فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

واقعية مصر بلا استسلام أو تفريط

رغم التقدير الكبير الذي أحمله للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية ولرموزها من أمثال هنري كيسنجر وفرانسيس فوكوياما، فإن زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى بروكسل وعقد القمة المصرية الأوروبية تؤكد أن مصر، دون مجاملة، قد طورت نسختها الخاصة من الواقعية. 

 

فبينما ينشغل العالم اليوم بالبحث عن آليات لإدارة المخاطر التي تحيط به من أزمة الطاقة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، ومن تحديات الهجرة إلى اضطرابات الإقليم قدمت مصر نفسها كشريكٍ قويٍّ متوازن استطاع أن يحافظ على استقراره في محيطٍ مشتعل.. 

 

وتحدثت في القمة بلغة العالم الحقيقية.. لغة المصالح المشتركة، تلك المصالح التي تقوم على الحقائق لا على التصورات. في ظني أن تلك القمة طوت إلى غير رجعة مرحلة طويلة من النظريات الكلاسيكية الغربية التي كانت تضع مصر وسائر دول الجنوب في خانة التجارب السياسية ومختبرات تصدير القيم والضغط من أجل تغييرات تتوافق مع رؤية الغرب وثقافته. 

 

لقد انتقلت مصر إلى موقعٍ جديد.. موقع الشريك الفاعل في صياغة النظام العالمي الآخذ في التشكل، دولة تعرف وزنها وموقعها، وتتعامل مع العالم من منطلق الندّ لا التبعية. ولعلّ جوهر هذه التجربة أن الواقعية المصرية لم تأتِ من فراغ، بل قامت على أسس راسخة حيث قوة الدول لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تمنعه من انهيارات؛ وأن الشرعية لا تُقاس بما تقوله التصريحات الخشبية، بل بما تُنجزه المؤسسات على أرض الواقع. 

ولا يمكن وصف هذا النهج بأنه براغماتية بلا مبادئ، بل هو على العكس تمامًا هو جوهر الواقعية الوطنية التي أرستها مصر عبر السنوات الماضية.. واقعيةٌ تعرف أن الاستقرار ليس نقيض التغيير، بل شرطه، وأن بناء الدولة لا يقلّ شرفًا عن حماية الوطن وإستقلال إرادته.