خبيرة في الشأن الأفريقي: حرب السودان تحولت لاختبار للنظام الدولي
كشفت الدكتورة أميرة عبد الحليم، خبيرة الشئون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عن أبعاد التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها السودان، وانعكاساتها المباشرة على الأمن القومي المصري منذ اندلاع الحرب هناك، مشيرة إلى أن الاعتقاد السائد في بدايات الأزمة كان أن الصراع لن يطول، وسيُحسم خلال أشهر قليلة، إلا أن الواقع أثبت امتداده لما يقرب من ثلاث سنوات، بما خلّف تداعيات عميقة على دول الجوار.
وأوضحت عبد الحليم، خلال ندوة بعنوان «التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وانعكاساتها على الأمن القومي المصري»، أن السودان كان يُنظر إليه باعتباره نموذجًا مصغرًا لـ القارة الأفريقية، لما يحمله من تنوع قبلي وصراعات على الموارد والسلطة، وهو ما جعل الصراع الحالي أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
اختبار للنظامين الدولي والإقليمي
وأكدت خبيرة الشئون الأفريقية أن استمرار الصراع بهذا الشكل جعله اختبارًا حقيقيًا للنظام الدولي، واختبارًا موازيًا لـ النظام الإقليمي العربي، إن كان موجودًا بالأساس، مشيرة إلى أن الأزمة شكّلت اختبارًا للنظام العالمي، خاصة مع التوقعات التي سادت بعد انتهاء فترة رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، بعودة أمريكية فاعلة إلى القارة الأفريقية، وهو ما لم يتحقق، إذ لم تُفرز تفاعلات النظام الدولي مسارات فعالة لمعالجة الأزمة السودانية.
انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري
وأشارت عبد الحليم إلى أن التحولات التي شهدها السودان خلال العامين ونصف الماضيين ألقت بظلالها الثقيلة على الأمن القومي المصري، موضحة أن مصر كانت من أكثر الدول انخراطًا في تقديم المبادرات ومحاولات التسوية، إلا أن التطورات الميدانية والسياسية فرضت واقعًا معقدًا على الأرض.
الكر والفر سمة الصراع عسكريًا
وعلى الصعيد العسكري، أوضحت أن حالة الكرّ والفرّ كانت السمة الغالبة للصراع، حيث لم يتمكن أي من طرفيه، سواء الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، من تحقيق حسم كامل، في ظل وجود دعم خارجي للطرفين وفق تقديرات متعددة.
ولفتت إلى أنه حتى منتصف عام 2024 بدا أن الجيش السوداني يحقق تقدمًا نسبيًا، قبل أن تعاود قوات الدعم السريع الاقتراب من مناطق استراتيجية، خاصة مدينة الفاشر والمناطق القريبة من الحدود، لما لها من أهمية حاسمة في معادلة السيطرة على السودان.
من صراع سلطة إلى حرب أهلية
وبيّنت عبد الحليم أن الصراع شهد تحولات جوهرية، أبرزها انتقاله من صراع على السلطة إلى حرب أهلية مكتملة الأركان، مع دخول الحركات المسلحة وبعض المرتزقة الأجانب، مشيرة إلى تقارير دولية تحدثت عن مشاركة مقاتلين من كولومبيا إلى جانب قوات الدعم السريع، ما زاد من تعقيد المشهد.
كما برزت مسألة السيطرة على الأرض واصطفاف القبائل والقوى المحلية، بما يعكس تحول الصراع إلى مواجهة أهلية على المستوى الميداني.
تفكك الدولة السودانية سياسيًا
وعلى المستوى السياسي، أوضحت خبيرة الشئون الأفريقية أن الدولة السودانية وصلت إلى حالة من التفكك، حيث أصبحت عناصر الدولة من إقليم وشعب وسلطة محل انقسام واضح.
وأشارت إلى إعلان قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية في أبريل 2025، إلى جانب إعلان دستور انتقالي، ورغم عدم الاعتراف الدولي والإقليمي بهذه الحكومة، فإنها قائمة فعليًا وتحظى بدعم غير مباشر من بعض دول الجوار، مثل كينيا وتشاد.
تداعيات خطيرة على مصر
وفيما يتعلق بتداعيات هذه التحولات على الأمن القومي المصري، أكدت عبد الحليم أن الأزمة تفرض تحديات مباشرة على حدود مصر مع دولة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، فضلًا عن ملف اللاجئين السودانيين وما يسببه من ضغوط على الموارد والخدمات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالأمن المجتمعي. كما حذرت من احتمالات إعادة رسم خريطة القرن الإفريقي، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات خطيرة على الأمن المصري.
وشددت على أن هذه التداعيات تستوجب ردود فعل مصرية واضحة، سواء عبر دعم مسارات التسوية السياسية، أو من خلال الانخراط مع النخبة السودانية لرسم ملامح مستقبل ما بعد الحرب، خاصة في ظل تراجع فرص بقاء بعض القوى السياسية في المرحلة المقبلة.