فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى مولد عبد الرحمن الناصر لدين الله، مؤسس أقوى دولة أموية في الأندلس

عبد الرحمن الناصر،
عبد الرحمن الناصر، فيتو

تحل اليوم ذكرى مولد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، الملقب بـ«الناصر لدين الله»، أحد أبرز حكام الدولة الأموية في الأندلس، أثناء لحظة تاريخية كانت فيها الأندلس تعيش حالة تفكك سياسي واضطراب أمني كاد يعصف بوجود الدولة الأموية نفسها. ولم يكن مولده حدثًا عابرًا في سجل الحكام، بل بداية لمسار سياسي سيغيّر موازين القوة في غرب العالم الإسلامي لعدة عقود.

حياة عبد الرحمن بن محمد 

ولد عبد الرحمن بن محمد عام 889م في قرطبة، وتولى الحكم عام 912م وهو في الثالثة والعشرين من عمره، في وقت كانت فيه الأندلس ممزقة بين ثورات داخلية، وتمردات قبلية، ونفوذ متصاعد لقوى محلية تنازع السلطة المركزية في قرطبة، كما واجه في الشمال ضغط الممالك المسيحية، وفي الجنوب خطر الفاطميين الصاعدين في المغرب، الذين كانوا ينازعون الأمويين الشرعية الدينية والسياسية.

إرث عبد الرحمن بن محمد، من إمارة مهددة إلى خلافة مستقرة

بدأ الناصر حكمه بإعادة فرض هيبة الدولة، معتمدًا على مزيج من الحسم العسكري وإعادة تنظيم الإدارة، فنجح خلال سنوات قليلة في القضاء على أبرز حركات التمرد، وعلى رأسها ثورات بني حفصون، وأعاد بسط سيطرة قرطبة على معظم أنحاء الأندلس، وهذا الاستقرار الداخلي مكنه من اتخاذ خطوة مفصلية عام 929م، حين أعلن قيام الخلافة الأموية في الأندلس، واضعًا نفسه في مواجهة مباشرة مع الخلافة العباسية في بغداد، والفاطمية في شمال أفريقيا.

لم يكن إعلان الخلافة خطوة رمزية فقط، بل تعبيرًا عن واقع قوة سياسية واقتصادية وعسكرية، حيث شهدت الأندلس في عهده ازدهارًا عمرانيًا وتجاريًا غير مسبوق. وأسهم تأسيس مدينة الزهراء قرب قرطبة كعاصمة إدارية جديدة في ترسيخ صورة الدولة المركزية القوية، كما عزز الناصر من قدرات الأسطول البحري لمواجهة النفوذ الفاطمي في البحر المتوسط.

وعلى الصعيد الخارجي، انتهج عبد الرحمن الناصر سياسة توازن دقيقة مع القوى الأوروبية المجاورة، فخاض حروبًا عند الضرورة، وأدار تحالفات دبلوماسية عندما اقتضت المصلحة، ما جعل الأندلس لاعبًا رئيسيًا في معادلات غرب المتوسط، أما داخليًا، فقد أرسى نموذجًا للحكم القائم على المركزية والانضباط الإداري، وهو النموذج الذي بلغ ذروته لاحقًا في عهد ابنه الحكم المستنصر.

وتوفي عبد الرحمن الناصر لدين الله عام 961م بعد حكم دام قرابة خمسين عامًا، ترك خلالها دولة قوية موحدة، تعد من أكثر فترات الأندلس استقرارًا ونفوذًا، وفي ذكرى مولده، لا يستعاد اسمه بوصفه حاكمًا فقط، بل باعتباره مهندس لحظة فارقة أعادت للأمويين حضورهم السياسي، ورسخت الأندلس كقوة كبرى في التاريخ الإسلامي الوسيط.