فنزويلا تصدر شهادة وفاة المنظمات الدولية.. الأمم المتحدة تلوذ بجدار الصمت.. الغطرسة الأمريكية تؤجج الصراعات.. مجلس الأمن يكتفي بتحقيق أحلام الكبار.. والاتحاد الأوروبي والناتو يتبنى سياسة التجاهل
شهادة وفاة المنظمات الدولية، كشفت أزمة فنزويلا، وقيام الجيش الأمريكي، بأمر الرئيس ترامب، بالهجوم على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، عن حالة من الضعف الشديد الذي بدت عليه المنظمات الدولية، وخاصة منظمة الأمم المتحدة، في مواجهة التغطرس و"البلطجة" الأمريكية، التي لا تزال تتحكم في دول العالم، فهل ستعلن الغطرسة الأمريكية نهاية منظمة الأمم المتحدة، والاحتكام لمنطق القوة في العالم؟!
إنشاء الأمم المتحدة وتحقيق أحلام الكبار
مع خروج الدول الكبرى من أتون الحرب العالمية الثانية، قررت إنشاء منظمة جديدة يطلق عليها منظمة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945، بعد التصديق على ميثاق "سان فرانسيسكو"، من قبل الدول الخمس الدائمة (الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا، وفرنسا، والصين) وغالبية دول العالم، متذرعة بالاحتكام للقانون الدولي على منطق القوة، لكن الدول الكبرى اتخذت من الهيئة مكانًا للسيطرة على العالم وتعبيرًا عن انتصارهم النهائي وكان تأسيس المنظمة الدولية محاولة عقلانية وبراجماتية لاحتواء تلك القوة الكبرى داخل أطر قانونية ومؤسسية منظمة، تهدف إلى منع انفلاتها الكامل، الذي أدى لوقوع الحربين العالميتين الأولى والثانية.

كان هدف الأمم المتحدة الرئيسي هو منع تكرار مثل هذه الحرب الشاملة، وجاء تأسيسها عقب إخفاقات عصبة الأمم، وهي منظمة دولية كانت تحمل نفس الهدف المتمثل في منع الحرب، لكنها أخفت في منعها. وسعت الأمم المتحدة إلى تجاوز إخفاقات عصبة الأمم من خلال الاندماج في جميع جوانب المجتمع الدولي.
وأنشأت الأمم المتحدة منظمات مثل الجمعية العامة، ومجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، والبنك الدولي، وبعد ذلك أنشأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبرنامجها الإنمائي. على مدى الستين عامًا الماضية، شهدت الأمم المتحدة تغيرات وتطورات، وغيرت من بيئة المجتمع الدولي، من خلال عملها في حفظ السلام، وصياغة وتطوير القانون الدولي، وإرساء حقوق الإنسان.
فشل الأمم المتحدة في منع الصراعات والحروب في العالم
لكن مع التطورات العالمية المتلاحقة، برزت بعض السلبيات في إطار هذا التغيير، فعملية صنع القرار غالبًا ما تكون بطيئة للغاية، والعديد من المؤسسات، مثل مجلس الأمن، تتسم بردود الفعل، وتتأثر بسهولة بصراعات القوى، مما يجعلها عديمة الجدوى في اللحظات الحاسمة، كما أن استخدام الدول الخمس الأعضاء الدائمين لحق "الفيتو"، أدى لتفاقم الأزمة، وزاد من حدة الصراعات والأزمات، وتحول مجلس الأمن من أداه لمنع الصراعات، لأداه لزيادة الصراعات بسبب سياسة الكيل بالمكيالين.

