الأربعاء 12 أغسطس 2020...22 ذو الحجة 1441 الجريدة الورقية

الإمام الطيب.. أزهر واحد وشيخ قائد (تقرير)

أخبار مصر

محمد أبو العيون - مصطفى عمر


في بداية النشأة أرادوا أن يسيسوه.. قالوا: دعونا نتخذه أداة لنصرة فئة دون البقية.. وليكن أئمته جسرًا نعبر عليه لتحقيق مآربنا الأخرى، ولأن الله أراد أن تبقى مصر كما خلقها منبعًا للتوحيد والسلام اللذين أهداهما الأنبياء إلى الأرض، ومركزًا يَرُد عن البشر كيد من أرادوا بهم شرا ويدحر عن عقولهم كل فكر يدعو الإنسان لقتل أخيه الإنسان تحت مسمى «دين» ما أنزل الله به من سلطان، حفظ لأهل المحروسة الأزهر الشريف، فلقد كان منارًة للعلم وكوكبًا أضاء سماء العالم أجمع.

الأزهر الشريف.. جامعًا وجامعة؛ ليس مجرد مؤسسة دينية أُوكل إلى علمائها مهمة الإفتاء وتعليم الناس صحيح الدين فقط، بل إن لهذا الصرح العملاق؛ دور أهم وأبرز يتجسد في نشر العلم الذي يرسي دعائم تلك الرسالة العالمية داخل كل قلب: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.

الرسالة العالمية التي تشبه شجرة طيبة تفرعت منها أغصان أظلت قلوبًا أرهقتها نيران التطرف، أُلصق بها الكثير من الشبهات في الأشهر الأخيرة وهو ما جعل الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر الشريف، ينتفض خلال العام المنقضي ليزيل عنها غبار الفكر التكفيري الذي حاول البعض إلصاقه بها؛ وكانت البداية من أوروبا.

الإمام الأكبر حمل راية «نشر السلام العالمي والعودة إلى سماحة الأديان السماوية»؛ في باكورة زياراته الخارجية التي بدأها بالمملكة المتحدة؛ مؤكدًا في محاضرة ألقاها بمقر مجلس اللوردات البريطاني، أن زيارته هدفها: «صنع فريق واحد ينادي بالسلام في هذه الظروف التي جعلت العالم كله يعيش في اضطراب شديد نتيجة القتل والدمار والتخريب، وإزالة حواجز الخوف بين أبناء الديانات السماوية».


الشيخ الطيب أدرك أن إلقاء خطاب على مسامع الغربيين يحتاج إلى وعي منبثق من إجادة فهم الخلفيات الحضارية والثقافية والاقتصادية لأبناء أوروبا، والدراية التامة بتلك الموازين التي يزنون بها القيم، ولعل هذا الفهم الجيد لعقلية المخاطب مكن «الطيب» -أثناء حديثه بمجلس اللوردات البريطاني- من إيجاد عامل مشترك أجاد العزف عليه، وهو خلق لغة مشتركة بين الشرق والغرب قوامها «التوحد لمحاربة الإرهاب»، وفروعها «نشر السلام والتسامح والمحبة»، وهذا المشترك هو ما جعل الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا يشيد بالدور العظيم الذي يلعبه الأزهر في محاربة الفكر المتطرف وتوضيح الصورة الحقيقية للدين الإسلامي الحنيف باعتباره دينًا يدعو للتسامح والسلام.


اضافة اعلان


شيخ الأزهر لمس النتائج الإيجابية التي أثمرت عنها زيارته للملكة المتحدة؛ فقرر أن يواصل جولاته الخارجية؛ متحاملًا على نفسه التي لا تطيق السفر بسبب تلك المعاناة الصحية التي تسببها له، ولكنه تناسى كل شيء وأمسك في يده «راية السلام» ملبيًا دعوة رئيس البوندستاج الألماني، لحضور مؤتمر عالمي عن: «السلام في الأديان».

