مدبولي.. ومطالبة الصحافة بالصمت المنضبط!
في اللحظات التي تتسارع فيها الأخبار وتتكاثر فيها الشائعات كالنار في الهشيم، يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن لحكومة مدبولي أن تطالب وسائل الإعلام بالالتزام والدقة بينما لا توفر هي ذاتها إطارًا تشريعيًا واضحًا يكفل حرية تداول المعلومات؟
القاعدة بسيطة، قديمة قِدم الصحافة نفسها: لا دقة بلا معلومات.. ولا مسئولية بلا حق في المعرفة.. إن غياب قانون لحرية تداول المعلومات يجعل من الدور الرقابي للإعلام مهمة شبه مستحيلة. كيف يُحاسِب الصحفي مسئولًا دون أن يمتلك وثيقة رسمية؟ وكيف يتحقق من معلومة دون باب حكومي مُشرِع؟.. المفارقة هنا موجعة: يُطلب من الصحفي الدقة بينما يُمنع من الوصول إلى مصادرها.
التشديد في العقوبات ورفع الغرامات في مواجهة الشائعات لن يُغيّر الصورة ما دام المصدر الرسمي يتوارى خلف ستار الصمت. فالشائعة، في صورتها الحديثة، لا تُواجه بالمطاردة ولا بالملاحقة، بل تُهزم حين يجد الناس معلومة رسمية دقيقة وسريعة تجعل كل ما عداها بلا قيمة.
صحفيو مصر اليوم يقفون في منطقة رمادية. يحتاجون إلى معلومات موثقة، لكنهم لا يجدون نافذة رسمية تتيحها. يريدون التواصل مع مسئول، فيواجهون جدارًا من التعقيد أو التجاهل أو الإجراءات التي لا يُعرف لها رأسًا من عقب.. هنا يصبح العمل المهني نوعًا من الاجتهاد الخطر، لا يمسك الحقيقة كاملة، ولا يجرؤ على نشر نصفها..
من المسئول إذًا؟ حين تغيب المعلومة الموثقة عن الصحفي وحين يصمت المسئولون، تنتشر الشائعات.. الثقة بين الحكومة والإعلام ليست قرارًا إداريًا ولا منشورًا دوريًا يمكن تعميمه. إنها تُبنى عبر ممارسات يومية، وفتح قنوات تواصل، وتوفير معلومات تُحترم فيها عقول الناس، أما علاقة الشد والجذب القائمة الآن فلا تُسهم إلا في اتساع هوة عدم اليقين.
كان من المنطقي بل من الضروري أن يسبق الإعلان عن أي تغليظ للعقوبات العمل على صدور قانون حقيقي لحرية تداول المعلومات. فقبل أن تطالب الصحافة بتحمل مسئولياتها، يجب أن تُمنح الأدوات التي تجعل مسئوليتها قابلة للتطبيق.
الدول التي نجحت في تقليل الشائعات لم تعتمد على القمع، بل على الشفافية. بريطانيا تجاوزت أزماتها الإعلامية بعد إقرار قانون حرية المعلومات.. الدول الاسكندنافية جعلت الوصول للمعلومة حقًا موازيًا لحق الحياة الكريمة، بل إن دولًا نامية مثل الهند رفعت من جودة صحافتها حين فتحت أرشيف الدولة للمواطنين والصحفيين. القاعدة هناك واضحة.. المعلومة الرسمية هي السلاح الأقوى لمواجهة الكذب.
غياب المعلومات لا يُنتج فقط شائعات، بل يُنتج روايات بديلة، وتفسيرات شعبية، ومصادر مظلمة تتقدم لملء المساحات التي تركتها الدولة خالية.. ولدينا في الحالة المصرية لاعب مؤثر في ملعب الشائعات.. إنها قنوات الإخوان ومنصاتها، وما تسعى حكومة مدبولي لتنفيذه ربما يزيد مساحة تأثير هذا اللاعب؛ فحين تُحاصر الصحافة وحين يشعر المجتمع بأن هناك ما يُخفى عنه، فإنه يفقد ثقته تدريجيًا بكل ما يُقال حتى لو كان صحيحًا، وحينها قد يرتمي في أحضان ملعب الشائعات أو وسائل إعلام تدس السم في العسل!
توجيه الأسئلة الآن لمدبولي وحكومته ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية: هل نريد صحافة قوية ومسئولة؟ أم نريد فقط صمتًا منظّمًا؟ هل ننظر للإعلام ضمن إطار الدولة وشريك في كشف الحقيقة؟ أم كمتهم محتمل يجب مراقبته؟
الإجابة ليست في زيادة العقوبات، ولا في محاولة ترهيب المؤسسات، بل في إعادة بناء علاقة جديدة تقوم على الحق في المعرفة والمسئولية المشتركة.
إذا أرادت الدولة مواجهة الشائعات بفاعلية، فعليها أن تبدأ من حيث يبدأ العالم: قانون شامل لحرية تداول المعلومات، آليات واضحة للتواصل، وإرادة سياسية تؤمن بأن الحقيقة أرحم ألف مرة من فراغ يصنعه الصمت.