السادة الأفاضل.. عفوا
بعد أن تصل إلى نقطة معينة في مشوارك الفني، لا يعود الناس معنيين بما أنجزته في الماضي، بقدر ما ينتظرون منك خطوة أبعد، ومغامرة أجرأ، ووعيا أعمق بما راكمته من خبرة. كريم الشناوي بلغ هذه النقطة مبكرا.. أعماله السابقة ولا سيما لام شمسية وضعت اسمه في خانة المخرج الذي لا يكتفي بالإجادة، بل يسعى إلى التفرد وبناء عالمه الخاص.
لذلك حين تردد اسم «السادة الأفاضل» كمشروع جديد له، تصاعدت التوقعات طبيعيا. فيلم يجمع هذا العدد الكبير من النجوم، ويقدم باعتباره كوميديا إنسانية بطبقات اجتماعية ونفسية، بدا وكأنه وعد بوجبة سينمائية دسمة، لا تكتفي بالضحك، بل تحسن الحكي وتعرف إلى أين تمضي.
رحت أشاهد الفيلم وأنا أتوقع الكثير.. وربما لهذا السبب تحديدا، خرجت منه بابتسامة من جهة، وبعلامات استفهام من جهة أخرى.
الفيلم من بطولة نخبة كبيرة.. محمد ممدوح وبيومي فؤاد وطه دسوقي ومحمد شاهين وأشرف عبد الباقي وأحمد السعدني وانتصار وعلي صبحي وناهد السباعي وهنادي مهنا وغيرهم في باقة تمثيلية واسعة، وهو من تأليف مصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبد الرحمن جاويش.
الأحداث تدور في قرية مصرية حول عائلة أبو الفضل التي تهتز بعد وفاة الأب جلال، ليكتشف ابناه طارق وحجازي أبعادا غير متوقعة في حياة الراحل علاقة بتجارة الآثار وأسرار وزيجة سرية وطفل -همنشيها طفل- سري.. وديون ومواقف مأساوية تتحول إلى كوميديا في كثير من الأحيان.
الفكرة في ظاهرها واعدة، تجمع بين الدراما الاجتماعية والكوميديا، وتضع خلفية إنسانية صافية عن العلاقات الأسرية، الانتماء، والمسئولية.
ما أعجبني..
الفيلم فيه ضحك حقيقي في كثير من اللحظات، وتفاعل الجمهور معه واضح في شباك التذاكر رغم المنافسة، حيث حقق إيرادات كيرة. وتقريبا لن تجد ممثلا في غير مكانه، كل ممثل يقدم دوره باندماج. كما أن كريم الشناوي يهتم ببناء البيئة وأقصد هنا القرية وعلاقاتها، بشكل مقنع، بتفاصيل حقيقية في الديكور والملابس وآلية التعامل بين الناس.
لكن ما لم يعجبني..
أبرز ما يلفت النظر في الفيلم هو ضعف السيناريو وتراخي الحبكة، حيث يغلب على كثير من المشاهد الإطالة والحكي الزائد الذي لا يضيف جديدا إلى مسار القصة، لا سيما في النصف الأول الذي كان يمكن اختصاره إلى حد كبير دون الإخلال بجوهر العمل، بل ربما على العكس، كان سيمنحه إيقاعا أكثر حيوية وتركيزا.
أما حبكة الفيلم في أصلها وتطورها، فتبدو أحيانا ضبابية، تفتقر إلى محطات واضحة تحرك السرد وتدفعه إلى الأمام. الانتقالات بين الأحداث لا تأتي دائما محكمة أو مبررة دراميا، ما يخلق شعورا بالتشتت وفقدان الخط السردي الصريح.
يضاف إلى ذلك أن الكوميديا، رغم كثرتها، بدت في كثير من الأحيان مصنوعة بعناية زائدة، أقرب إلى الكوميديا المهندسة منها إلى تلك التي تولد طبيعيا من قلب الموقف، فتفقد شيئا من عفويتها ونكهتها الإنسانية.
وفي مستوى التنفيذ ورغم جودة بعض الأفكار على الورق، افتقدت عدة مشاهد للاندفاع الطبيعي الذي يمنحها الحياة. كان الإحساس في بعض اللحظات أن الضحك محسوب ومخطط له بدقة زائدة، لا نابعا من تلقائية الأداء أو حرارة التفاعل، وهو ما انعكس على وقع بعض الأدوار، حتى لدى ممثلين اعتاد الجمهور منهم حضورا أكثر تأثيرا وقوة.
أما النهاية فجاءت مخيبة للتوقعات، تحمل ملامح ما يمكن وصفه ب السلق السينمائي. لم ترتق إلى حجم الحشد الكبير من النجوم ولا إلى التمهيد الطويل الذي سبقها، وبدا وكأن الفيلم استعجل إغلاق ملفاته بدل أن يتوقف عند عقده الأساسية ويمنحها المعالجة التي تستحقها، فخرجت الخاتمة أقل عمقا وأضعف أثرا مما كان مأمولا.
بكل صراحة نحن أمام فيلم لطيف يصلح للمشاهدة من أجل الضحك الخفيف وتخفيف وطأة اليوم، فيلم تتابعه لتسلية الوقت ونسيان الهموم، خصوصا في جلسة جماعية لا تبحث كثيرا عن العمق. لكنه، لمن ينتظر حبكة متماسكة وروحا سينمائية متكاملة تترك أثرا بعد انتهاء العرض، سيبدو أقل من المتوقع.
قد يراه البعض كوميديا خفيفة ممتعة تؤدي غرضها، وقد يراه آخرون عملا يفتقد وحدة السرد واللحظة التي تجعلك تخرج من القاعة وأنت تشعر أنك شاهدت فيلما سيبقى معك طويلا. المقارنة مع مستوى الأعمال السائدة في السوق تمنحه نقاطا إيجابية، لكن المقارنة مع طموح مخرج مثل كريم الشناوي، الذي سبق أن رفع سقف التوقعات، تتركك في النهاية أمام حقيقة واحدة: كان يمكن أن يكون أفضل.