فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حديث الجمعة

أحسن القصص وأعظم العبر

لم تأتِ قصة في القرآن إلا وفيها من كنوز المعرفة والعبر والحِكم والفوائد الجمة.. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ).. لذلك كلنا مطالبون بتدبر معاني الآيات القرآنية واستنباط العبر من القَصص القرآني والبحث في الحِكم الإلهية التي ليس لنا عنها غنى أبدًا، فالقرآن هو ذكرى للعالمين ونور على الطريق..

فكم من الوقت الذي نهدره بحثًا في مُتع الدنيا وإشكالات الحياة ليس فقط في حاضرها الذي نعيشه الآن، بل جدال مستمر بيننا عن أحداث الماضي، حتى إن أغلبنا انشغل بالتفكير في المستقبل الذي هو في علم الله، في الوقت الذي بين أيدينا كتاب كريم لم يُفرِّط الله فيه من شيء، والذي ربما صادفتنا فيه آية واحدة أو قصة فأراحتنا من كل مشاغل الدنيا ومتاعبها ومعها اطمأنت قلوبنا وهدأت أعصابنا وزال القلق والخوف الذي ملأ نفوسنا وقلوبنا.

لم ينفعه علمه ولم تنقذه كنوزه

جاءت قصة قارون مختصرة في سورة القصص من الآية السادسة والسبعين وحتى الآية الثانية والثمانين، في أروع تصوير قرآني. كان قارون رجلًا ثريًّا جدًّا من قوم موسى عليه السلام، آتاه الله كنوزًا عظيمة لكنه جحد نعمة الله وتكبر على قومه، وظن أن ثراءه جاء بعلمه وقوته وليس بفضل الله، فبغى وتكبر، فأنذره قومه والنصحاء، لكنه لم يستجب، فخسف الله به وبداره الأرض في لحظة غضب شديد، ليكون عبرة للناس أجمعين.

قارون بغى وتجبَّر

قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)، فإذا كانت المفاتيح يحملها بالكاد عصبة من الرجال الأقوياء ربما كانوا أبطال مصر في كمال الأجسام في حينها؛ فما بالنا بعدد أبواب تلك الكنوز وما بالنا بالكنوز نفسها! 

وهذا ما جعل قارون يغتر ويتكبر ويبغي على بني قومه بما فيهم نبي الله موسى عليه السلام، حتى إنه كان لا يدانيهم ليقترب من فرعون الملك المعظم صاحب السلطة والقوة ليعزز علاقته بفرعون مواليا له يدانيه ويتقرب منه بعد أن استعلى على قومه وتخلى عنهم.

الناصحون غير مرحب بهم

لم يتوانَ أُولُو الحكمة والرشاد والإيمان الصحيح عن تقديم النصح لقارون في محاولة لم تنجح لأن قارون أصر على ما هو عليه ولم يأبه لقولهم ولم يتعظ ولم يتراجع عما هو فيه من الكبر والغرور حين قالوا له: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) فقَالَ لهم (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) ولا أدري أي علم وأي شطارة وأي نباهة وأي حنكة وحيلة وأي دهاء الذي يغني العبد عن أقدار الله، فالرزق بيد الله والفضل من الله وحده (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ).

العقاب الإلهي

لقد عاقب اللهُ قارون كما عاقب مَن هم أشد منه قوة ومالًا وثراءً وعدة وعتادًا؛ (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ).

لم يدرك قارون أن ماله فتنة

في يوم ما خرج قارون متفاخرًا متباهيًا في زينة براقة فتنت أعين ضعاف النفوس من كانت الدنيا أكبر همهم من ينظرون لما متع الله به غيرهم ثم تمنوا مثل ما عند قارون ناسين أن الخير والشر فتنة من الله وامتحان وليس المال في كل حالاته نعمة.. 

فربما يكون نقمة على صاحبه إن لم ينفق منه ويحمد الله على ما أعطاه ومنَّ عليه من فضله فشكر وحدّث بهذه النعم؛ تأمل هذا المشهد وأرصد ما فيه ليتعظ من غرتهم الحياة الدنيا: (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ)، وما أدراك بزينة قارون وملابسه المرصعة بالذهب والألماس الذي قلب عقول الناس من (الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) الناس الذين غرتهم متع الدنيا الفانية وما متاع الدنيا إلا متاع الغرور قالوا: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)!

كانت عقولهم قاصرة فاختزلوا الحظ العظيم في المال والذهب والثروة والكنوز والسيارات الفخمة وحسابات البنوك في الداخل والخارج والأراضي والقصور الفاخرة! لكن هيهات فكلها بيد الله والقادر في لحظة غضب منه أن ينسف هذه الثروات ولا يبقى منها شيئًا، فالله هو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده المُلك وهو على كل شيء قدير.

ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا 

حين سمعهم أُولُو العلم والحِكمة والرشد؛ لحقوا بهم لينصحوهم كما نصحوا قارون من قبل ولم يأبه لنصحهم واستهان بهم؛ (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ).

لكن أحيانًا كلام النصح والوعظ لا يقدم ولا يؤخر بل يستهان الناصح وينبذ فيسخروا من كلامه فيقابل بالصد وربما بالسب والتجاهل واللامبالاة؛ حتى يأتي أمر الله على مرأى ومسمع من الجميع بعد أن صبر على الفاسد فهو يمهل لكن لا يهمل، يؤخر العقاب لكن يأتي في لحظة حاسمة ويعاقب فهو غفور رحيم كما أنه شديد العقاب.

خسف به وبداره

بعد إصرار قارون واستمراره في البغي والافتراء على قومه والتمادي في الكبر والغرور وإنكار نعمة الله عليه حين قال إنما أوتيته على علم عندي؛ جاء العقاب بين الكاف والنون فلم ينفعه علمه ولم تنقذه كنوزه؛ (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ).

الله يبسط الرزق لمن يشاء

بعدما شهد الناس العقاب الإلهي الذي نزل على قارون وربما كان العقاب الأغرب من نوعه فأصابهم بالذهول والدهشة، وجعلهم يستفيقون سريعًا ويتأكدون أنهم كانوا على خطأ كبير حين أبهرتهم ثروة قارون، واعتقدوا أنه ذو حظ عظيم بينما كانت ثروته نكبة حلت عليه في لحظة كبر وغرور؛ (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ).


العاقبة للمتقين

ثم يقول الله تعالى في ختام قصة قارون وهي رسالة سماوية واضحة لمن أراد أن يستقيم: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) صدق الله العظيم.
Nasserkhkh69@yahoo.com