الجمعة 7 أغسطس 2020...17 ذو الحجة 1441 الجريدة الورقية

كُتب في الميزان..◄3- «تربية الشباب - الأهداف والوسائل»

صحافة المواطن

أبوالريان الشافعي


ومازالت القراءة مستمرة في هذه السلسلة المسماة «كتب في الميزان»، حيث نتناول أحد الكتب التربوية القيمة بالحديث عن أهميته التي يقدمها للبشرية.. وفوائده في حياتنا.. فالكتب هي الوسيلة الرئيسة التي تجعلنا نتعلم ونتعرف على كل ما حولنا من الثقافات والمعارف والعلوم المختلفة.. وشعارنا في ذلك « فيها كتب قيمة».
اضافة اعلان


إن القراءة هي أوّل ما أمرنا به الله عزّ وجلّ؛ فقد كانت أول كلمة من القرآن الكريم هي "اقرأ" في أول آية نزلت على رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام: "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، وذلك لأهمية القراءة في حياتنا، وبالأخص قراءة كتاب الله عز وجل القرآن الكريم، فمن أفضل الأمور التي يمكن أن يشغل بها أيّ منّا بها وقت فراغه هي القراءة، فالكتاب هو خير جليس للإنسان في حياته، فكل كتاب نقرأه يأخذنا معه إلى عالم آخر لنشعر بأنّنا جزء من ذلك العالم، وقد وُصف الكتاب في البيت الشعري أفضل وصف: «أعز مكانٍ في الدنا سرجُ سابحٍ ** وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ»

ومازالت قراءتنا متتابعة في هذا الكتاب التربوي الشامل...


الكتاب هو: 
«تربية الشباب - الأهداف والوسائل» 

تأليف: 
الشيخ د. محمد الدويش 

وهذه هي الحلقة الثالثة التي نواصل فيها القراءة في الفصل الثالث من هذا الكتاب القيم المليء بالدروس والقيم التربوية...



الفصل الثالث: «الجانب الإيماني» 


حين نتحدث عن الإيمان بمفهومه الشرعي فنحن نتحدث عن الدين كله بكافة جوانبه، فالإيمان شعب أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فالتربية الإيمانية بهذا المفهوم تشمل كافة جوانب التربية، بدءًا بتصحيح الاعتقاد والصلة بالله عز وجل، وانتهاءً بغرس الآداب العامة والخاصة، وتشمل كل ما يعين على القيام بواجبات الإيمان من علم ودعوة، وإعداد للإنسان للقيام بهذه المهام.


لكنها تطلق باصطلاح أخص، يشمل جوانب الصلة بالله عز وجل وتحقيق التقوى والإيمان، وهو الاصطلاح السائد في الأدبيات التربوية اليوم بديلًا لاصطلاح (التربية الروحية) الذي يمثل تأثرًا بالمصطلحات النصرانية والصوفية، وقد شاع هذا الاصطلاح وغيره نتيجة للاحتكاك الفكري بطوائف شتى من أهل الملل الأخرى والفرق الضالة، ونتيجة لضعف العلم الشرعي لدى كثير ممن يكتب في التربية الإسلامية والفكر الإسلامي. قال الشيخ بكر أبو زيد: "ومعلوم أن لفظ الروحانية، وهذه البلاد فيها روحانية، وهذه المجالس فيها روحانية، وهكذا كلها مصطلحات صوفية لا عهد للشريعة بها، فعلى المسلمين تجنبها، وإن كان لها بريق، فعند تأمل البصير لها يجدها خواء، أو تشتمل على منابذة للشريعة بوجه ما".

والأولى الالتزام بالأسماء الشرعية (الإيمان، الإسلام، الصلاح، التقوى، الإحسان، الطاعة، المعصية، الفسوق....وغير ذلك). ففي غيرها من الألفاظ الطارئة محاذير عدة منها:


1- التشبه بأهل الملل الأخرى والطوائف الضالة.
2- أن هذه الألفاظ والأسماء لا تتلقى مجردة عن دلالاتها ومعانيها، ومن ثم يتسرب الانحراف إلى المعاني بعد أن كان في الألفاظ والأسماء. 

3- أن الأسماء الشرعية لها معان ودلالات لا يفي بها أي اسم أو لفظ آخر.
4- أن الأسماء الشرعية تترتب عليها أحكام دنيوية كالعدالة التي تعد شرطًا لتولي التربية والتعليم، وقبول الشهادة والرواية... إلخ، وتترتب عليها أحكام أخروية، فالبعد عنها ينشأ عنه الخلط في هذه الأحكام. وسيكون حديثنا عن الجانب الأخص في التربية الإيمانية، والفصل إنما هو لضرورة البحث، وإلا فالكائن البشري كل لا يتجزأ، والإيمان هو الأصل وهو المبتدأ وإليه المنتهى. أهمية التربية الإيمانية: تبدو أهمية التربية الإيمانية وضرورة الاعتناء بها من خلال أمور عدة، من أهمها ما يلي:

الأول: الإيمان هو أفضل الأعمال: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". وعن أبي ذر- رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله" قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أعلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها". وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أنه سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال.

