"ذا جارديان": دونالد ترامب رجل حرب يرتدي قناعا زائفا كـ"صانع سلام".. يستغل الفوضى لتعزيز سلطته.. ويعيد رسم المشهد العراقي طمعا في نفط فنزويلا
في الوقت الذي يزعم فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سعيه لإنهاء الحروب حول العالم، وأن العالم خسر كثيرا عندما لم يمنحه نوبل للسلام للعام 2025، خرج علينا باحتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ليدخل العالم مرحلة جديدة من الشعور بالقلق، وكأنه بات شخصا "يستمتع بالصراع".
ووفق مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية للكاتب المتخصص في الشئون السياسية الخارجية سيمون تيسدال، فإن على قادة العالم وضع حد للصورة المضللة التي وضعها ترامب لنفسه كـ"صانع سلام عالمي"، وأن يعترفوا علنا بأنه "صانع حروب عالمي"، وأن "يمثل خطرا شاملا على العالم"، وأنه يبني إرثا من الدماء.
يقول الكاتب البريطاني: لسبب وجيه، سيشعر العالم بالقلق بسبب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ فالرجل الذي يصر على الفوز بجائزة نوبل للسلام بات يستمتع بالصراع بعد الإطاحة برئيس فنزويلا الاشتراكي المتشدد نيكولاس مادورو.
ويضيف: اعتقال مادورو على يد القوات الأمريكية الغازية سيؤدي إلى موجة من الخوف والدهشة حول العالم، لأنه انقلاب غير قانوني وغير مبرر، ويزعزع الاستقرار على المستوى الإقليمي والعالمي، ويقلب المعايير الدولية، ويتجاهل الحقوق السيادية للأراضي، وقد يخلق وضعا فوضويا داخل فنزويلا نفسها؛ إنها سياسة الفوضى التي يتبناها ترامب، وهذا هو العالم الذي بتنا نعيش فيه.
ترامب يكرر مشهد الاستيلاء على النفط العراقي في فنزويلا
الهجوم المباشر على فنزويلا يمثل تأكيدا خطيرا وغير مسبوق للقوة الأمريكية المطلقة، ويأتي في نفس الأسبوع الذي هدد فيه ترامب بضربات عسكرية ضد نظام آخر معاد للغرب، وهو النظام الإيراني. ويأتي هذا بعد شهور من التصعيد العسكري والاقتصادي والسياسي الأمريكي ضد مادورو، بما في ذلك هجمات بحرية قاتلة على قوارب مزعوم أن تكون تابعة لتجار مخدرات، بحسب المقال.

بقول تيسدال: يزعم ترامب أنه يتصرف لمنع تدفق المخدرات غير القانونية إلى الولايات المتحدة عبر فنزويلا، ولوقف تدفق المهاجرين "المجرمين" المزعومين. وفي المقابل، يواجه ترامب اتهامات بتكرار للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والسعي وراء موارد النفط والغاز الهائلة في فنزويلا، وهي اتهامات عززتها عمليات الاستيلاء غير القانونية المتكررة على ناقلات النفط الفنزويلية.
مخاوف إقليمية من الهيمنة الأمريكية
واستقبل قادة المنطقة، بمن فيهم رئيس كولومبيا جوستافو بيترو، الذي اصطدم بترامب في الأشهر الأخيرة، الانقلاب بغضب وقلق؛ ربما لأنهم يخشون أن يصبحوا أيضا ضحايا للهيمنة العدوانية الجديدة لواشنطن؛ إذ إن الحكومة اليسارية في كوبا لديها سبب خاص للقلق، حيث تعتمد بشكل كبير على نظام فنزويلا للطاقة الرخيصة والدعم السياسي والاقتصادي.
ويستطرد الكاتب قائلا: وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لم يخف رغبته في رؤية تغيير النظام في هافانا. وفي بنما، ستكون مستويات القلق مرتفعة أيضا، حيث هدد ترامب سابقا بالعمل العسكري هناك بشأن السيطرة على قناة بنما؛ فيما أعادت مشاهد اعتقال مادورو ذكريات الغزو الأمريكي لبنما عام 1989 والإطاحة واعتقال ديكتاتورها آنذاك مانويل نورييجا.
