السبت 24 أكتوبر 2020...7 ربيع الأول 1442 الجريدة الورقية

حكايات أسر أصيبت بكورونا وفقدت بعض أفرادها

"لا عارفين نفرح ولا نحزن".. حكايات أسر ضربتها كورونا بالكامل فمات البعض ونجا الآخر

أخبار مصر Screenshot_4
أسرة ضربتها كورونا بالكامل فمات البعض ونجا الآخر

هبة الله سيد

في منتصف شهر مارس الماضي، وبعد إجراء الفحص الشامل والتحاليل اللازمة، تبين لـ"رنا سليم" الطالبة بكلية التجارة، أنها مصابة بفيروس كورونا المستجد كوفيد -19 بعد أن انتقلت إليها العدوى من الأخت الكبرى التي تعمل مضيفة أرضية بمطار القاهرة الدولي، وكذلك أصيب الأب، لتنتقل هي ووالدها إلى مستشفى العزل بمحافظة الإسماعيلية ثم لم تمر إلا ساعات قليلة فيأتيها خبر وفاة الأب جراء الإصابة بالفيروس فتتأرجح رنا بين الحزن على الفقد الذي جاءها دون أن تحسب له حسابًا وبين الأمل ليظل حليفها في الأيام الـ 14 في غرفة العزل!


اضافة اعلان

 

خلال بداية شهر مارس وفي رحلة عودة الأخت من إحدى مهمات العمل، بدا التعب والإرهاق يضربان جسدها ظنت الأسرة أن الأمر ما هو إلا "دور إنفلوانزا عادي" وسرعان ما سيزول بتناول الأدوية والمشروبات الدافئة، إلا أن الأعراض بدأت تدريجيًا في الانتقال إلى رنا ثم إلى الوالد الستيني المصاب بمرض السكري، ساور الأم الطبيبة الشك وشعرت أن شبح الموت ربما يهدد أسرتها الصغيرة، "الأعراض كانت في تزايد وحرارتنا بتعلى بشكل مطرد وغريب كنت تعبانة لكن مش قوي زي أختي، وذهبنا إلى حميات العباسية وحجزونا لأنه كان عندنا التهاب رئوي، والدي كان تعبان أكثر مننا بحكم المرض المزمن والسن فتم عمل المسحات له واتحجزوه تاني يوم".


لحقت رنا بالأخت والأب لم تتخيل للحظة واحدة أن يسرق الموت أحدهم دون الوداع الأخير، أمتار قليلة كانت تفصل بينها وبين والدها في غرفة العزل بمستشفى أبي خليفة في محافظة الإسماعيلية لكنها لم تستطع الذهاب إليه والتحدث معه، كان الهاتف هو وسيلتها الوحيدة في الاطمئنان على الوالد في ليلتها الأولى بالعزل والتي كانت ليلته الأخيرة!، "كان يكلمني في التليفون ويقول لي إنه بيتحسن وهيكون بخير قريب وهنخرج مع بعض علشان كده متخيلتش إنه هيموت، كان بيديني أمل إنه كله تمام آخر مرة كلمته كنت في عربية الإسعاف رايحة المستشفى لكن لما وصلت اتحجزت في قسم غير القسم بتاعه".


في الخامسة من عصر الإثنين السابع عشر من مارس الماضي وبينما كانت رنا تستعد للتأقلم مع الوضع الجديد الذي فرض عليها وأصبح لا مفر من البقاء بين جدران تلك الغرفة لحوالي 14 يوما دون أن تتحدث إلى أحد من أهلها، هاتفتها الأم لتخبرها أن الوالد سلم الروح إلى خالقها، قرر أحد الأحبة أن يرحل دون أن ينذرهم باقتراب موعد الرحيل فاهتزت الأرض من تحت قدميها كيف لها أن تفعل الآن هل تستسلم للحزن وحالة الغضب المؤقتة التي سيطرت عليها لأنها لم تتمكن من توديع الأب قبل ذهاب إلى مثواه الأخير، أم تصبر وتتماسك حتى تتغلب على شبح الموت وتثنيه بعيدًا عنها وتكفي الأسرة شر الفقد مجددًا فكان خيارها هو احتساب من مات شهيدًا.


