فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

المصارحة قبل المراجعة!

 اتفق مع ما ذهب إليه الدكتور حسن علي أستاذ الإذاعة والتليفزيون بجامعة قناة السويس، بأن التوسع في الاقتراض أمر يثيرالقلق. حتى بدت الحكومة في السنوات الأخيرة وكأنها ماضية في الطريق ذاته بلا مراجعة ولا تقييم لنتائجه على المدى البعيد. 

 

ثم جاء التوسع في الجباية كحلّ سهل وسريع لزيادة الإيرادات، ونظرة واحدة لمصادر الدخل القومي تقول بوضوح ما موارد هذا الدخل الذي تتربع الضرائب على عرشه بلا منازع، وحين تتدفق الأموال إلى الخزانة بدا للبعض أن الأزمة انفرجت، فتمادَت السياسات وكأنها اكتشفت وصفة النجاح. 

 

رُفع في وجوه المواطنين شعار خشن: «عشان نبني بلدنا نجوع»، وكأن الجوع قدر لا بد منه. لكن الحقيقة التي لا تريد الحكومة رؤيتها أن الجائع لا يبني، الجائع مشغول بإشباع بطنه الجائع، وإذا لم يجد ما يسد به رمقه تحرك غضبه وتحول إلى إعصار يهدد الجميع.


في محاولة بدت للبعض وكأنه تخفف من العبء أو ربما هروب ملفات ثقيلة، فُتح الباب واسعًا أمام القطاع الخاص في أهم مجالين: الصحة والتعليم. ظنّت الحكومة أنها بهذه الخطوة أزاحت الحمل عن كتفيها، فارتاحت واعتقدت أنها وضعت يدها على الحل. 

 

لكن النتيجة كانت تسليعًا كاملًا للخدمتين الأكثر حساسية في حياة المصريين. لم تُدرك الدولة خطورة أن يستحوذ القطاع الخاص على التعليم، فشهدنا انفجارًا في عدد المدارس والمؤسسات التي لا همّ لها إلا الربح، حتى صارت أخبارها تُنشر في صفحات الحوادث أكثر من صفحات التعليم.


ولعلّ انتخابات 2025 كانت مرآة صادقة لحال المجتمع. ناخب جائع يبيع صوته بمائتي جنيه، لا لأنه فاسد، بل لأن الجوع أذلّه ودفعه لحافة الاضطرار. ومرشح تاجر لا يرى في الناخبين مواطنين، بل سوقًا انتخابية لها سعر ولها معادلات ربح وخسارة. هكذا تحولت السياسة إلى سلعة، كما تحوّل التعليم والصحة من قبل.


نعم، لا يمكن إنكار حجم ما أُنجز في مشروعات الطرق والتسليح والبنية التحتية. لكن هذه الإنجازات جاءت على حساب شيء أهم: بناء الإنسان المصري، وتشكيل وجدانه، وحماية طبقته الوسطى، وصون الفقير من السقوط في هوة الانكسار.


نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة.. مراجعة للسياسات الاقتصادية التي سحقَت الطبقة الوسطى، ودفعت الفقير إلى قبول مائة أو مائتي جنيه مقابل صوته. ومراجعة للسياسات التعليمية التي خرجت لنا أجيالًا مشوّهة الوجدان، محدودة المعرفة، ضعيفة الانتماء. ومراجعة للسياسات الصحية التي جعلت العلاج تجارة، والمريض زبونًا، بينما المستشفيات الحكومية تقاتل للبقاء.

المراجعات ليست رفاهية، وليست ترفًا فكريًا. إنها ضرورة وطنية عاجلة.. آخر الجسور قبل أن يتدفّق الطوفان. والأهم قبل المراجعة هو المصارحة والقبول بالنقد مهما بدا ثقيلا.. فالحق كما قيل ثقيل وبي (بتشديد الياء) وما عداه خفيف مري (بتشديد الياء أيضا).