حرب الموانئ
هي الحرب الخفية عبر عناوين مضللة، وما جري في اليمن مؤخرا وأرض الصومال هو رسم خرائط جديدة في منطقة البحر الأحمر، شمال الصومال وجنوب اليمن نموذجًا، لتلك الحروب ومعظمها برعاية إسرائيلية مباشرة وتحت نظر أمريكا، ولن تمر بدون حرب بالوكالة في هذا الجزء بالغ الحساسية على الممرات البحرية العالمية وأهمها قناة السويس.
هذا البحر لم يعد ممرًا للتجارة فقط، بل ساحة صراع مكتملة الأركان، تُخاض من دون مواجهة مباشرة، لكن بنتائج استراتيجية بعيدة المدى، إسرائيل تتحرك بمنطق السيطرة على المفاتيح البحرية لا على الحدود فقط.. اعترافها بأرض الصومال يعني عمليًا تثبيت قدم في جنوب البحر الأحمر، قرب باب المندب، والنتيجة النهائية هي تطويق غير مباشر لمصر من الجنوب: باب المندب (الصومال، إريتريا، الوجود الإسرائيلي غير المعلن).
وهذا يعني تهديدًا عسكريًا مباشرًا لمصر، وتقليص هامش الحركة المصري في أي صراع إقليمي مستقبلي، وجعل قناة السويس والبحر الأحمر ورقتين قابلتين للضغط الدولي والإسرائيلي هكذا تُغلق الدائرة، جنوب البحر الأحمر تحت نفوذ حلفاء أو شركاء لإسرائيل، وشماله لم يعد مصريًا خالصًا كما كان تاريخيًا وذلك بكسر المبدأ.
لأول مرة تُنزع من مصر ورقة جيوسياسية كانت جزءًا من معادلة الردع الإقليمي، وهذا شجّع قوى أخرى، وعلى رأسها إسرائيل على التعامل مع البحر الأحمر كمساحة مفتوحة لإعادة الترتيب، لا كمنطقة نفوذ مصري تاريخي.
الاعتراف بأرض الصومال يأتي في هذا السياق، تفكيك الاحتكار الجغرافي للدول المركزية (مصر، اليمن، السودان) وهكذا بدأ الصراع الخفي علي موانئ المنطقة يعلن عن نفسه بوضوح، فاللاعبين أمريكا حاضرة بثقلها العسكري المباشر، تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وامتدادًا طبيعيًا لأمنها البحري. ووجودها لا يستهدف الاشتباك، بل إدارة الحركة ومنع أي طرف من امتلاك مفتاح الإغلاق.
أما الصين فدخلت الساحة من بوابة التجارة، ثم ثبتت أقدامها عسكريًا، بوجود دائم ومحسوب وطويل الأمد، هدفه حماية طريق الحرير البحري وضمان ألا تُدار هذه الساحة من دونها. أما الإمارات فتتحرك بعقلية مختلفة، لا تبحث عن سيطرة معلنة، بل عن نفاذ دائم، عبر موانئ وقواعد مرنة وشراكات مع كيانات محلية، وتتعامل مع البحر الأحمر كسلسلة عقد يجب الإمساك بها لا كجبهة مواجهة مفتوحة.
وإسرائيل لا تظهر لاعبًا بحريًا مباشرًا في المشهد، لكنها من أكثر الأطراف حساسية تجاهه؛ وتجربتها التاريخية مع إغلاق الممرات البحرية جعلت من البحر الأحمر خطًا أحمر استراتيجيًا، وهدفها ثابت هو ألا يُغلق هذا البحر في وجهها مرة أخرى.
أما إيران، فتؤدي دورًا مغايرًا، لا إدارة ولا ضمان، بل تعطيل، عبر رفع كلفة الملاحة وخلق القلق دون الحاجة إلى وجود بحري تقليدي واسع..
وتعكس رغبة إثيوبيا في إيجاد منفذ بحري، مقدار الأهمية التي يحظى بها مجال الموانئ في القارة الإفريقية، ورغم أن نشاط القارة البحري لا يُمثل سوى 3% من التجارة العالمية و4% من حركة الحاويات، إلا أن ثقلها الجيوستراتيجي وحيوية ممراتها البحرية، لاسيما فيما يتعلق بتوريد المواد الخام..
جعل منها أهدافًا استراتيجية للقوى الدولية الكبرى، التي تسعى لعقد شراكات استثمارية مع حكومات البلدان الإفريقية تُقدر بمليارات الدولارات، وتشمل بناء وتحديث واستغلال الموانئ، خاصة في خليج غينيا، والساحل التنزاني.
وعملت الصين على ضم إفريقيا لخطتها المعروفة باسم عقد اللؤلؤ بهدف ضمان إمداداتها من المواد الخام، انطلاقًا من نقاط بحرية تمتد من بحر الصين الجنوبي، وصولًا إلى البحر الأحمر وسواحل بلدان القرن الإفريقي.
كما وضعت بكين المسارات البحرية الإفريقية ضمن استراتيجيتها الشاملة "الحزام والطريق"، التي تطمح إلى توسيع نفوذها التجاري والاقتصادي في أسواق آسيا وإفريقيا وأوروبا.
ولكل ذلك باتت الموانئ البحرية إحدى محاور الصراعات المسلحة في بعض دول منطقة الشرق الأوسط، مثل ليبيا واليمن وسوريا والصومال، خلال السنوات الماضية، وذلك للدور البارز الذي تقوم به هذه الموانئ على المستويات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، وبما جعلها عنصرًا مؤثرًا في مسارات الصراعات ذاتها.
فخلال الفترة الماضية، شهدت الدول السابقة مواجهات عسكرية متصاعدة بين القوات الحكومية من جهة والتنظيمات الإرهابية والمسلحة من جهة أخرى، في إطار محاولات الطرفين بسط نفوذهما على هذه الموانئ لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية عديدة.
وفي حالتى اليمن والصومال، تمكنت القوات الشرعية من السيطرة على الموانئ الرئيسية بما ساهم في قطع خطوط الإمدادات ومصادر التمويل للتنظيمات المسلحة.. بينما في حالة ليبيا كانت سيطرة الجيش الليبي على عدة موانئ نفطية منذ سبتمبر 2016، إيذانًا بمضاعفة إنتاج البلاد من النفط تدريجيًا.