الإفتاء: هذا حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بالطاعات وأداء العبادات
ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه: "ما حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بأنواع الطاعات؟ فنحن نحتفل في ليلة الإسراء والمعراج بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، والاستماع إلى درس العلم حول الإسراء والمعراج من العلماء الأجلاء، ثم المديح النبوي الشريف، والذكر والصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الختام نقوم بالدعاء وقراءة الفاتحة، فما حكم هذا الاحتفال شرعًا؟ وما حكم عمل الوليمة احتفالًا بهذه الذكرى؟".
وقد جاء رد الدار على هذا السؤال كالتالي:
تحديد تاريخ ليلة الإسراء والمعراج
ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، وذلك على الراجح الذي حكاه كثيرٌ من الأئمة واختاره جماعةٌ من المحققين، وهو ما جرى عليه عمل المسلمين قديمًا وحديثًا، قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين" (1/ 361، ط. دار المعرفة) عند ذكر الليالي المخصوصة بمزيد الفضل والتي يتأكد استحباب إحيائها: [وليلة سبعٍ وعشرين منه -أي: من شهر رجب-، وهي ليلة المعراج] اهـ.
وقد نقل العلماءُ هذا القولَ ونصُّوا على أنّ عليه عملَ الناس في سائر الأمصار والأعصار، قال العلّامة السفاريني الحنبلي في "لوامع الأنوار البهية" (2/ 280، ط. مؤسسة الخافقين): [قال ابن الجوزي: وقد قيل إنه ليلة سبعةٍ وعشرين من شهر رجب، قلت: واختار هذا القولَ الحافظُ عبد الغني المقدسي الحنبلي، وعليه عملُ الناس] اهـ.
حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بأنواع الطاعات
ما ورد في السؤال حول كيفية الاحتفال والاجتماع له فيه أمران:
الأمر الأول: ما يفعله المجتمعون في هذه الليلة من الذكر والدعاء وقراءة القرآن والاستماع إلى العلم وغير ذلك من الطاعات، وهو ما يسمى في مجمله "مجالس الذكر"، وهذا مما تواردت نصوص الشريعة الإسلامية في الدلالة على مشروعيته واستحبابه.
فقد جاء الحث في القرآن الكريم على ذكر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، وجاء التوجيه الإلهي للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام بما يشير إلى فضل مجالس الذكر والدعاء في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28].
وهذا ما صرَّحت به السنة النبوية المطهرة، فعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ» رواه مسلم.
وعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقةٍ من أصحابه فقال: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: «آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَاكَ؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ» رواه مسلم.
والأمر الثاني: تخصيص هذه الليلة بالاجتماع والجلوس للذكر والدعاء؛ شكرًا لله تعالى على ما تفضَّل به على رسوله الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأُمَّتِه، وهذا ثابت بالقرآن والسنة وعمل الأمة، فقد أرشدنا القرآن الكريم وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التذكير بأيام الله وفعل الطاعات في تلك الأزمان، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، وقد علَّمنا عليه الصلاة والسلام تعظيمَ الأيام المباركة بإيقاع الطاعات فيها؛ فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رواه مسلم.
وقد استقر عمل الأمة سلفًا وخلفًا على الاحتفال بهذه الليلة، بفعل الطاعات والأعمال الصالحات. قال الإمام ابن الحاج المالكي في "المدخل" (1/ 294، ط. دار التراث): [ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها بفضله العميم وإحسانه الجسيم، وكانت عند السلف يعظمونها؛ إكرامًا لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم على عادتهم الكريمة من زيادة العبادة فيها وإطالة القيام في الصلاة، والتضرع، والبكاء وغير ذلك مما قد عُلِمَ من عوائدهم الجميلة في تعظيم ما عظمه الله تعالى؛ لامتثالهم سنَّةَ نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث يقول: «تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللهِ»، وهذه الليلة المباركة من جملة النفحات، وكيف لا وقد جعلت فيها الصلوات الخمس بخمسين إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء، وهذا هو الفضل العظيم من غنيٍّ كريمٍ، فكانوا إذا جاءت يقابلونها بما تقدم ذكره؛ شكرًا منهم لمولاهم على ما منحهم وأولاهم، نسأل الله الكريم أن لا يحرمنا ما مَنَّ به عليهم، إنه ولي ذلك آمين] اهـ بتصرف يسير، هذا مع إنكاره بعض ما يحصل من الناس في تلك الليلة مما هو موضع خلاف، ومما استحسنه غيره من العلماء.
وأما بالنسبة لعمل وليمة احتفالًا بذكرى الإسراء والمعراج: فهو إما أن يكون تتميمًا للاحتفال بالشكر لله تعالى على نعمائه، حُبًّا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا من جملة المستحبات الشرعية، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 343، ط. دار الكتب المصرية): [﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾؛ أي: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي] اهـ.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ ليَرضى عَن العبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها» رواه مسلم، والفقهاء على أن الولائم ومنها الذبائح وغيرها من الأشياء التي يمكن للعبد شكر ربه على النعم بها، وتسمى وليمة أو مأدبة، وهي من المندوبات، فيُثاب فاعلها.
وقد ورد في شهر رجب بخصوصه بعض الأحاديث النبوية الشريفة الصريحة الدالة على استحباب الذبح تقربًا إلى الله تعالى فيه، والذبح مما تحصل به وبغيره الوليمة، فعن مِخْنَفِ بن سُلَيمٍ رضي الله عنه قال: كنَّا وقوفًا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعرفة، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النَّاسُ الرَّجَبِيَّةَ» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وعن حَبيب بن مِخْنَفٍ رضي الله عنه قال: انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة، قال: وهو يقول: «هَلْ تَعْرِفُونَهَا؟» قال: فما أدري ما رجعوا عليه، قال: فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَنْ يَذْبَحُوا شَاةً فِي كُلِّ رَجَبٍ، وَكُلِّ أَضْحَى شَاةً» رواه أحمد، وعبد الرزاق في "المصنف"، والطبراني في "المعجم الكبير".
الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، والاستماع إلى درس العلم والمديح والذكر والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرٌ مشروعٌ ومستحبٌّ، وعمل الوليمة في هذه الذكرى أيضًا من المندوبات التي يثاب الإنسان على فعلها.