مع زيادة الصراعات العالمية والحروب، والتبجح الأمريكي، أو ما وصفه البعض بـ "البلطجة" الأمريكية واليد الطولى لأمريكا في العالم، وختصة بعد أزمة فنزويلا وحلم الرئيس ترامب في السيطرة على كولومبيا وكوبا وإيران وجرينلاند، طرح المحللون السياسيون سؤال يقول: "هل فشلت الأمم المتحدة في احتواء الأزمات والحروب العالمية؟، وإذا لم يحدث فما جدوى وجودها؟!"
أكد المحللون السياسيون أنه من الواضح أن الهدف الرئيسي للأمم المتحدة، وهو منع الحرب، لكن المنظمة الدولية فشلت في منع الحروب والأزمات العالمية، فالأمم المتحدة، التي أنشأت بهدف منع الحروب العالمية، لم تفعل شيئًا يُذكر لمنعها، بل إنها كانت مجرد منبر للدول لتبادل الشتائم والنقد، بدلًا من حل النزاعات سلميًا.
وأوضح المحللون السياسيون أنه في بعض الحالات، مثل غزو العراق عام 2003، استُخدمت قرارات الأمم المتحدة، كمبرر للحروب، لا لمنعها، حيث تشير الأبحاث إلى أن عدد النزاعات المسلحة في العالم ازداد بشكل مُطرد في السنوات التي تلت عام 1945، ولم يبدأ بالاستقرار أو الانخفاض إلا منذ نهاية الحرب الباردة، حسبما قال هاريسون، ومارك وولف، ونيكولاس في كتاب "تواتر الحروب" عام 2011.
لكن بعض المراقبين كتنت لهم وجهة نظر مغايرة، قائلين: "إنه من غير الإنصاف القول بأن الأمم المتحدة قد فشلت لمجرد عدم القضاء على الصراعات في العالم. فالأسباب التي تدفع الدول إلى الحرب فيما بينها غالبًا ما تعجز عن حلها بالوسائل الدبلوماسية؛ وجعل السلام العالمي معيارًا لكفاءة الأمم المتحدة أمرٌ مجحف"
الأمم المتحدة تتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان
وأشاروا إلى أن "الأمم المتحدة مثلت منبرًا فعالًا للدبلوماسية غير المعلنة في العديد من الأزمات الدولية، حيث هبت لنجدة الدول عند تعرضها للهجوم، كما في حالة كوريا الجنوبية والكويت عامي 1950 و1990 على التوالي؛ كما ساهمت في حفظ السلام في دول مثل يوغوسلافيا السابقة وقبرص وتيمور الشرقية. ولعلّ انخفاض وتيرة النزاعات المسلحة حول العالم منذ عام 1990 يعود، جزئيًا على الأقل، إلى مساعي الأمم المتحدة الحميدة".

أما المحللون السياسيون فقد كشفوا إخفاقات الأمم المتحدة، مؤكدين أن الأمم المتحدة تتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان أو تتغاضى عنها، على الرغم من تطور مفهوم حقوق الإنسان في عالم ما بعد الحرب، فقد فشلت الأمم المتحدة فشلًا ذريعًا في حماية حقوق المواطنين والأقليات العرقية والنساء والأطفال، ووقفت مكتوفة الأيدي خلال موجات الإبادة الجماعية في كمبوديا ورواندا والكونغو ويوغوسلافيا، بل إن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي أُرسلت إلى البلدان التي مزقتها الحروب، كانت في بعض الأحيان متورطة في أبشع انتهاكات حقوق الإنسان".
في الوقت الذي أشار المراقبون أن الأمم المتحدة كان لها دورًا محوريًا في تطوير المفهوم الحديث لحقوق الإنسان، الذي لم يكن موجودًا قبل تأسيسها كفكرة، وبالتأكيد ليس كمجموعة متماسكة من القوانين الدولية. وقد عملت الأمم المتحدة على منع انتهاكات حقوق الإنسان وإدانتها في جميع أنحاء العالم".
كما أكد المراقبون أن الأمم المتحدة تقاعست عن منع الإبادة الجماعية أو انتهاكات حقوق الإنسان، كان ذلك نتيجة لتقصير المجتمع الدولي لا الأمم المتحدة نفسها، فعلى سبيل المثال، لم تتوقف إراقة الدماء في رواندا لعدم اكتراث الأمم المتحدة، بل لأن الدول التي كان بإمكانها التدخل، كالولايات المتحدة وفرنسا والدول الأفريقية المجاورة، عجزت أو امتنعت عن ذلك، وهو تقصير لا يمكن تحميله للأمم المتحدة وحدها.
الفيتو يقضى على استقرار الدول ويؤجج الحروب
وأشار المحللون السياسيون إلى أن إجراءات صنع القرار في الأمم المتحدة غير فعالة للغاية، وتجسد الأمم المتحدة في أسوأ صور البيروقراطيات في العالم، فالجمعية العامة ليست سوى منبرٍ يتبادل فيه قادة العالم وسفراؤهم الانتقادات اللاذعة، كما يعجز مجلس الأمن، بشكلٍ منهجي، عن اتخاذ إجراءات حاسمة في العديد من بؤر التوتر العالمية، بسبب الدول الدائمة العضوية واستخدامهم للفيتو، حيث يمنح المجلي الحق لخمس دول فقط في التحكم بقرارات المجلي، وإذا أقدمت إحدى هذه الدول على استخدام حق الفيتو، فإن القرار يتم إلغاؤه حتى وإن كانت جميع الدول قد وافقت عليه.
ووصف المحللون السياسيون نظام مجلس الأمن بإنه "بائد"، حيث يمنع المنظمة الدولية من العمل ضد مصالح هذه الدول. وخلال 65 عامًا من عمر الأمم المتحدة، استُخدم حق النقض (الفيتو) ما يزيد عن 300 مرة.

