رئيس التحرير
عصام كامل

أسامة شمس الدين يكتب: الحقوق الدستورية لرئيس الجمهورية "العفو" (3)



تناولنا في المقالات السابقة، العقوبة وما كانت تهدف إليه قديمًا، وما انتهت إليه حديثًا، كما فرقنا بين نوعين من العفو؛ هما: العفو والعفو الشامل، وقسمنا موقف الدساتير المصرية من حق العفو عن العقوبة إلى ثلاث حقب تاريخية.

وفي هذا المقال سوف نتناول الحقبة الثانية إبان إنهاء الحكم الملكي، وإعلان قيام الحكم الجمهوري، بعد ثورة (23) يوليو 1952.

لقد قامت ثورة 1952 على أنقاض الملكية لأسباب كان من أهمها: هزيمة الجيش في عام 1948، والتوغل الإقطاعي، ووجود اضطرابات وصراعات بين جماعة الإخوان وحكومة النقراشي، والفشل في الحصول على قرار من الأمم المتحدة بجلاء القوات البريطانية عن مصر، وتقليص حجم وحدات الجيش بعد فرض الحماية البريطانية، وإرسال معظم قوات الجيش إلى السودان، وإغلاق المدارس البحرية والحربية.

وكنتيجة لهذه الأسباب قامت ثورة 1953، والتي مرت بمجموعة من البيانات:ـ 

1- في اليوم الأول لقيام الثورة، أُعلن أن الجيش كله أصبح يعمل لصالح الوطن، في ظل دستور مجرد من أي غاية.

2- وفي اليوم الثاني، أعلن القائد العام للقوات المسلحة أن هدف الحركة هو رفع لواء الدستور والقانون.

3- وفي اليوم الثالث، أُعلن أن "الحركة تقوم على مبدأ أساسي هو التطهير واحترام الدستور، والمحافظة على الحريات العامة". 

4- وفي اليوم الرابع، وجه اللواء محمد نجيب إنذارًا إلى الملك، ينذره فيه أن يتنازل عن العرش، وقد استند هذا الإنذار إلى أسباب كان من بينها عبث الملك بالدستور، وامتهانه لإرادة الشعب، ورغبة الحركة في عودة الحكم الدستوري، وإلغاء الأحكام العرفية والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ورفع الرقابة عن الصحف، وإنهاء حالة حظر التجوال، وإعادة مجلس النواب المنحل، أو إجراء انتخابات جديدة تسفر عن تشكيل حكومة وطنية.

وكنتيجة لهذه الإجراءات والتأييد الشعبي لها نجحت ثورة 1952، وقد أعقبها صدور إعلانات دستورية مؤقتة ودستوران هما دساتير أعوام 1956، 1964،1971:

أولًا: الإعلان الدستوري الأول:
وقد صدر في العاشر من ديسمبر 1952، وأُعلن فيه باسم الشعب سقوط دستور عام 1923، والذي جاء في نصه: "أن الحكومة آخذة في تأليف لجنة تضع مشروع دستور جديد، يقره الشعب، ويكون منزهًا عن عيوب الدستور الزائل، محققًا لآمال الأمة في حكم نيابي نظيف سليم...".

ثانيًا: الإعلان الدستوري الثاني:
صدر في العاشر من فبراير 1953، وقد أُعلن فيه عن تولي مجلس قيادة الثورة أعمال السيادة العليا، وبصفة خاصة التدابير التي يراها ضرورية لحماية الثورة والنظام القائم عليها لتحقيق أهدافه، والذي يكون له حق تعيين الوزراء وعزلهم.

ومن الجدير بالذكر والملاحظة أن هذين الإعلانين قد خلا من النص على حق العفو عن العقوبة، ويرجع ذلك إلى طبيعة الإعلانات الدستورية كونها تصدر على سبيل التأقيت، وتهتدف إلى تنظيم سلطة الحكم.

ثالثًا: الدستور الأول والثاني (1956، 1964):
في السادس عشر من يناير 1956، صدر الدستور الأول المستفتى عليه، والذي قرر في المادة (141) حق رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة، حيث نصت على أنه "لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة أو تخفيضها.. أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون"، وقد تم الإبقاء على هذا النص، كما هي في دستور 1964 بالمادة (127).

رابعًا: الدستور الثالث (دستور 1971):
في عام 1971 صدر دستور مصر الدائم.. هكذا كان يُطلق عليه، والذي نص في المادة (149) على حق رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة بقوله: "لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها، أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون".

والملاحظ هنا أن دساتير ما بعد ثورة 1953 قد خلت من التفرقة الواردة في دساتير ما قبل الثورة، كما أنها قد جعلت حق العفو الخاص حصرًا وقصرًا على رئيس الجمهورية وحده، دون سواه.

وجعلت العفو العام من سلطات البرلمان وحده، وهي بذلك لم تختلف عن دساتير ما قبل ثورة 1952، ومن المعلوم أن السلطة المنوط بها إصدار القوانين هي السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان، وهو ما يمنع رئيس الجمهورية من إصدار حق العفو الشامل ما لم يستخدم حقه الدستوري في تقديم مشروع قانون يُعرض على البرلمان، طبقًا للنصوص الدستورية التي كفلت له هذا الحق، حيث تواترت الدساتير المصرية ما كان منها قبل الثورة، وما كان بعدها، على كفالة الحق لرئيس الجمهورية في اقتراح القوانين، وسوف نتناول في المقال القادم موقف دساتير ما بعد ثورة (25) يناير (2011).
---------------------------------------
( * ) كاتب وباحث قانوني














الجريدة الرسمية