الثاني: الإيمان مناط النجاة يوم القيامة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

الثالث: تفاوت الناس يوم القيامة على أساس الإيمان: وهذا التفاوت له ميادين منها:

 أ - تفاضل أهل الجنة فيما بينهم؛ فعن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".


ب - تفاوت العصاة من الموحدين في النار؛ فعن معبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك -رضي الله عنه- وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة، فقال: يا أبا حمزة، هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاءوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم...الحديث، وفيه: فأقول يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجدًا، فيقال يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأخرجه، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم آخر له ساجدًا، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل".

وفي حديث الشفاعة الطويل: "... فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبيَّن لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا.."..


الرابع: الإيمان هو الأساس والأصل في التربية الإسلامية، وسائر الأمور إنما هي فروع وثمرات لهذا الأصل العظيم، فالسلوك والعلم الشرعي والجهاد والدعوة والكف عن الحرمات إنما هو ثمرة ونتيجة من نتائج تحقق الإيمان. وحين نعنى بتربية الإيمان في النفوس، ويأخذ الجانب الإيماني نصيبه وحظه نختصر خطوات عدة، ونوفر الجهد في ميدان ومجال واحد.


الخامس: الإيمان هو الزاد للمرء في مواجهة الشهوات التي عصفت بشباب المسلمين اليوم، وهي مسئولة عن حالات كثيرة من الإخفاق والتراجع. السادس: قوة الإيمان هي العلاج الأنجع لكثير من المشكلات التي يشتكي منها الشباب اليوم (قسوة القلب، ضعف العناية بالعبادات، الفتور...) والاعتناء بتقوية الإيمان والتقوى في النفوس خير من التداعي لعلاج هذه الأمراض بعد وقوعها. 

السابع: قوة الإيمان هي أهم ما يعين المرء على الثبات على دين الله، خاصة ونحن اليوم نعاني من كثير من حالات التقهقر والتراجع؛ لذا فحين سأل هرقل أبا سفيان -رضي الله عنه- عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب".

الثامن: قوة الإيمان هي أعظم حاجز بين المرء وبين مواقعة الحرام والمعاصي، قال تعالى عن الشيطان: } إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{ (النحل:99). وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"، فالذي يحول بينه وبين الوقوع في هذه المعاصي وغيرها هو الإيمان. وحتى حين يواقعها العبد فالمؤمن هو أقدر الناس على الإقلاع والتوبة }إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ{ (الأعراف:201). 


هذه الأمور وغيرها تؤكد على المربين ضرورة إعادة النظر في مدى الاعتناء بالجانب الإيماني في تربيتهم، وأين موقعه ضمن أولوياتهم؟ والنظر السريع اليوم في واقع جيل الصحوة يدعونا إلى إعطاء الجانب الإيماني مزيدًا من الرعاية والعناية. ويمكن أن يتمثل الهدف العام في الجانب الإيماني فيما يلي: الهدف العام في الجانب الإيماني: غرس الإيمان وتقويته: وهو يعني تعاهد الإيمان في نفوس الناشئة، والسعي لتنميته وزيادته. وسائل عامة في البناء الإيماني: إن الوسائل التي تعين على تحقيق التربية الإيمانية وعلى زيادة الإيمان في نفوس الناشئة لا تخفى على الشباب العاملين في الميادين التربوية، لكن نشير إلى أهمها هنا لما يرتبط في بعضها من تفصيلات ربما تكون مهمة.


ومن هذه الوسائل:


1 - الاعتناء بالقرآن الكريم تلاوة وحفظًا وتدبرًا: القرآن الكريم له أثره العظيم في إصلاح النفوس وتزكيتها، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، لذا فقد رأينا أثر الاجتماع على تلاوة القرآن الكريم وحفظه وتدارسه لدى شباب الصحوة اليوم، وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه".

ونحمد الله تبارك وتعالى أن وفَّق جيل الصحوة اليوم للاعتناء بالقرآن والتربية عليه، حتى صار حفظه وإتقانه هدفًا يتطلع إليه الشاب ويصرف زهرة وقته في تحصيله، وهذا أمارة تأس بالسلف الذين كانت لهم عناية بالغة بتعلم القرآن وحفظه. عن جندب بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا.

