الجمعة 27 نوفمبر 2020...12 ربيع الثاني 1442 الجريدة الورقية

د. عبده مبروك الشافعي يكتب: الرسول العظيم.. وهذا رأيي

صحافة المواطن د. عبده مبروك
د. عبده مبروك الشافعي

إن القلب ينفطر ألما حتى أكاد أشعر بمفارقة الروح الجسد حزناً على تطاول البعض والإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفكرت قليلا، من يجرؤ على فعل ذالك إلاّ حاقد أو حاسد أو مبغوض أو من طمس الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة، وأخذتني الذاكرة إلى الوراء أراجع ما درسته في أزهري الشريف على أيدي علمائه ومشايخه الأفاضل.. فوجدت أن الإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم تكن وليدة اليوم ولن تكون الأخيرة، وهذا في رأيي المتواضع معجزة خالدة للقرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.. فقد أخبرنا القرآن الكريم بذلك: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدو شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلي بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم وما يفترون } سورة الأنعام.اضافة اعلان


وهذا القول الذي أخبر به القرآن الكريم حدث في الماضي ويحدث الآن وسيحدث مستقبلاً، ولقد تعرض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للقتل فعصمه الله {والله يعصمك من الناس}، وتعرض للسخرية والإستهزاء واتهمه قومه بالجنون والسحر {إنا كفيناك المستهزئين } وعايروه صلى الله عليه وسلم بأن أولاده الذكور يموتون فليس له ولد: {إن شانئك هو الأبتر}.


ولقد تعرض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لإساءات متعددة على ايدي أهل الكفر والضلال، ولا يغيب عنا الفعل المشين لأبي جهل رأس الكفر [سأورد فعله في آخر المقال بإذن الله تعالى ] كذالك مافعله أبو لهب وزوجه، الذي نزلت فيهما سورة المسد قبل موته بعشرة أعوام تقريباً لتأكد صدق القرآن وانه منزل من عند الله وكان يستطيع أبو لهب وإمرأته أن يسلما وأن يثبتا لقومهم عدم صدق القرآن في حقهما، ولكن هيهات هيهات إنه قول الله الفصل: [تبت يدا أبي لهب وتب، ماأغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد]، 

وعلى ذالك فالتطاول والإساءة إلى الرسول الكريم أخبر به القرآن الكريم بأنه سيحدث في الماضي والحاضر والمستقبل، كذلك علينا الإيمان الكامل بقول الله تعالي لنبينا صلى الله عليه وسلم: (ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، وقول الله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).


ورأيي المتواضع: كيف نثتثمر هذا الموقف المشين لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

بداية يجب أن نعلم بأن النصرة له صلى الله عليه وسلم ليس بالمقالات الرنانة ولا بالشعارات البراقة ولا بالتهور والدعوة إلى القتل والخراب والدمار، ولا بالجلوس في القصور العالية وركوب السيارات الفارهة وتحريض الشباب من البنين والبنات للقيام بأعمال التخريب والقتل والسفك بدعوي النصرة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم،، وعلينا أن نلتزم إلتزاما تاماً بما يقرره قائد الدولة، فهو غيور على سيدنا رسول الله كغيرة المليارين مسلم في كل أنحاء العالم.

وعلينا أن نعرف بأن للدول مصالح مع بعضها البعض وأن الدول تحكمها المصالح المشتركة والقوانين المنظمة الدولية.. إن أردنا النصرة الحقيقة لرسول الله صلى الله عليه.. أن نتخلق بأخلاقه قولاً وفعلاً وعملاً في كل دروب حياته صلى الله عليه وسلم (بيته، وزوجاته، تعامله مع اصحابه، تعامله مع الجيران، تعامله مع غير المسلمين، تعامله في كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية).

ولا ينتشر الإسلام إلا بأخلاق وصدق وأمانة وعدل وحياء ورحمة المنتسبين إليه كل في مجال عمله، التاجر والصانع والعامل والموظف والحاكم والطبيب والمهندس والمحامي والمحاسب والقاضي والضابط وغيرهم. 

فرسول الله صلى الله عليه وسلم مهما قلنا فيه من مدح وأشعار،، فلن نوفيه حقه ويكفي أن يصفه خالقه بهذا الوصف العظيم (وإنك لعلي خلق عظيم)  ليس هذا فحسب بل ان الخالق سبحانه وتعالى صلى عليه وأمر الملائكة بالصلاه عليه وأمر المؤمنين والمؤمنات بالصلاة والتسليم عليه، فهل بعد هذا المدح والثناء والوصف العظيم مدح أو ثناء أو وصف آخر؟!