"احتسبته شهيدًا وأنه أكيد في مكان أفضل مننا، تعبت نفسيًا شوية لكن تماسكت، والممرضات والدكاترة ساعدوني أتخطى الأزمة وأكمل طريق العلاج ومقاومة المرض علشان أتعافى بشكل أسرع وقد كان، كل اللي كان تعابني إني ممنوعة حتى من الخروج من باب الغرفة، ووالدي متوفى ورايح يتدفن".

التأرجح بين الفرح وإحياء الأمل بالشفاء من جهة والحزن على الفشل في انتزاع أحد الأحبة من يد الموت حتمًا هو شعور لا يمكن أن يصفه حتى من مر به وكان هو بطله الرئيسي، فـ"سيد نصر" أحد الذين أصيب و47 من أفراد أسرته بفيروس كورونا المستجد كوفيد -19 كان على يقين أن بيت العائلة الذي لم تنقطع عنه يومًا ضحكات الفرح أو حتى المشاحنات العائلية العابرة سيفقد على الأقل اثنين من أعمدته، "لما دخلنا كلنا الحجر الصحي وتم توزيعنا على مستشفيات مختلفة كنت عارف إنه مش بس جدتي اللي هتموت وإنه أعمامي كمان معرضين لذلك ويمكن أبويا، علشان كده كنت مستعد.. كلنا كنا مستعدين".




الجدة والعم عبد الفتاح والعم هشام، غيب الموت ثلاثتهم في أيام مختلفة من الأسبوع ذاته، حينما ضرب الفيروس ببيت العائلة الكائن في منطقة بهتيم بمدينة شبرا الخيمة في أبريل الماضي، وبدأت الأعراض تظهر على الأكبر سنًا ثم الشباب ثم الأطفال.







"اتوزعنا على مستشفيات العزل المختلفة مَن ذهب إلى كفر الزيات والإسماعيلية وغيرهم، نطمأن على بعض بالتليفون، لم أتمنى أن يموت أحد من عائلتنا لكننا اعتبرنا أنفسنا في حرب"، العائلة كلها بحلبة المعركة منهم من انتصر على العدو ومنهم من هزمه الموت وغيبه للأبد لكن احتساب هؤلاء الموتى شهداءً كان الدفعة الأقوى للبقية كي يتغلبوا على المرض ويتعافوا في أسرع وقت، معركة قصيرة مع الموت فكان لا بد من وضع الانتصار والهزيمة معا في الكفتين دون ترجيح واحدة على أخرى.


طبيب العزل "تحسين" تأثرت نفسيًا لكثرة إبلاغي المرضى بوفاة ذويهم
بعد أن أنهى تحسين رفقي أستاذ أمراض الجهاز الهضمي والحمى مدة بقائه في مستشفى العزل بمحافظة الأقصر، وجد أن حالات الإصابة في محيطه بدأت في الصعود بسرعة جنونية، فقرر أن يفتح عيادته على مدار اليوم لاستقبال حالات الإصابة، أسر بكاملها كانت تتوافد إليه، تختلف الحالات بين الشديدة والمتوسطة والخفيفة، "كان صعب عليا أخبر أسرة إنه كبيرهم أو ربهم أو الأم خلاص في تعداد الموتى، خاصة إذا كانت الأسرة كلها مصابة وحالتهم النفسية جراء المرض متدهورة".

مهمة صعبة وقعت على عاتق تحسين، حينما جاءه رجل وزوجته مشتبه إصابتهما بفيروس كورونا المستجد كوفيد -19، كانت السيدة في العقد الخامس من عمرها ويكبرها الزوج بقليل، انتاب القلق قلب تحسين حينما فحص الزوجة، "كنت شاكك إنها هتموت، مقدرتش أواجه الزوج لأنهم كانوا متعلقين ببعضهما جدا، أخبرته يأخذها المنزل علشان متتبهدلش وفور وصولها حصل لها سكتة قلبية".

حكاية تلو الأخرى تمزق رأس تحسين، لا يمكنها أن تمر مرور الكرام على رأسه، ما دفعه للبحث بين عيادات الصحة النفسية عن الخلاص، "مكنتش بنام ولا بأكل ولا أشرب، لحد ما قررت أتعالج نفسيًا لتخطي هذه الفترة الصعبة". 

استطلاع رأى

هل تؤيد قرار الكاف تأجيل مباراة الزمالك والرجاء المغربي بسبب اصابات كورونا؟