وقال ابن عبدالبر: "طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضلَّ، ومن تعداه مجتهدًا زلَّ، فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه...". وقال محمد بن الفضل بن محمد: سمعت جدي - يعني ابن خزيمة- يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك، فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلت فلما عيدنا أذن لي. وقال الإمام النووي: "كان السلف لا يعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن".

ويحكي ذلك ابن خلدون فيقول: "اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات ". ومما ينبغي أن يضاف للاعتناء بحفظ القرآن ما يلي:


1- الاعتناء بتلاوته والتلذذ بسماعه، وما أجمل أن يطلب الشباب من أحدهم حين يجتمعون في مجلس من مجالسهم أن يتلو آيات من كتاب الله عز وجل، وكذا كان يصنع عمر -رضي الله عنه-، فعن أبي سلمة أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا رأى أبا موسى -رضي الله عنه- قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى؛ فيقرأ عنده.
2- الاعتناء بالتدبر، وتعويد الشباب عليه، وتدارس معاني القرآن الكريم.
3- الاعتناء بدراسة كتب التفسير، وعلوم القرآن وأسباب النزول... وغير ذلك مما له صلة بكلام الله عز وجل.


2- التفكر في المخلوقات: لقد أرشد القرآن الكريم في مواطن عدة إلى التفكر في مخلوقات الله تعالى، والاستدلال بعظمتها على عظمة خالقها عز وجل، وجعل ذلك من صفات أهل العقل والحكمة } إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأولِي الأَلْبَابِ{ (آل عمران:190). والتفكر الحقيقي في مخلوقات الله يؤدي بصاحبه إلى الإيمان والتقوى واللجوء لخالقه عز وجل؛ ذلك أن آيات الله إنما يعقلها العالمون من عباده، ويتفكر فيها أولو الألباب. لذا فعلى المربي الاعتناء بهذا الجانب والاهتمام به، ومن الوسائل المحققة لذلك ما يلي:
1- دراسة آيات القرآن الكريم التي فيها الحديث عن عظمة الله عز وجل، ودراسة تفسيرها، وربطها بالواقع. 2- ربط العلوم المادية التي يدرسها الطلاب -وتتناول جانبًا من عظمة خلق الله- بالإيمان، والحديث عن مظاهر عظمة هذا الخلق التي تدل على عظمة الخالق عز وجل، وألا تعرض مادة جافة. 3- حين يخرج الأب مع ابنه، أو المعلم مع تلامذته إلى الخلاء فيرى جمال المخلوقات وتناسقها فليذكرهم بالله عز وجل، وليربطهم بآياته سبحانه. 4- دراسة جوانب من نتاج العلم المعاصر التي اكتشفت حقائق تدل على عظمة خلق الله عز وجل(18).


3 - جلسات الذكر: لقد كان صلى الله عليه وسلم يعنى بمجالس الوعظ والتذكير، وكان أصحابه يجدون أثر ذلك في نفوسهم، ويفتقدونه حين يغدون إلى بيوتهم ويخالطون أهليهم. عن حنظلة الأسيدي- وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات.

وأثنى صلى الله عليه وسلم على الذين يجتمعون على ذكر الله وطاعته، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم؛ إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم".


وكان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اعتناء بمجالس الذكر، كما سيأتي في الحديث عن التعاون على أداء العبادة. 4 - المواعظ: الموعظة تحرك القلوب وتثير كوامن النفوس، وكثير من العصاة والمعرضين ارتدعوا عما وقعوا فيه من فسق وفجور بسبب موعظة استمعوا إليها.


لذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعنى بالموعظة لأصحابه، يحكي أحد أصحابه وهو العرباض بن سارية -رضي الله عنه- عن موعظة وعظها إياهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي؛ فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ".


وحتى تترك الموعظة أثرها ينبغي أن تكون تخولًا (بين الحين والآخر)، وألا تكون بصفة دائمة. عن أبي وائل قال: كان عبدالله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. ومن المواطن التي تناسب الوعظ المواقف المؤثرة؛ فهي تهيئ النفوس، وتزيل قسوتها؛ فتكون أقرب للتأثر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين وعظ أصحابه في جنازة أحد الأنصار.

ومنها رؤية المربي للتقصير والإعراض من الناس، وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم ؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال: "عرضت على الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" قال: فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، قال: غطوا رءوسهم ولهم خنين، قال: فقام عمر فقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا.

