فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الكلاب والعضة القاتلة!

تقترن كلمة الكلاب عادة في الذاكرة الأدبية المصرية بالرواية العالمية اللص والكلاب. لأديب نوبل نجيب محفوظ، في إشارة إلى كلب مثقف انتهازي حقن السفاح بطل الرواية الحقيقي بأفكار تبرر السرقة والقتل.. 

ومع انحسار الذوق العام، واقتصار الاهتمام على الصدمات اليومية الحياتية، إذ حين تجوع البطون تغيب العقول يتدنى الذوق وينحدر وينزلق، وفي بيئة كهذه تقع ظواهر لا يلتفت إليها أحد، مواطنا أو مسئولا، إلا إذا كان لها تأثير يهدد النسيج الاجتماعي والبنية السياسية، والشلة الإعلامية والنخبة الضالة! 

يدخل في سياق هذا التأثير عضة الكلب، وأكل الكلب وتكاثر الكلاب.. كأن الكلاب لم تكن قرينة حياتنا، في البيوت والشوارع، والكلب المصري بني اللون، أو بيج، هو غالبا ساكن مقيم متجول، متسكع، في معظم شوارعنا وعند مداخل البيوت وفي الجراجات، وعلى رؤوس صناديق القمامة أو حولها.. 

كلب ضامر غالبا، مكسور الساق أحيانا، يتوسد الأرض إذا كانت مشمسة، ويصعد للنوم فوق أسطح السيارات طلبا للدفء في ليالي طوبة القارسة.. فجأة صارت الكلاب مشكلة في القاهرة، على الأقل، والسبب أنها تتكاثر بأعداد كبيرة، وأنها مزعجة للغاية، فما إن ينبح كلب حتى تتنادى معه بقية الجوقة، وما إن يهجم كلب حتى تجامله بقية العصابة بالمشاركة الفعالة والنباح المدوي، ثم تقع الحرب العنيفة إذا ما التحم كلب بكلب آخر واستدعى كل كلب أهله وعشيرته بسبب كلبة تخصه..

عندئذ يروعك مشهد الاقتتال العنيف بالأظافر والأنياب والنباح والعواء.. كان قتل الكلاب بالرصاص عملا تقليديا، وفي المنصورة كنا نشاهد ما أطلق عليه وقتها عربية الكلاب، صندوق على سيارة ينزل موظف البلدية، ويصيد الكلب الصال ويلقي به في السيارة، وسط صراخه وفرفرته يريد التخلص من قيوده.. 

مع الوقت اختفى قتل الكلاب وصيدها وحبسها وقتلها بعيدا، وبدأت دعوات الرفق بالحيوان تلفت النظر وتستدعي الاهتمام الرسمي، وهذا طيب ومطلوب ومحمود، لكن تبقى الأعداد المتزايدة للكلاب ظاهرة منذرة بأزمة يجب التعامل معها بأسلوب علمي وإنساني.. 

تعرضت زوجتي لخربشة كلب بأظافره، وهرولنا إلى مركز صحي بالمعادي، الخبيري يوفر اللقاح المضاد للعضة أو الخربشة، ونصحنا الطبيب بأن كان من الضروري أن يتم غسل مكان العضة أو الخربشة العميقة أو حتى السطحية بالماء والصابون مرات ومرات لمدة ربع الساعة، لتطهير مكان الأظافر والأنياب واللعاب.. أما الحقن وما يلازمها من قلق فحدث ولا حرج.. وكان هناك معضوضون ومعضوضات كثيرون يتابعون جدول أخذ الحقنة!

الكلاب الضالة ضارة، ومؤذية، ومنظر غير حضاري، والناس في مواجهتها بين مطالب بقتلها أو تعقيمها منعا لتكاثرها حتى تتبدد، لكن علماء يرون أن وجودها جزء من مفردات التوازن البيئي.. 

وبينما يستمر الجدل العام حول جماعات الكلاب الضالة، فإنها تمضي في الليل، تنبح هنا وهناك، تتخلص من فضلاتها بنوعيها السائلة والصلبة في أي مكان، وتمارس المعاشرة عيني عينك بحب ومودة، وتلد وتتوالد وكم عددها الآن؟ يقولون إنها بالملايين.. لكن رسميا لا يوجد حصر دقيق.. بالمناسبة، فكما أن هناك كلابا ضالة مؤذية، هنالك أيضا ناس ضالون مؤذون. يعقرون الطيبين!