هو الحبيبُ الذي أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه، ورباه فأحسن تربيته؛ فهو أحسن الناس خُلقًا، وأسَدُّهم قولًا، وأمثلهم طريقةً، وأصدقهم خبَرًا، وأعدلهم حُكمًا، وأطهرهم سريرة، وأنقاهم سيرة، وأفضلهم سجيَّة، وأجودهم يدًا، وأسمحهم خاطرًا، وأصفاهم صدرًا، وأتقاهم لربِّه، وأخشاهم لمولاه، وخيرُهم نفسًا ونسَبًا، وخُلقًا ودِينًا.

هو الحبيب الذي ثبت الله قلبَه فلا يزيغ، وسدَّد كلامه فلا يجهل، وحفِظ عينَه فلا تخون، وحصَّن لسانه فلا يزِلُّ، ورعىيا مَن تُسيءُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أتُسيءُ إلى الحبيب وقد قال الله عنه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

فهو رحمةٌ للإنسان؛ إذ علَّمه الرحمنُ، وسكب في قلبه نورَ الإيمان، ودلَّه على طريق الجِنان..

هو رحمةٌ للشيخ الكبير؛ إذ سهَّل له العبادة، وأرشده لحسن الخاتمة، وأيقظه لتدارُكِ العُمُر، واغتنام بقية الأيام.

وهو رحمة للشابِّ؛ إذ هداه إلى أجملِ أعمال الفتوَّة، وأكمَل خِصال الصِّبا؛ فوجَّه طاقتَه لأنبل السَّجايا وأجلِّ الأخلاق..

وهو رحمة للطفل؛ إذ سقاه مع لبنِ أمِّه دِينَ الفطرة، وألبَسه في عهد الطفولة حُلَّةَ الإيمان..

وهو رحمة للمرأة؛ إذ أنصَفها في عالم الظُّلم، وحفِظ حقَّها في دنيا الجَوْر، وصان جانبها في مهرجان الحياة، وحفِظ لها عفافَها وشرفَها ومستقبلها، فعاش أبًا للمرأة، وزوجًا، وأخًا ومُربِّيًا..

وهو صلى الله عليه وسلم رحمةٌ للولاة والحكام؛ إذ وضَع لهم ميزان العدالة، وحذَّرهم مِن متالف الجَوْر والتعسُّف، وحدَّ لهم حدود التبجيل والاحترام والطاعة في طاعة الله ورسوله..

وهو رحمة للرعيَّة؛ إذ وقف مدافعًا عن حقوقها، محرِّمًا الظُّلم، ناهيًا عن السَّلْب والنَّهْب والسَّفْك، والابتزاز والاضطهاد والاستبداد..

إذًا، فهو رحمة للجميع، ونعمة على الكل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]. دِينه فلا يضِلُّ، وتولى أمره فلا يضيع؛ فهو محفوظٌ مبارَكٌ ميمونٌ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال أبو جهلٍ: هل يعفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم،فقال: واللات والعزى، لئن رأيتُه يفعل ذلك، لأطَأَنَّ على رقبتِه، أو لأعفِّرَنَّ وجهَه في التراب،قال: فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي - زعَم - ليطَأَ على رقبته،قال: فما فَجِئَهم منه إلا وهو ينكِصُ على عقبيه ويتَّقي بيديه،- قال - فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نارٍ وهَوْلًا وأجنحةً،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو دنا منِّي، لاختطفَتْه الملائكةُ عُضوًا عضوًا))،قال: فأنزل الله عز وجل - لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيءٌ بلغه -: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ [العلق: 6 - 13] - يعنى أبا جهلٍ - ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ واسجد واقترب ﴾ [العلق: 14 - 19].

فلا خوفَ على رسول الله، ولا خوف على دِينه وكتابه؛ مهما حاول الأعداء أن يشوهوا صورته، أن يسيئوا إلى شخصه الكريم، أو إلى كتابه، أو إلى دِينه؛ في رسوماتهم أو شعاراتهم، أو أفلامهم ومسلسلاتهم؛فرسول الله صلى الله عليه وسلم منصورٌ بنصر الله، مؤيَّد بتأييد الله،وكتابه محفوظ بحفظ الله،أمَّا دِينه فقدَّر الله وكتَب ووعَد أن يظهره على سائر الأديان؛ قال سبحانه: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: 8، 9].

إنما الخوفُ كل الخوف على أمتِه أن تبدِّلَ وتغيِّرَ مِن بعده،الخوف علينا نحن أن نَزِلَّ عن طريقه، الخوف علينا أن نَضِلَّ بعد هُداه، الخوف علينا أن نتخلى عن كتابه وسنَّته، وهَدْيِه وشريعته.

اللهم ردنا إليك ردا جميلا، واجعل أعمالنا خالصة لوجه الله تعالى، ونسألك حسن الخاتمة، وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. 
--------------------------------------------------------------------
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي والأمراض المعدية بكلية الطب.. جامعة الأزهر