فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

تحركات ترامب تثير الجدل حول الأمن القومي الأمريكي.. تسييس الاستخبارات لخدمة مصالحه.. تعيين الموالين على حساب الخبرة.. تعزيز الدولة العميقة.. وصراعات داخلية تهدد استقلالية الأجهزة الأمنية

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

كشف تقرير حديث أعده “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا”، عن تحولات واسعة في مجتمع الاستخبارات الأمريكي خلال العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، مع تصاعد الاتهامات الموجهة له بتسييس الأجهزة الأمنية وتعيين شخصيات موالية لأجندته السياسية على حساب الخبرة والاستقلالية المهنية. 

ويمثل مجمع الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية أحد أعقد وأوسع الأجهزة المؤسسية في العالم، إذ يضم تحت مظلته أكثر من 17 وكالة تعمل في مجالات متشابكة تشمل الأمن القومي، ومكافحة الإرهاب، والحرب السيبرانية، والتحليل الاستراتيجي. 

وقد مرت هذه المنظومة خلال العام الأول من ولاية الرئيس دونالد ترامب بمرحلة مليئة بالتوترات والجدل السياسي والقانوني، تركت آثارًا عميقة على طبيعة عمل الأجهزة الأمنية وعلاقاتها مع الداخل والخارج. 

من هنا تظهر أهمية التقرير الموسع الذي نشره “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا”، معتمدًا على تحليل ثلاث دراسات رئيسية، وإن كان أهمها الدراسة الثالثة التي حملت عنوان “الاستخبارات والدولة العميقة في عهد ترامب- سياسات التعيين والملاحقات القضائية”. 

محاولات ترامب لتعزيز الدولة العميقة

وتتناول الدراسة الجدل المتصاعد حول اتهام ترامب بتعزيز ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" عبر سياسات التعيين الموالية وتهميش الأصوات المهنية المستقلة. 

كما تتناول حالات بارزة مثل ملاحقة مدير "إف بي آي" السابق جيمس كومي، وقضايا مستشاري الأمن القومي، وما تكشفه هذه الأمثلة عن تسييس العدالة والاستخبارات.

الولاء للرئيس وراء تغييرات ترامب في الاستخبارات الأمريكية
الولاء للرئيس وراء تغييرات ترامب في الاستخبارات الأمريكية

ويعني مصطلح “الدولة العميقة” في الخطاب السياسي الأمريكي، الشبكة المتجذرة من النخب البيروقراطية وأجهزة الاستخبارات وجماعات المصالح النافذة التي تعمل خارج نطاق الرقابة الديمقراطية المباشرة. وخلال الولاية الأولى لترامب زاد الاهتمام بهذا المصطلح، حيث جرى تصوير هذه المجموعات والأجهزة التابعة للدولة العميقة، بأنها قوة تعمل على تقويض السياسيين، خاصة أن ترامب وضع نفسه كشخصية معارضة للمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وتضمنت خطاباته انتقادات متكررة لها، ما خلق حالة من الصراع بين السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية. 

وفي فبراير 2025، قال المستشار السابق للرئيس الأمريكي ستيف بانون إنه ستكون هناك معركة كل يوم لتفكيك الدولة الإدارية، وهو تصريح فسره مراقبون بأن أهداف ترامب تتمثل في تقليص اللوائح وخفض الضرائب وتقليص دور الحكومة؛ فيما قال نائبه جيه دي فانس، إنه ينبغي طرد آلاف الموظفين الحكوميين واستبدالهم بموالين لشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، وفق التقرير. 

ترامب يعين الموالين له حتى لو افتقدوا الخبرة

منذ بداية ولايته الثانية، استهدف ترامب مسؤولين سابقين في الأمن القومي والاستخبارات، وطرد موظفين من الحكومة الفيدرالية، كجزء من انتقاد سياسة وإدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن؛ وسحب تفاصيل الخدمة السرية من مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون، وكلف جون راتكليف مديرا لوكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” بعد يومين فقط من عودته إلى البيت الأبيض، كما وصادق مجلس الشيوخ في 13 فبراير 2025، على تعيين تولسي جابرد مديرة للاستخبارات الوطنية “دي إن آي”، على الرغم من التشكيك في خبرتها وانتقادها لمؤسسات رقابية. 

وبحسب التقرير، توالت عمليات الفصل خلال يناير 2025، بإعلان ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي بإبعاد أكثر من ألف من المعينين السياسيين في إدارة بايدن، وأربعة أفراد من المجالس الاستشارية الرئاسية، مثل رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي كيو براون، ورئيسة العمليات البحرية الأدميرال ليزا فرانشيتي.

المناصب الاستخباراتية اختبار للولاء وليس الأمن الأمريكي

عمليات فصل واسعة النطاق وطالت عمليات الفصل خفر السواحل ووزارة الخارجية، وتمت إقالة قائدة خفر السواحل الأمريكي الأدميرال ليندا فاجان؛ وعقب تولي ماركو روبيو منصب وزير الخارجية، طلب من 12 مسؤولًا التنحي عن أدوارهم، في خطوة اعتبرها دبلوماسيون استيلاء على الخدمات الخارجية المهنية.

وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث
وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث

وفي 3 أبريل 2025، أقال ترامب مدير وكالة الأمن القومي الجنرال تيموثي هوج ونائبه؛ فيما أقال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث رئيس وكالة الاستخبارات في البنتاجون جيفري كروس، نظرًا لأن ترامب ينظر إلى الاستخبارات الأمريكية كاختبار للولاء وليس ضمانًا لأمن بلاده.

وعقب تغيير اسم وزارة الدفاع لوزارة الحرب في أكتوبر 2025، أجرى هيجسيث تغيرات هيكلية في الوزارة، بإقالة رئيس أركان البحرية جون هاريسون الذي تمتع بنفوذ كبيرة بالوزارة، مشيرا إلى أن مهمة الجيش الأولى الاستعداد للحرب، ما يعني إجراء إصلاحات شاملة بالقيادة العسكرية.

مصالح ترامب فوق المصالح الأمريكية

وينتهي التقرير إلى أن سياسات ترامب داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكية تعكس توجهًا واضحًا نحو تسييس أجهزة الدولة الأمنية وإعادة تشكيلها بما يخدم أجندة ترامب وأولوياته السياسية، حيث اتسمت هذه المرحلة بإدخال شخصيات موالية لترامب في مواقع يفترض أن تبقى فوق الانقسامات الحزبية، مما يضعف استقلالية القرار الاستخباراتي، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية حادة تؤثر بشكل مباشر على أداء أجهزة الدولة وقدرتها على حماية المصالح الأمريكية.