5- التعاون المشروع على أداء العبادات: النفس تضعف ويصيبها الفتور والتقصير، لكن المسلم حين يرى ما عليه إخوانه الصالحون يزداد همة ونشاطًا للعمل والاجتهاد فيه، لذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أتقى الناس وأقربهم لله تبارك وتعالى يزداد طاعة وهمة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة(24).قال النووي عند ذكره لفوائد هذا الحديث:"ومنها زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم". ومن صور التعاون المشروع على أداء العبادة: أ - الأمر بها والحث عليها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فإذا أوتر قال: "قومي فأوتري يا عائشة.



بل خرج صلى الله عليه وسلم من بيته ذات ليلة لابنته وصهره آمرًا إياهما بالصلاة والتهجد، فعن على بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي عليه السلام ليلة فقال: "ألا تصليان؟ " فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إلى شيئًا ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: } وَكَانَ الأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا{ (الكهف: 54).


ويوصي صلى الله عليه وسلم بهذا التعاون بين الرجل وزوجته مثنيًا على من يفعله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء".

ب - الاجتماع المشروع على العبادة، كالاجتماع على الذكر، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعلون ذلك؛ فعن معاذ -رضي الله عنه- أنه قال: "اجلسوا بنا نؤمن ساعة"، يعني نذكر الله تعالى. وعن الأسود بن هلال قال: كان معاذ يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه. وعن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: امشوا بنا نزدد إيمانًا.

ومن ذلك الاجتماع أحيانًا على أداء النافلة وصلاة الليل، على ألا يكون راتبًا ودائمًا. وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع في جماعة فصلى معه ابن عباس، وصلى معه حذيفة، وصلى معه جابر، وصلى بأصحابه جماعة في بيت رجل من الأنصار. وبوَّب البخاري على هذا الحديث (باب صلاة النوافل جماعة)، قال ابن حجر في فوائد هذا الحديث: "وفيه ما ترجم له هنا وهو صلاة النوافل جماعة، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة، فأما أن يكون مشتهرًا ويجمع له الناس فلا، وهذا بناه على قاعدته في سد الذرائع لما يخشى من أن يظن من لا علم له أن ذلك فريضة". وقيَّدنا الاجتماع بأن يكون مشروعًا حذرًا من الاجتماع غير المشروع، كالاجتماع على الذكر الجماعي، أو اتخاذ صلاة النافلة جماعة هديًا راتبًا وجمع الناس لها.


6 - الاعتناء بمعرفة الأسماء والصفات: إن من يقرأ كتاب الله تعالى يدرك كثرة الحديث عن الأسماء والصفات والإشارة إليها، ويرد ذلك في مواطن عدة: في الحديث عن عظمة الله تعالى وعن مخلوقاته، وعند الحديث عن الأحكام، والخوف والرجاء، والقصص والأخبار... وسائر المواطن، وكثرة إيرادها وتنوعه في القرآن يدل على عظيم أثرها.

قال ابن القيم رحمه الله: "فالإيمان بالصفات ومعرفتها وإثبات حقائقها وتعلق القلب بها وشهوده لها هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته، وهو روح السالكين، وحاديهم إلى الوصول، ومحرك عزماتهم إذا فتروا، ومثير هممهم إذا قصروا، فإن سيرهم إنما هو على الشواهد، فمن كان لا شاهد له فلا سير له ولا طلب ولا سلوك له، وأعظم الشواهد صفات محبوبهم ونهاية مطلوبهم، وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه".


قال العز بن عبد السلام رحمه الله: "فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم، من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، ولأن ثماره أفضل الثمرات؛ فإن معرفة كل صفة من الصفات توجب حالًا عليه، وينشأ عن تلك الحال ملابسة أخلاق سنية، ومجانبة أخلاق دنية، فمن عرف سعة الرحمة أثمرت معرفته سعة الرجاء، ومن عرف شدة النعمة أثمرت معرفته شدة الخوف، وأثمر خوفه الكف عن الإثم والفسوق والعصيان، مع البكاء والأحزان والورع وحسن الانقياد والإذعان....". 


ولا شك أن الإثبات للأسماء والصفات كما يليق بجلال الله وعظمته دليل على تعظيم العبد لله، وأمارة على سلامة معتقده، وأن الزلل في ذلك جسيم، ومن ثم كان الضلال في هذا الباب واسعًا، وولج فيه طوائف عدة، حمانا الله من الزيغ، ووفقنا لسلوك سبيل أهل الحق. لذا فعلى المربي الاعتناء بتدارس هذا العلم الشريف مع طلابه، وألا يكون مجرد حديث جاف، بل يربط بعظمة الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله، ويربط ذلك بآثارها السلوكية في حياة الإنسان.


