إذاعة جلسات البرلمان!
لماذا لا يبادر مجلس النواب بإذاعة جلساته على الهواء مباشرة؟ ولماذا لا تكون البداية -على الأقل- بالجلسات العامة، لا سيما تلك المتعلقة بمساءلة الحكومة واستجوابها ومراقبة أدائها؟ وما الذي يمنع نقل جلسات مناقشة القوانين المصيرية التي تمس حياة المواطن اليومية، وتؤثر بشكل مباشر في معيشته وحقوقه ومستقبله؟
هذه أسئلة تبدو بديهية في أي دولة تسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات، لكنها في واقعنا ما زالت تُطرح وكأنها مطالب استثنائية، لا حقوقًا أصيلة. فالبرلمان، من حيث المبدأ، هو بيت الشعب، ومن غير المنطقي أن يُدار هذا البيت خلف أبواب مغلقة، بينما يُطلب من أصحابه الاكتفاء بالنتائج دون أن يشهدوا الطريق إليها.
منذ اللحظة الأولى، وقبل انعقاد البرلمان من الأساس، يحق لأي مواطن أن يستخدم «فيتو» الوعي، وأن يقول بوضوح: إن أبسط قواعد الشفافية تقتضي أن تُذاع جلسات مجلسي النواب والشيوخ على الهواء مباشرة، كاملة غير منقوصة، بلا انتقاء ولا تجميل.
فالنائب لا يعمل في الخفاء، ولا يتحدث باسم نفسه، بل يتكلم باسم الناس، ويصوّت نيابة عنهم، ويتحمل مسؤولية قرارات ستنعكس على حياتهم لسنوات.
من حق المواطنين أن يروا نوابهم وهم يناقشون، لا أن يسمعوا عنهم فقط. أن يشاهدوا كيف تُدار الجلسات، وكيف تُطرح الأسئلة، وكيف تُساءل الحكومة أو تُحاسَب، وكيف يتحول النقاش من مجرد كلمات إلى تصويت حاسم. فالفارق كبير بين نائب فاعل يصنع موقفًا تحت القبة، ونائب يكتفي لاحقًا بتصريح إعلامي يقول فيه: «أنا صوتُّ مع» أو «أنا كنت ضد»، دون دليل، ودون شاهد.
ومن حقنا أن نعرف كم نائبًا يملك فكرًا مستقلًا وأسلوبًا جادًا في الطرح والمواجهة، وكم نائبًا لا يتجاوز دوره حدود الصورة، أو التصفيق، أو الغياب الصامت. أن نعرف مواقف نوابنا في القوانين الشائكة، مثل قانون الإيجار القديم أو التصالح أو الإجراءات الجنائية وغيرها من التشريعات التي تلامس بيوت الناس واستقرارهم الاجتماعي: هل كانوا فعلًا ممثلين عن دوائرهم أم مجرد أرقام في كشف الحضور؟
الشفافية وحدها هي الكفيلة بكشف الفارق بين من يعمل ومن يتوارى. وهي وحدها التي تُمكّن المواطن من التمييز بين نائب يخشى ناخبيه، ونائب لا يخشى إلا موعد الانتخابات. كما أنها تضع حدًا لظاهرة النواب الذين لا يظهرون في دوائرهم إلا كل أربع سنوات، فنكتشف -بالمصادفة- أنهم لا يظهرون تحت القبة كثيرًا أيضًا، وأن الغياب أصبح سياسة لا ظرفًا.
ومن حق الناس كذلك أن يتعرفوا على نواب القوائم، بكل ما يحيط بها من نسب وجدال، لأن الجهل بالأسماء والمواقف ليس خطأ المواطن، بل نتيجة طبيعية لغياب العلنية. وربما تكشف الإذاعة المباشرة عن مفاجآت إيجابية، ونواب فاعلين لم تسلط عليهم الأضواء، لكن الأهم أنها ستكشف -بلا مواربة- من يستحق الاستمرار، ومن لا يستحق حتى المقعد.
إن وجود البرلمان لا يُقاس بالمبنى ولا بعدد المقاعد، بل بمدى حضوره في وعي الناس، وبقدر ما يشعر المواطن أنه شريك في المتابعة والمحاسبة.
الخلاصة التي لا يجوز القفز فوقها أن الديمقراطية لا تُختزل في لقطة واحدة، ولا في بيان رسمي، ولا في خطاب مُنمق عن الشفافية. فالديمقراطية ممارسة يومية، والتمثيل النيابي لا يكون محترمًا إلا إذا كان مكشوفًا أمام الناس، خاضعًا لرقابتهم، قابلًا للمساءلة.
إذاعة جلسات البرلمان على الهواء مباشرة ليست مطلبًا كماليًا، ولا ترفًا سياسيًا، بل حقا أصيلا لكل المصريين، وخطوة أولى ضرورية نحو برلمان يُحترم لأنه لا يخشى الضوء، ويُصدَّق لأنه لا يعمل في الظل.. فهل يفعلها البرلمان ويذيع الحلسات؟!
نتمنى.