فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الغنى والفقر كلاهما ابتلاء

كثيرون مَن يقرنون الغنى والثراء بالفساد والكسب غير المشروع أو غسيل أموال، وأغلب من يعتقدون ذلك هم من ذوي الحاجة من فقراء المجتمع أصحاب البيئة الاجتماعية الفقيرة، وتحديدا من تعرضوا لظلم ما من غني أو صاحب شركة لا يعرف للإنسانية معنى، فأكل حقوق الضعيف وجار على حق الغلابة فخلق بداخلهم حقدا وكراهية.. 

وربما من كان ذلك الحقد نابع من شعور هؤلاء الفقراء بالدونية بسبب معاناتهم وسوء أوضاعهم ومستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية، لكن في اعتقادي أن بعض هذه الاتهامات ظالمة لبعض أصحاب رؤوس الأموال.. 

 

كذلك ليس كل فقير لديه هذا التصور فما أكثر الفقراء الذين يحتفظون بكرامتهم وعزة نفوسهم ولديهم من الإيمان الذي جعلهم يرضون بما قسم الله لهم، فلا يحقدون على غيرهم ولا يمدون أعينهم لما متَّع الله غيرهم، وتحسبهم أغنياء من التعفف، ولا يسألون الناس إلحافا، وقد ذكرهم الله في قرآنه كما ذكر الأغنياء المحسنين الذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم.. 

 

وقد ذكر الله في الآية السادسة من سورة النساء في توجيهه للأغنياء وللفقراء أثناء تعاملهم مع أموال الأيتام فقال تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}، فعلى الغني أن يرضى بما رزقه ويعف نفسه عن الطمع، وكذلك على الفقير ألا يتجاوز حدود حاجته ويرضى ويصبر.

وكما يذكر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "الفقر والغنى مطيتان لا أبالي أيهما أمتطي".. ويقول الله تعالى: "إِنَّ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا"..

 
الغنى والفقر بيد الله وحده فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر.. فيما أتصوَّر أن ليس ثمة علاقة ارتباط مباشرة بين الغنى والفساد أو بين الغنى والظلم، كما أن ليس ثمة علاقة ارتباط مباشرة بين الفقر والتقوى أو بين الفقر والإخلاص.. 

 

فالغنى ليس دليل على فساد ولا كان  الفقر دوما ثوبا للصلاح.. فليس كل غني هو فاسد أو ظالم وليس كل فقير هو تقي أو صالح.. وكم من غني محسن وصالح، وكم من فقير مفسد وظالم.. ثم  إن دوام الحال من المحال، فلا فقر يدوم ولا غنى دائم إلى ما لا نهاية، فسبحان مُغيِّر الأحوال فتلك الأيام يداولها الله بين الناس.. 

 

سيدنا موسى عليه  السلام دعا ربه قائلا: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}..نحن جميعا فقراء إلى الله ليس للمال فقط وإنما فقراء لنعمة العفو والعافية فقراء لنعمة الستر فقراء لنعمة الرضا فقراء لنعمة الصحة والسلامة والأمن والأمان.


الغنى والفقر وجهان لعملة واحدة اسمها حياة الناس، فتواجد المال وعدم تواجده؛ كلتا الحالتين فتنة وابتلاء لأن الله يُنزِّل من السماء بقدر وحكمة {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}.. والرزق وعد من الله {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}.. فلا تجزع ولا تيأس إذا تأخر عنك الرزق، كذلك لا تغتر إذا وصلك.

فقط انتبه وأنت في حالة السعة أو في حالة الضيق؛ فأنت في امتحان مستمر ليس فقط في حالتي الغنى والفقر بل حياتك كلها امتحان واختبار.
nasserkhkh69@yahoo.com