مفاجأة رئيس الوزراء.. لا سحر ولا شعوذة!
لا سحر ولا شعوذة، ما قاله الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، حول خفض الديون إلى مستويات غير مسبوقة دون بيع أراضٍ أو تنازلات مخيفة، أمر دفع جهابذة الاقتصاد إلى النزول بثقلهم، يتوقعون ما سوف تقدم عليه الحكومة في الأيام القليلة القادمة.
تصريحات رئيس الوزراء بثّت في قلوب العامة أملًا جديدًا في إزاحة كابوس طالما حذرنا منه منذ أيام المهندس شريف إسماعيل، أتذكر مانشيت لـ «فيتو» "حكومة الخديوي إسماعيل" أثار غضب الراحل عليه رحمة الله، وبادلني مكالمة هاتفية لم يخفِ فيها «زعله» من المانشيت، غير أنني بررت ما كتبناه بوقائع تاريخية لا تزال تعيش فينا جيلًا بعد جيل، ولا يزال شعبنا يدفع ثمنها حتى اليوم.
بعد تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي التي أصر من خلالها ألا يترك لنا تفاصيل نناقشها أو نعيش على أملها، فقط ستنخفض الديون إلى مستويات ما قبل خمسين عامًا، ضربنا أخماسًا في أسداس، ولكن الرجل كان واضحًا، سيعقد مؤتمرًا يزف فيه البشرى.
عباقرة الاقتصاد قالوا كلامًا غير مقنع، ومتصيدو هفوات الحكومة قالوا كلامًا يحمل من التشويه ما هو غير بعيد عن طريقتهم في التعاطي مع هموم مصر والمصريين، ولسان حال المواطنين يردد "يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش"، وإن غدًا لناظره قريب.
سألت وزيرًا في الحكومة لعلّي أصل إلى ما لم يصل إليه غيري من معلومات، وبعد جدال ونقاش ومحاولات مستميتة مني للفوز ولو بطرف خيط، فاجأني الرجل بقوله: علمي علمك، وهذا يعني أن علم الرجل هو نفس ما تسكنه خيالاتي من هواجس وخيالات وأوهام لا تقدم للقارئ إجابة ولو بالإشارات، وإنما اللبيب بالإشارة يفهم!
شخصيًا أتعاطى مع ما قاله رئيس الوزراء بجدية تامة، رغم أن حوادث الدهر بيننا لا تمنحني مجرد الطمأنينة لكلام سيادته، ولعل إصرار سيادته على الإعلان عن مخزون أسراره وتفاصيل أطروحته في مؤتمر صحفي يدفعني دفعًا للتمسك بالأمل.
قديمًا قالوا: "الحدّاية مش بترمي كتاكيت"، وعهد العامة، وأنا منهم، مع حكومة الدكتور مدبولي أنها تعدت مرحلة الحداية إلى ما قبل الغراب بقليل، لم تعلن الحكومة مرة واحدة عن ثبات أسعار سلعة بعينها إلا وزادت قبيل أن ينتهي صاحب التصريح من تصريحه.
وكثيرًا ما تحدثت الحكومة على لسان كبيرها مرات ومرات عن اقتراب المسافة بين الجماهير وإحساسهم بتحسن الأوضاع، فلم تتحسن ولم يحس المواطن بما قاله كبيرهم، الأزمات تحاصر الناس في قوتهم، وفي مواصلاتهم، وفي تعليم أولادهم، وفي كل ما يحيط بالحياة اليومية لهم.
في ساعات سيطرة الوسوسة أطرد خيالاتي الطفولية، عندما كان يأتي إلى سوق قريتنا أفندي مصطحبًا معه طفلة في العاشرة من عمرها، يتوسط الناس ممسكًا بلمبة كهربائية، معلنًا على الناس أنه سيضعها على الطفلة، على صدرها، على رجلها، على جبينها، على أي مكان ستضيء اللمبة!
يدور الرجل وهو يقدم "برنيطة" للحضور للتبرع للفتاة التي "ستنور" بعد قليل، عادة ما كان هذا الرجل يأتي صيفًا في سوق يخلو من المظلات، نتصبب عرقًا ونتبرع بتعريفة أو قرش، ولا يزال الرجل يدور ويطالبنا بالصلاة على النبي، ونحن نصلي أملًا في الوصول إلى اللحظة الحاسمة.. البنت هتنور!
يردد الرجل تمتمات غريبة، واعدًا الجميع بأن البنت هتنور، ويعود مرة بعد مرة بقبعته طالبًا من المبهورين أن يتبرعوا للفتاة التي تقف بشموخ وثقة يوحيان للجميع أنها ستنجح في مهمتها، ولا يزال الرجل يقول كلامًا ويقدم وعودًا، وبعض الناس يملون ويغادرون.
يظل الرجل أو الحاوي يلف ويدور، ويأتي حضور غير الحضور، ويغادر من كانوا قبلنا، وهكذا حتى تأكل الشمس رؤوس الأشهاد، ويغادر الجميع، ويغادر الرجل السوق بعد أن جمع ما أراد، ونأتي في المساء نسأل بعضنا بعضًا: "يا ترى البنت نورت"؟!