7 - تذكر الموت والدار الآخرة: إن تذكر الموت والدار الآخرة مما يدفع الإنسان للعمل الصالح، ويزيده إقبالًا على الآخرة وبعدًا عن الدنيا، لذا فقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على تذكر الموت والدار الآخرة، ودعا إلى ذلك؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكثروا ذكر هاذم اللذات -يعني الموت-".

ومن الوسائل التي تحقق ذلك: التذكير به، والحديث عن الدار الآخرة، والاعتناء بتلاوة آيات القرآن، وقراءة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها الحديث عن الآخرة ووصف حال أهلها. ومن ذلك الصلاة على الجنائز وشهودها، واتباع السنة في اتباعها إلى المقبرة، وتذكر حال أهلها. ومن الوسائل التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم زيارة القبور؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي؛ فزوروا القبور فإنها تذكر الموت". وعن ابن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها....".

8 - التنافس والتسابق في الخير: لقد أثنى الله تعالى على عباده الذين يتسابقون بالخيرات ويتنافسون فيها، فقال تبارك وتعالى:}خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ{ (المطففين:26)، وقال: } وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{ (آل عمران:133)، وقال: }سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ{ (الحديد: 21)، ووصف عباده المرسلين بهذه الصفة فقال:}إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ{ (الأنبياء: 90).


وجاء في السنة الثناء على الذين يتسابقون إلى الخير ويتنافسون فيه، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا". 


وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتسابقون إلى الخيرات ويتنافسون فيها؛ فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالًا فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا.


9- القدوة الحسنة: القدوة الحسنة من أهم وسائل التربية الإيمانية وأعظمها تأثيرًا، لذا فمن الأمور المهمة التي ينبغي أن يتصف بها المربي: السمت والهدي الحسن، وقد كان السلف يعنون بهذا الجانب كثيرًا، ويرون أن من لايتسم بذلك لاينبغي أن يؤخذ عنه العلم أو يتلقى عنه.

ومن أعظم الأدلة على أهمية القدوة وتأثيرها حديث الذين وفدوا المدينة مجتابي النمار، فعن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحثَّ الناس على الصدقة فأبطؤوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بصُرَّة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء".


فقد ترك هذا الموقف أثرًا في نفوس الناس ودفعهم إلى الصدقة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حثهم على ذلك. ومن المواقف التي تتجلى فيها أهمية القدوة ودورها في التربية، ماحصل أثناء حفر الخندق، حين اشتكى له أصحابه صلى الله عليه وسلم الجوع فكشف عن حجرين على بطنه. 


"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم ببنت شفة، لأن القدوة في مثل هذا الموطن هي التي تتحدث، لقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رداءه، فإذا مقابل كل حجر يربطه الصحابي على بطنه حجرين على بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لسان الحال يقول: إن كنتم تربطون حجرًا فأنا أربط حجرين اثنين. ترى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم متكئًا على أريكته يأكل ويشرب والناس في الخندق يحفرون، في جوع وبرد شديدين، أكان هذا الأمر هينًا على النفوس؟ حتى وإن لم تنطق بكلمة". وقد نصَّ أهل العلم على أنه حين تكون المصلحة في إظهار العمل ليقتدى به فهو أفضل، قال الحافظ ابن كثير: "وقوله "وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم" فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به فيكون أفضل من هذه الحيثية". 


وينبغي للمربي السعي للوقوف في موقف وسط بين إهمال القدوة، وبين تكلف فعل العمل الصالح وإظهار التخشع لأجل أن يقتدى به، فهذا قد يقوده إلى الرياء، وذلك مسلك خفي. وحين تصلح حاله، وتتحقق التقوى لديه، فلن يحتاج للتكلف، بل سيكون العمل والهدي الصالح سمتًا له.


10- الاعتناء بدراسة سير السلف: إن في سير السلف وأخبارهم من العبر والقدوة الشيء الكثير، لذا فالاعتناء بها وإبرازها، وربط الناشئة بهذا الجيل ورجاله يترك أثرًا له أهميته في ميدان التربية. ومما ينبغي أن يُعنى به في هذا الميدان أن أقوال وأفعال آحاد السلف ليست حجة، بل لابد أن توافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وينبغي للمربين التنبيه على هذا الجانب، ومن ذلك ما يروى أن أحدهم صلى كذا وكذا سنة الفجر بوضوء العشاء، أو كان يقوم الليل كله، أو عاقب نفسه حين وقعت في خطيئة بصيام سنة....وغير ذلك، كل هذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن لا يُسوِّغ ذلك الطعن فيمن نقل عنه شيء من ذلك، بل لابد من تربية الناشئة على توقير رجالات السلف والتأدب معهم، ومع ذلك حين يرون منهم ما يخالف الحق لا يتأسون به ويعتذرون لصاحبه، والطريقة التي يعلق بها المربي على مثل هذه الروايات لها أثر كبير غير مباشر في غرس هذه النظرة وهذا المنهج في التعامل مع سير السلف وأخبارهم، الذي يجمع بين توقيرهم واحترامهم، وبين قصر التلقي على ما يؤيده الوحي والنص الشرعي. أهداف فرعية في الجانب الإيماني:
 1 - تقوية تعظيم الله في النفوس: وهذا هو الأساس الذي تتفرع منه سائر فروع الاعتقاد، وقد عاب تبارك وتعالى على أهل الزيغ والضلال أنهم لم يقدروه حق قدره فقال: } وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{ (الزمر:67).

