهما.

 

أما عن التداعيات السلبية للتعويم فهى كثيرة، منها أنه يجعل الواردات أغلى كثيرًا، ومن ثم يصعب على المصريين شراء الكثير من السلع المستوردة لارتفاع أسعارها بشدة ويؤثر على القدرة الشرائية للأفراد، وقد يدفع البعض للاقتراض لتلبية احتياجاته الأساسية، كما حدث وزادت ديون الأسر المصرية بعد تعويم 2024، وفقًا لمعهد التمويل الدولي.


كما يؤدي لاختلال ميزان الصادرات والواردات وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم. يضاف لذلك أن التعويم يزيد نسبة الاقتصاد الموازي في مصر لتساوي نسبة الاقتصاد الرسمي، ما يعني أن معدلات التضخم الحقيقية ستكون أعلى بكثير مما يسببه تضاعف الطلب الجمعي، وقد يعني ذلك مزيدا من الإفقار للطبقات الفقيرة بالفعل.

 

ولا تقتصر التداعيات السلبية على الغلاء وارتفاع الأسعار، بل تمتد -وهذا هو الأخطر- إلى زيادة معدلات الدين، فقد ارتفع الدين الخارجي لمصر من 56 مليار دولار تقريبًا بعد التعويم في 2016 إلى 161 مليار دولار في يونيو 2025.

 

وعندما يرتبط التعويم بقروض من صندوق النقد يصعب على الدولة سدادها نتيجة الغرق في دوامة فوائها المرتفعة والمتراكمة، وهو ما حدث عندنا في مصر، حتى ارتفعت تكلفة خدمة الدين أو أقساط الفوائد بالجنيه المصري، ووصلت إلى 84% في العام المالي الماضي مقارنة بنحو 96% قبل عامين وفق ما قاله الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء.. 

وهكذا أصبحت مصر الآن مثل شخص مرتبه عشرة آلاف جنيه يدفع منها 8400 جنيه ديونًا شهرية بصفة مستمرة، فكيف إذن سيعيش ويدبر نفقات معيشته هو وأسرته بـ 1600 جنيه شهريًا؟!

 

وكما قال محمد معيط وزير المالية السابق حرفيًا في لقاءٍ خاص مع فضائية CNB “عربية” منذ أيام فإن تحرير سعر الصرف كان أحد الأسباب الرئيسية في زيادة معدلات الدين، حيث ارتفع الدين الخارجي للموازنة بنحو 2.6 تريليون جنيه منذ عام 2022.

وأضاف: على سبيل المثال؛ لو دين الموازنة العامة للدولة 80 مليار دولار، فأي تغير في سعر الصرف بجنيه يرفع الدين بمقدار 80 مليار جنيه، وهناك ما يعادل 2.56 تريليون جنيه أضيفوا إلى الدين الخارجي بعد التقييم على سعر الصرف الموجود.

 

ومؤخرًا أعلنت وزارة المالية عن خطة إدارة الدين الخارجي للمدى المتوسط للأعوام المالية 2026 - 2030، وأنها تستهدف خفضه تدريجيًا بنحو 12 مليار جنيه سنويًا. وأوضحت أن 50% من عوائد عمليات التخارج وبيع الأصول وأي عوائد استثنائية ستوجه لتقليل الدين وأعبائه على المدى المتوسط.

أتمنى أن تنجح المالية في تحقيق ذلك ولكن بعيدا عن فكرة التخارج وبيع الأصول التى أتحفظ عليها بشدة.. للأسف لم نتعلم الدرس من مهاتير محمد - الذي بني نهضة ماليزيا انطلاقا من رفضه املاءات وشروط صندوق النقد، ولم تفكر حكوماتنا المتعاقبة خارج الصندوق وتبحث عن موارد لبلدنا بعيدا عن هذه المؤسسة البغيضة التي لا تجني الشعوب من وراء قروضها وفوائدها سوى الفاقة والمعاناة والفقر.