ووصف المحللون السياسيون العديد من هيئات الأمم المتحدة بأنها "فاسدة" أو "مخترقة"، حيث يتألف مجلس حقوق الإنسان من بعض أسوأ منتهكي حقوق الإنسان في العالم، ولم تتخذ إجراءات فعالة في انتهاكات حقوق الإنسان من جانب إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
كما أكدت الدراسات على انتشار مزاعم فساد واسعة النطاق في هيئات الأمم المتحدة، واستخدمت الولاسات المتحدة هذه الأسباب كذريعة ورفضت لفترة طويلة دفع كامل مستحقاتها للأمم المتحدة، وتهدد بالقيام بذلك مجددًا في المستقبل، فضلًا عن حجب التمويل عن اليونسكو عام 2011 بعد تصويتها لصالح الاعتراف بفلسطين دولة مستقلة.
فشل حل الأزمات العالمية واللجوء للهيئات الأخرى
ومع فشل الأمم المتحدة في حل الأزمات العالمية، لجأت العديد من دول العالم لمعالجة قضاياها الاقتصادية والسياسية والتجارية من خلال اتفاقيات ثنائية بين الدول، أو من خلال هيئات متخصصة أُنشئت لهذا الغرض، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والاتحاد الأوروبي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومنظمة التجارة العالمية، وغيرها، وفي جميع هذه المجالات، لا تكاد الأمم المتحدة تُذكر.

وحتى عندما تتدخل الأمم المتحدة في الشؤون الدولية، كما حدث في الأزمة الليبية عام 2011، فإن هيئات أخرى، في تلك الحالة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، هي التي تُشكّل آلية التعاون الدولي.
وعلى الرغم من انتشار المنظمات فوق الوطنية، تظل الأمم المتحدة المنتدى العالمي الذي يخول له مناقشة الشؤون العالمية، بل إن هذا التوسع في عدد المنظمات الدولية ونطاق عملها يُعد دليلًا على فشل نموذج الأمم المتحدة، لكن العديد من المنظمات الدولية تعمل بتعاون وثيق مع الأمم المتحدة، أو حتى جزئيًا ضمن منظومتها. فعندما تقوم الهيئة الدولية للطاقة الذرية بتقييم مدى التزام دول مثل العراق أو إيران بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فإنها تُقدم تقريرها إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكن اليئة الدولية للطاقة الذرية لاتزال تكيل بمكيالين، فعي تراقب العراق وإيران وتتغافل عن إسرائيل النووية.
شهادة إعلان وفاة الأمم المتحدة
ويدور النقاش حاليًا عن جدوى المنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة، التي فشلت في حل القضية الفلسطينية منذ بدايتها عام 1948، وبرغم القرارات التي أتخذت في هذا الشأن، لكنها غير قادرة على تنفيذها لعدم وجود آليات ملزمة لديها. كما فشلت في نزع فتيل الحروب التي وقعت، مؤخرًا، في العالم ومنها حروب روسيا وأوكرانيا، والحرب في غزة، وتهديد الصين لتايوان، ومعاقبة إسرائيل بشأن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة، حتي أن المحكمة الجنائية الدولية التي اتخذت قرارها ضد مرتكبي الإبادة الجماعية "نتنياهو وبن غفير، وغيرهم"، لم تتمكن من الصمود أما الهجمة الأمريكية الشرسة ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية.

وطالب العديد من المحللين السياسيين بإنهاء دور منظمة الأمم المتحدة، وإعلان وفاتها بسبب الإخفاقات المتتالية، منذ إنشائها، في حل الأزمات الدولية ومنع الحروب والصراعات، بعدما اقتصر دورها على تحقيق أحلام الكبار، والوقوف مكتوفة الأيدي أمام الغطرسة الأمريكية.