وحين يستقر تعظيم الله تبارك وتعالى في النفس، ويملك صاحبه العلم الصحيح فإنه يسلم له اعتقاده، وتنضبط حياته بشرع الله تبارك وتعالى. فالذي يعظم الله تعالى لا يقدم بين يدي قوله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتردد في تصديق الأخبار والتزام الأوامر وترك المنهيات، ولا يتعلق قلبه بغير الله، ولا يتجه لمخلوق؛ فيصفو اعتقاده ويستقيم عمله، ويضع للمخلوقين منزلتهم التي يستحقونها. ومن الوسائل التي تعين على تحقيق ذلك: 1- الاعتناء بتلاوة القرآن الكريم وتدبر آياته.

 2- التفكر في مخلوقات الله عز وجل؛ فيدرك من خلال ذلك عظمة خالقها عز وجل، وقد سبق الحديث عن هاتين الوسيلتين.
 3- الاعتناء بتحقيق توحيد الأسماء والصفات ومعرفة الله عز وجل وسبقت الإشارة لذلك.
 4- ترك تعظيم المخلوقين ورفعهم فوق منزلتهم، سواء أكانوا من أهل السلطان في الدنيا، أم كانوا من الأولياء والصالحين.
 

2 - تحرير القلب من التعلق بغير الله: إن كثيرًا من أمراض الشبهات والشهوات ترتبط بتعلق القلب بغير الله، فأولئك الذين يلجئون للسحرة والكهنة ويصدقون المشعوذين، وأولئك الذين يسيطر عليهم التطير والتشاؤم وسائر الأساطير إنما أتوا من تعلق قلوبهم بغير الله تعالى. وأصحاب الشهوات الذين فتنوا بها كذلك، فقلوبهم قد تعلقت بها واتجهت إليها وصارت هي قبلتهم. لذا كان لابد في التربية من تنقية القلوب وتخليصها من التعلق بغير الله والتوجه لسواه، سواء كان دافع ذلك شهوة أم شبهة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وكل من علَّق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو يهدوه خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرًا لهم مدبرا لهم متصرفًا بهم ; فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر; فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيرًا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد; وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها.

 وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لاسيَّما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ; فإنها حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور ; الذي لا يستطيع الخلاص منه.... وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبيًا فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذابًا وأقلهم ثوابًا؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها مستعبدًا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررًا عليه ممن يفعل ذنبًا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه، وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين" وقال ابن القيم رحمه الله -حول حديث "من مات لايشرك بالله شيئًا..


"فاعلم أن هذا النفي العام للشرك -أن لا يشرك بالله شيئًا البتة- لا يصدر من مُصر على معصية أبدًا، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمُصر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد حتى لا يشرك بالله شيئًا، هذا من أعظم المحال ولا يلتفت إلى جدلي لا حظَّ له من أعمال القلوب، بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟ ولو فرض ذلك واقعًا لم يلزم منه محال لذاته، فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله، وتوكله على غير الله، ما يصير به منغمسًا في بحار الشرك، والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل، فإن ذُلَّ المعصية لابد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفًا من غير الله وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغيره من الأسباب التي توصله إلى غرضه؛ فيكون عمله لا بالله ولا لله، وهذا حقيقة الشرك، نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل وعباد الأصنام، وهو توحيد الربوبية وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله، ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عُبَّاد الأصنام، والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين، والمقصود أن من لم يشرك بالله شيئًا يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا مصرًّا عليها غير تائب منها، مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب والخضوع والذل والخوف والرجاء للرب تعالى".

3 - تقوية التقوى في النفس: التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين } ولقد وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ { (النساء:131)، وقد تكرر الأمر بتقوى الله تعالى في كتابه، ورُبطت التقوى بأركان الإسلام وشعائره العظام، ففي الصيام يقول تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ (البقرة:183) وفي الحج يقول تعالى: }وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ{ (البقرة:197). ومما يعين على تحقيق التقوى:


1 - الاعتناء بالأمر بها والحثُّ عليها، وقد كان هذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في خطبه كثيرًا ما يأمر بتقوى الله، ويتلو الآيات التي ورد فيها الأمر بذلك (آية آل عمران، وآية النساء، وآية الحشر). وحين سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: "تقوى الله وحسن الخلق".


