فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

فاروق حسني لـ "فيتو": متحفي ليس قاعة عرض بل جامعة وحاضنة للشباب.. التسعينيات كانت الأصدق تعبيرًا عن ذاتي الفنية.. رفضت التقليد والتجريد كان تحديًا

الفنان فاروق حسني
الفنان فاروق حسني

تحت أضواء خافتة تنساب كترانيم موسيقية، وفي مشهدٍ اختلطت فيه ملامح النخبة بتطلعات الشباب، شهد افتتاح متحف الفنان فاروق حسني إقبالًا استثنائيًا عكس محبة جارفة من كافة أطياف المجتمع المصري، لم يكن مجرد افتتاح لصرحٍ فني، بل كان عُرسًا للجمال تجلّى فيه “التجانس الروحي والفكري” الذي يمتد عبر سنوات طوال من الإبداع.

متحف الفنان الكبير فاروق حسني 

متحف فاروق حسني في جوهره "حالة" شعورية متكاملة، حيث تتوزع اللوحات بأحجامها المتنوعة وتنسيقها الدقيق لتخلق فضاءً فنيًا رحبًا يمتص الزائر في عوالمه، وتضم أروقة المتحف مقتنيات فنية تتجاوز مجرد العرض التقليدي؛ فهي مزيج بين لوحات الفنان الخاصة التي تجسد “نضوج الرؤية” وبين مجموعة نادرة من أعمال كبار الفنانين المصريين والعالميين، من بينهم أنطوني تابيس، ألكساندر كابنيل، بوسان، محمود مختار، محمود سعيد، آدم حنين، سيف وأدهم وانلي، ومنير كنعان، راغب عياد، التي اقتناها الفنان طوال مسيرته.

متحف الفنان فاروق حسني 
متحف الفنان فاروق حسني 

وعلى ضوء هذا المشهد، حاورت فيتو الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة والآثار سابقًا، لنبحر في أعماق رؤيته التي شكلت هذا الصرح، ونستكشف الفلسفة الكامنة وراء مقتنياته ومسيرته الإبداعية الممتدة، وإلى نص الحوار:

ما الفلسفة التي يرتكز عليها متحف فاروق حسني لتعزيز حضوره ضمن المشهد الإبداعي، محليًا ودوليًا، في الآونة المقبلة؟

لا ريب أن العمل الإبداعي يمثل رؤية بحد ذاته، وحينما تجتمع مجموعة من الأعمال المتنوعة الممتدة عبر حقب زمنية طويلة، فإنها تجسد تجانسًا روحانيًا وفكريًا، وتعكس بصمات الزمن المتغيرة. وأرى أن المتحف قادر على لعب دور محوري في مشهد الفن الحديث، لا سيما في دعم وتحفيز الأجيال الشابة.

بالنظر إلى مسيرتك الحافلة، أي المحطات الفنية تجدها الأكثر تعبيرًا عن ذاتك؟

أرى أن مرحلة التسعينيات كانت حقبة في غاية السخاء؛ حيث تميزت بإنتاج لوحات ذات أحجام كبيرة بفضل ما كنت أتمتع به حينها من طاقة جسدية وذهنية وحسية، فكان التدفق الفني في تلك الفترة أكثر سيولة وانطباعية، ولذا أشعر بسعادة غامرة تجاه نتاج تلك المرحلة بالذات.

حين يتأمل فاروق حسني اليوم بداياته الفنية، هل يطغى عليه منظور الناقد المتفحص أم مشاعر الامتنان لتلك البدايات؟

في الواقع، تنتابني حالة من الدهشة حين أشاهد أعمالي الأولى؛ إذ أتساءل كيف تبلورت تلك الأفكار في ذهني في ذلك الوقت؟ هذه اللوحات ما زالت تعيش بداخلي، وأشعر بحيويتها وكأنها نُفذت لتوها، لذا أنظر إليها بعين الامتنان أكثر من النقد.

متحف الفنان فاروق حسني 
متحف الفنان فاروق حسني 

كيف استطعت استيعاب التجارب الفنية العالمية ودمجها في هويتك دون المساس بجوهر مصريتك؟

كان الأمر يمثل تحديًا كبيرًا؛ فعندما بدأت الاتجاه نحو التجريد لم أكن أدرك ماهيته بدقة، لكنني أنتجت أعمالًا شعرت بتناغمها مع روحي، وقررت حينها التعرف على رواد التجريد في العالم، ففوجئت بأساتذة كبار تحدوا الزمن والتصور التقليدي. وكان لزامًا عليّ أن أنأى بنفسي عن التقليد، لأبتكر مسارًا خاصًا يضمن تميز بصمتي الفنية في أي مجتمع، بحيث يُعرف العمل فور رؤيته بأنه يخصني.

ما الخيط الناظم الذي يربط بين مقتنياتك الخاصة من أعمال الفنانين الآخرين وبين تجربتك الإبداعية الشخصية؟

الرابط هو القيمة الفنية الخالصة؛ فالفن في جوهره هو مستوى من القيمة. أنا لم أجمع أسماءً، بل جمعت قيمًا فنية رفيعة أثرت في حياتي الشخصية، وأؤمن بضرورة أن يطلع المجتمع المصري على هذه القيم ويتذوقها.

بعيدًا عن مفهوم "صالة العرض"، كيف ترى دور المتحف في رعاية ودعم المواهب الشابة؟

المتحف بمثابة مدرسة أو جامعة. وبما أن الفن الذي أقدمه يعتبر نوعًا نادرًا في مجتمعنا، فإنني أؤمن بأنه سيقدم فائدة كبيرة للشباب ولتطور مستقبل الفن في الوطن.

متحف الفنان فاروق حسني
متحف الفنان فاروق حسني

فيما يخص ورش العمل، هل سيتم اعتمادها كمساحات للتجريب الحر أم كبرامج تعليمية ذات منهجية محددة؟

يركز المتحف على العرض، مع توفر قاعة للعروض المرئية (Video Room) للتعريف ببعض الجوانب الفنية. وبشكل عام، المتحف أداة تعليمية لا تقتصر على أعمالي فحسب، بل تمتد لتشمل إبداعات كبار الفنانين المصريين والعالميين.

كيف يمكن للمتحف كسر الحواجز المعرفية وتقريب الجمهور غير المتخصص من عوالم الفن التشكيلي؟

المتحف هو “حالة” متكاملة؛ فحين توضع الأعمال الفنية بأحجامها وتنسيقها اللائق، فإنها تخلق فضاءً فنّيًا رحبًا يعيشه الزائر، المتحف بذاته هو مُعلم وموجه، لذا يجب وضع كل قطعة في مكانها الطبيعي مع إضاءة مدروسة لإبراز ملامحها الجمالية وإيصالها للجمهور.

كيف تضمن استدامة هذا النشاط الثقافي ليكون المتحف مركزًا حيويًا نابضًا بالحياة لا مجرد واجهة احتفالية؟

المتحف جزء من “مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون”، والتي يديرها مجلس أمناء يضم كفاءات مشهودًا لها بالخبرة في العمل الجماعي والتأثير الفني والسياسي؛ هؤلاء هم الضمانة الحقيقية لاستمرار هذا المشروع.

بعد هذه المسيرة الممتدة، هل ثمة سؤال فني لا يزال يبحث عن إجابة في ذهن فاروق حسني؟

هو سؤال واحد: “ما الذي يدفعني للقيام بكل هذا؟”.