بوتين وترامب.. تشابه المواقف يفوق عدم الرضا
ويتابع: قد يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير راض تماما عن الإطاحة بحليفه الفنزويلي؛ لكن هناك أوجه تشابه بين استخدام ترامب غير المبرر للعنف وتصرفات بوتين في غزو أوكرانيا؛ فكلاهما هاجم بلدا مجاورا بشكل غير قانوني وسعى لإزالة قيادته. وبالنسبة للرئيس الصيني شي جينبينج، الذي كانت قواته تتدرب الأسبوع الماضي على مواجهة "الانفصاليين" في تايوان، فقد يرى فيما قام به ترامب سابقة قد يتبعها يوما ما بسرور.
المصالح الأمريكية أقوى من مستقبل فنزويلا
ويستطرد قائلا: انقلاب ترامب يشكل قلقا كبيرا لبريطانيا والاتحاد الأوروبي والديمقراطيات الغربية، ويجب عليهم إدانته بلا تردد؛ حيث يتحدى بصورة مباشرة قواعد ومبادئ النظام الدولي الذي يقدرونه؛ فقد تجاهلت الولايات المتحدة تجاهلت مرة أخرى الأمم المتحدة والطرق التقليدية لمعالجة النزاعات بين الدول، وتتصرف على ما يبدو دون الاهتمام بما سيحدث لاحقا في فنزويلا؛ فقد ينهار النظام العام، مما يثير حربا أهلية أو انقلابا عسكريا محتملا. ومن غير الواضح ما إذا كانت أحدث التحركات العسكرية الأمريكية قد انتهت أم قد تتصاعد.
الإدارة الأمريكية تتبنى فكرة أمريكية ساذجة
فكرة أن قادة المعارضة المنفيين، مثل الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025 ماريا كورينا ماتشادو، سيعودون بسرعة وأن الديمقراطية الكاملة ستستعاد الآن، هي فكرة ساذجة، والأيام القادمة ستكون حاسمة، وكل شيء يعتمد على ترامب.
يقول تيسدال: يجب أن تضع خطوة ترامب المتهورة حدا لتصويره المضلل لنفسه كـ"صانع سلام عالمي"، وحان الوقت لكي يعترف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وغيره من القادة الأوروبيين علنا بأنه "صانع حروب عالمي"، وأنه "يمثل خطرا شاملا على العالم".
ترامب يستفيد من معاناة الآخرين
وبحسب المقال، في كل مرة يتورط فيها ترامب بصخب في مناطق الصراع، مثل روسيا وأوكرانيا أو "إسرائيل" وفلسطين، ويضع مهلا نهائية، ويصدر إنذارات، ويستفيد ماليا من معاناة الآخرين؛ ما يؤدي إلى تراجع السعي لتحقيق سلام عادل ودائم؛ حيث يخوض حربا على العالم في الوقت نفسه؛ إذ أظهرت الدراسات إن الولايات المتحدة نفذت أعدادا قياسية من الغارات الجوية في الشرق الأوسط وأفريقيا العام الماضي.

ومنذ عودته إلى السلطة قبل عام، قصف ترامب اليمن، مما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين بعد تخفيف قواعد الاشتباك؛ وقصف نيجيريا بلا جدوى؛ وقصف الصومال والعراق وسوريا؛ وقصف إيران، حيث بالغ بشكل مضلل في نجاح الغارات الأمريكية على المنشآت النووية. كما يرفض استبعاد قصف جرينلاند، وهي إقليم ذو سيادة تابعة لحليف الناتو الدنمارك، وفق تيسدال.
ترامب يشيد إرثا من الدماء
ويضيف: ما الذي يحدث في ذهن ترامب؟ تفسير متفائل يقول إنه في مسائل الحرب والسلام، لا يعرف ما يفعل، وأنه يقوم بما يفعله بلا استراتيجية، وبلا فكر، ويبتكر السياسات حسب شعوره. أما التفسير المظلم فيقول إنه يعرف تماما ما يفعله، وأن المزيد والأسوأ قادم. مثل الرؤساء السابقين في ولاياتهم الثانية الذين نفد الطريق أمامهم محليا، يجد ترامب أن المسرح العالمي يوفر فرصًا أكبر لممارسة السلطة والأنا. إنه يشيد إرثا من الدماء.
ويختتم الكاتب مقاله قائلا: سلوك ترامب غير المسئول والمتقلب بشكل خطير يزداد سوءا بشكل ملحوظ. ونجاحه في فنزويلا قد يشجعه على محاولة ارتكاب المزيد من الأعمال الفظيعة غير المنضبطة، وأن يتباهى ويستعرض ويصرخ قائلا: أطلقوا كلاب الحرب في مواجهة الفوضى.