حديث قلب
عمر بن الخطاب بعيون مستشار قبطي
المسلمون والأقباط يحبون عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فالمسلمون يقدرونه كثاني الخلفاء الراشدين، ومؤسس للدولة الإسلامية، ويتذكرون مناقبه وعدله المطلق وتواضعه، وإيمانه وعلمه وتواضعه، ومكانته العظيمة في الإسلام، وأفضل الصحابة الكرام بعد أبي بكر الصديق (رضي الله عنهم).
ويرى المسيحيون في شخصية عمر بن الخطاب بأنه يمثل قصة تسامح تاريخي في الفتح الإسلامي، والتي ضمنت لهم الأمان على النفس والمال والكنائس وحرية الدين والحماية والتعايش..
بينما يرى فقهاء ورجال قانون أقباط، ومنهم المستشار عادل عجيب ساويرس، أنه أسس نظامًا قانونيًّا عادلًا؛ من خلال اجتهاداته وتطبيقاته العملية، سجلتها قصص ومواقف مختلفة طوال سنوات حكمه، كما سنرى خلال سطور هذا المقال..
العدل والمساواة في عهد عمر بن الخطاب تجسدا في تطبيق صارم للمساواة أمام الشرع والقانون، حيث طبق مبدأ “من أين استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” على قاضي مصر، وأصر على المساواة في العطاء والمسؤولية، حتى إنه لم يتناول السمن واللبن في عام الرمادة حتى أُحيي الناس من الجوع، مطبقًا مبدأ “لا يمسني ما مسهم”.
كما فصل القضاء عن الخلافة، وأنشأ الدواوين لتنظيم العطاء وتوزيع الثروات بالتساوي، وتطبيق مبادئ العدل على نفسه وأقاربه، مما جعل العدالة أساسًا لحكمه الذي تميز بالإنصاف الشامل، ومن مظاهر العدل والمساواة في عهد عمر أيضًا المساواة أمام القانون، فقد أنصف الإعرابي من عمرو بن العاص، وأمره أن يلطمه كما لطمه ابنه، مؤكدًا أن لا فرق بين حاكم ومحكوم.
والمساواة في العطاء والمسؤولية: في عام الرمادة، حرم عمر على نفسه السمن واللبن حتى يرفع البلاء عن الناس، قائلًا “كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم”.. وعدم التمييز في الحكم: حيث لم يتردد في محاسبة ابنه عبد الرحمن عند شربه الخمر، كما فعل مع غيره..
وتطبيق العدل على الأقربين: وضع قيودًا على استخدام ابنه للزيت في شعره حتى لا يستغل مكانته كابن أمير المؤمنين، كما أذن للناس لكي يتداوى بالعسل من بيت المال، أما الإصلاحات الإدارية: أسس الدواوين لضمان توزيع عادل للعطاء، وأنشأ نظام الحسبة للإشراف على الأسواق، وفصل القضاء عن الخلافة..
والمساواة بين جميع الرعية: ألغى الفوارق القبلية والجنسية، وجعل الناس سواسية أمام القانون والدين، “فالكل سواء في الحقوق والواجبات”.
ومن أبرز أقواله التي جسدت العدل: “أشكو إلى الله ضعف الأمين، وخيانة القوي”.. “أيما عامل لي ظلم أحدًا فبلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته”.. “لو مات جمل ضياعًا على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه”.. “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”.
أثر العدل والمساواة
بناء مجتمع قوي نبذ العصبية والجاهلية، وأصبح فيه الضعيف لا ييأس من أخذ حقه، والشريف لا يطمع في مال الوضيع.. ترسيخ مفهوم أن الحاكم والمحكوم سواسية أمام الشرع، وأن مسؤولية الحاكم تجاه الرعية مطلقة.
ولقد سمعت موقفًا حازمًا للخليفة الرابع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) من المستشار القبطي وأحد رجالات القانون الكبار في مصر..
يقول الأستاذ عادل عجيب ساويرس: Don’t break the law to enforce the law.. أي: لا تُخرق القانون من أجل تطبيقه. العدالة لا تتحقق بالقفز على القواعد، بل باحترامها، ولو كان الهدف نبيلًا هذه القاعدة تجسَّدت في موقف عظيم من سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حين تسوَّر بيت رجل سمع عنده غناءً وخمرًا..
فواجهه قائلًا: أظننت أن الله يسترك وأنت تعصيه؟ فقال له الرجل: لا تعجل عليَّ يا أمير المؤمنين، إن كنت قد عصيت الله في واحدة، فقد عصيت أنت في ثلاث. فقد قال تعالى: “ولا تجسسوا”، وأنت تجسست. وقال: “وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها”، وأنت تسوَّرت. وقال: “لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا”، وأنت لم تستأذن.. فبكى عمر وعفا عنه وقال: “هل عندك من خير إن عفوت عنك؟”، فقال الرجل: نعم، والله لا أعود، فعفا عنه وتركه.