2 - تدارس صفات المتقين في كتاب الله تبارك وتعالى، والسعي لتطبيقها وتمثلها. 4 - تقوية المراقبة لله تبارك وتعالى: "المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه"، وهي منزلة عالية جعلها النبي صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب الدين، فقال في حديث جبريل المشهور: "والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
 

وعن عبد الله بن معاوية الغاضري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ثلاث من فعلهن فقد طعم طَعْمَ الإيمان، مَنْ عبد الله وحده؛ فإنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدةً عليه كلَّ عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة، ولا الشَّرط اللائمة ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم؛ فإن الله عز وجل لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره، وزكى عبد نفسه"، فقال رجل: ما تزكية المرء نفسه يا رسول الله؟ قال: "يعلم أن الله معه حيثما كان".. ومما يعين المربي على تحقيق ذلك:


1 - الوعظ والاعتناء به؛ وإنما تعظم ثمرته حين يخرج من قلب صادق، قال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري: إذا جلست للناس فكن واعظًا لقلبك ونفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك، والله يراقب باطنك. ب - الاعتذار عما قد يطلبه المتربي - مما فيه مخالفة لأمر الله أو تقصير- بمراقبة الله واطلاعه. ج - كثيرًا ما يحدث الابن أباه أو معلمه عن بعض ما يراه من مواقف فيها مخالفة شرعية، كالغش والاحتيال ونحو ذلك، وهو في الأغلب يسوقها خبرًا عاديًا أثاره فيه غرابته، فيجدر أن يعلق المربي على مثل هذه المواقف بأن أولئك الذين لا يراقبون الله تعالى لو كان لديهم أحد من البشر يخافونه لما اجترؤوا على المخالفة، وبأنهم سيدفعون ثمنًا باهظًا بعد ذلك. د - الحذر من مراقبة الشاب بالصورة التي تجعله يترك المعصية إرضاء لمن يربيه، بل ربطه بالله عز وجل في هذا الجانب، وتنمية الرقابة الذاتية، حتى لو علم المربي بوقوع الشاب في معصية.

5 - العناية بأعمال القلوب: إن مناط النجاة يوم القيامة هو صلاح القلب واستقامته }يومَ لاينفعُ مالٌ ولابنونَ إلا مَنْ أتى الَله بقلبٍ سليمٍ{، ولذا فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن القلب هو ميدان الصلاح والفساد الحقيقي، وسائر الجسد إنما هو تبعٌ له، فقال: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". ومن ثم كانت "التربية الإسلامية تولي الاهتمام الأكبر في تقويم السلوك إلى إصلاح القلب وتثبيت الإيمان فيه، فإذا استقام السلوك الداخلي استقام تبعًا له الخارجي لا محالة، بخلاف العناية بتقويم السلوك الظاهر فقط؛ فإنه يعتبر بناء على غير أساس، وكل بناء على غير أساس عرضة للانهيار".


قال ابن رجب رحمه الله:" فأفضل الناس من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية والاجتهاد في الأحوال القلبية؛ فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان". وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان. وقال ابن القيم رحمه الله: "ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع من دونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟ وهل يمكن أحدًا الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟ وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت"


6 - العناية بالفرائض: الفرائض هي الأساس والأصل، وأعظم ما يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى كما أخبرنا بذلك عنه أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم فقال: فيما يرويه عن ربه: "وما تقرَّب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ".

ومن الأمور التي ينبغي أن يعنى بها المربي: الحرص على غرس تعظيم الفرائض والاعتناء بها ورعايتها لدى من يربيهم، وضرورة تقديمها على النوافل والتطوعات. واهتمام المربي بالفرائض والاعتناء بها لا ينبغي أن يقف عند مجرد تأكيد الإتيان بها وفعلها، بل الاعتناء بأدائها وإقامتها على الوجه الأكمل، وإتقانها وإحسانها، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها. عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره".




ومن ذلك الاعتناء بتعليم المتربين أحكامها، والسعي لإتقانهم ما يتوقف عليه صحة الفرائض وبطلانها، ثم الاعتناء بتعليم آدابها وسننها وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها.

 7 - تعظيم حرمات الله واجتناب المعاصي: إن من أمارات صدق الإيمان وقوته بُعْد العبد عن معصية الله تبارك وتعالى وتعظيمه لمحارمه. قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا - قال أبو شهاب بيده فوق أنفه".


ومن ثم كان من أهم ما ينبغي أن يعنى به المربي غرس تعظيم حرمات الله ومعاصيه في نفوس من يربيهم. ومن الوسائل التي تعينه على ذلك:
 أ - تذكيرهم بشأن الذنوب والمعاصي وخطورتها، وأثرها على النفس.
 ب - ابتعاده هو عنها، ومجانبته إياها.
 ج - أن يروا منه تعظيمها واستنكاف إتيانها، وتأثره حين يرى أحدًا يواقعها، وهو سلوك لا يستطيع أن يتكلفه من لم يستقر تعظيم حرمات الله في قلبه.
 د - أن يجنبهم المواطن التي تظهر فيها المعاصي، ويعوِّدهم على هجرها إن لم يستطيعوا إنكارها؛ لذا فقد عظَّم الشرع عقوبة المجاهر بالمعصية، ونهى عن مجالسة أهل العصيان إن لم يرتدعوا عن ذلك } فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ {(النساء:140).
هـ - ألا يتساهل بمجاهرة أحد بها، وأن يناصحه حين يراه وقع فيها محذرًا إياه من شؤمها وأثرها.

 8 - الورع واجتناب الشبهات: الورع واجتناب الشبهات طريق لتحقيق الابتعاد عن الحرام؛ لأن من يواقع الشبهات يوشك أن يواقع الحرام، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحلال بيِّن والحرام بين وبينهما مُشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".


والذين يُعدُّون للدعوة إلى الله تعالى وتوجيه الناس يتأكد في حقهم اجتناب الشبهات والورع عنها؛ إذ هم المرآة أمام الناس ينظرون إليهم ويتأسون بهم. وهذا يفرض على المربي الاعتناء بتحقيق ذلك في نفسه، والاعتناء بإبعاد المحاضن التربوية عن كل ما فيه شبهة شرعية، أو يوحي بشيء من الاستهانة بحدود الشرع وآدابه. ومما يؤسف له أننا نرى اليوم إهمالًا للورع الشرعي، فيتساهل بعض المربين في كثير من الأمور بحجة عدم النص على تحريمها، أو أن فيها خلافًا بين أهل العلم، ومن تأمل أحوال السلف وسيرهم رأى خلاف ذلك. وثمة فرق بين سلوك الشخص في ذات نفسه، وبين البرامج التي تقدم ليتربى عليها الشباب، وينتظر منها أن تغرس الورع والتقوى في نفوسهم. وثمة فرق أيضًا بين أن يمتنع الإنسان عن أمر تورعًا وبين أن يحرمه ويُؤثِّم من فعله.


9 - العناية بالنوافل: بعد تحقيق الإتيان بالفرائض لابد من الاعتناء بالنوافل؛ إذ هي سبب لتحقيق محبة الله تعالى: "...وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه". كما أن بها يكمل ما انتقص من فريضة العبد "...

فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة". واعتناء الشاب بالنوافل والعبادة لله مما يزيده إيمانًا وتقوى لله عزوجل، ومما يصلح كثيرًا من أحواله.


ومن الوسائل التي تعين المربي على تحقيق هذا الجانب:


أ - اعتناء المربي نفسه بأداء النوافل والمحافظة عليها حتى حين يضيق به الوقت. وتطبيق المربي للسنة في أداء النوافل في المنزل مما يربي أولاده على الاعتناء بها، وهذه السنة قد غفل عنها كثير من طلبة العلم، حتى صار الناس يظنون بالذي يؤدي النوافل في البيت أنه لا يصليها.


ب - توجيه المتربين وبيان منزلة النوافل وفضلها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه إلى الاعتناء بالنوافل، كما ورد في حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- حين قصت أخته حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا التي رآها، فقال لها:" نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" فكان بَعْدُ لا ينام من الليل إلا قليلًا.


ووجَّه عبدالله بن عمرو للاعتناء بقيام الليل، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عبدالله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل".


ج - أن يراعى في أوقات البرامج العامة التي تقدم للطلاب ترك وقت لأداء النوافل، وبيان ذلك للطلاب وحثهم عليها.


د - أن يراعى المربي ذلك حين تكليفه لمن يربيه بأمر أو مهمة، فحين يطلب الأب من ابنه أداء مهمة عاجلة فليس من المستحسن أن يأمره بترك الراتبة، وحين يكون الأمر عاجلًا يوجهه إلى أن يؤديها في المنزل، أو بعد فراغه من المهمة إن كانت لا تطول.

والقراءة متتابعة... نواصل في الحلقات القادمة،،،