ألمانيا كانت المحطة الثانية، وأمام أعضاء البرلمان الألماني «البوندستاج» أكد الإمام الأكبر أن الإسلام بريء من ذلك الفكر الخاطئ الذي يدعي معتنقوه أن مفهوم الجهاد هو ترويع الآمنين وإراقة دماء الأبرياء تحت ذريعة الاختلاف في الدين، مشيرًا إلى أن «البر الذي هو قمة الأدب والإحسان مع الوالدين مطلوب هو بعينه مع من يسالمنا ولا يقاتلنا، وأن القسط والعدل والوفاء هو خلق المسلم مع أخيه في الإسلام وأخيه في الإنسانية على حد سواء.. وشريعة الإسلام مؤسسة على مبادئ العدل والمساواة والحرية وحفظ كرامة الإنسان.. وأعتقد أنه لديكم هنا في أوروبا من القوانين والتشريعات كثيرًا مما يتطابق وتشريعات الإسلام في هذا المجال روحًا ونصًا، وبخاصة تلك التشريعات التي تحفظ للإنسان كرامته».


الإمام الطيب التزم في خطابه للأوروبيين بأقصى درجات الشفافية والشجاعة، خاصة حين بادر بطرح السؤال الأصعب: «إذا كان الإسلام والمسلمون بهذه الصورة الوردية المضيئة فكيف خرجت الحركات الدينية المسلحة مثل داعش وأخواتها من عباءته لتقتل وتدمر وتقطع الرقاب باسم الله وباسم الإسلام؟ ألا تهدم هذه المشاهد اللإنسانية المرعبة قل ما قلته من أن الإسلام دين السلام والأخوة الإنسانية والتراحم بين الناس؟ 
وإجابتي على هذا السؤال باختصار شديد هي: لو أن كل دين من الأديان السماوية حكم عليه بما يقترف بعض أتباعه من جرائم القتل والإبادة لما سلم دين من الأديان من تهمة العنف والإرهاب، وذلك لأن الإرهابيين الذين يمارسون جرائمهم باسم الأديان لا يمثلون هذه الأديان؛ لأنهم في حقيقة الأمر خائنون لأمانات الأديان التي يزعمون أنهم يقاتلون من أجلها».


برأت كلمات الإمام الأكبر أمام أعضاء «البوندستاج» العرب خاصة والمسلمين عامة من تهمة «الإرهاب»، وبدأ الأوروبيون عقبها يفرقون في توصيفهم بين من يحمل السلاح ليروع الآمنين وبين من يعيش مسالمًا، فالأول: «خائن لأمانة الدين» -كما وصفه الإمام، والثاني: يحقق قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، ولأن الكلام الطيب وجد آذانًا تسمع وقلوبًا تفقه واصل «الطيب» مسيرة التصحيح.

الشيخ الطيب انطلق من ألمانيا إلى دولة الفاتيكان المحطة الثالثة من جولاته الخارجية؛ والتي أعلن خلالها أطروحة جديدة تترجم رؤية الأديان في إقرار السلام والرحمة، متخذا من المقر البابوي ولقاء البابا فرانسيس منصة لمخاطبة العالم: «هناك مشتركات كثيرة جدا ممكن أن نلتقي في رحابها، وأن نعمل سويا كأكبر مؤسستين دينيتين لأكبر دينين في العالم المعاصر، والهدف هو أولًا: السلام العالمي، وثانيا: إطفاء نار الحرب اللامنطقية واللامعقولة».


انتفاضة الإمام لم تتوقف عند المحطات الثلاث السابقة، بل اتبعهم بجولة أوروبية رابعة لا تقل أهمية عن سابقاتها، وذلك حين زار فرنسا ليشارك في «الملتقى الثاني لحوار الشرق والغرب بشأن الأديان» ويلتقي على هامش جلساته بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند؛ ليؤكد له أن الإسلام شدد على عصمة دماء المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، داعيًا من قصر الإليزيه العالم أجمع إلى التصدي للإرهاب الذي هو «واجب على الجميع»؛ معلنًا أن الأزهر الشريف مستعد لمساعدة فرنسا في كل ما يمكنها من التصدي للإرهاب.




الإمام الطيب قاد خلال زيارته للدول الأربع زمام الأمر، فعاد كل شيء إلى نصابه الطبيعي، وتغيرت نظرة الأوروبيين إلى الإسلام، وأصبح الكثير منهم يفرق بين المسلم المتسامح المحب الداعي إلى السلام وبين من اتخذ الدين غطًاء لتحقيق أغراض دنيئة؛ ولأن بذور السلام التي زرعتها كلمات «الإمام» داخل قلوب الأوروبيين أنبتت أشجار محبة متبادلة بين الشرق والغرب، عاد «الطيب» إلى بيته لا ليستريح بل ليفتح ذراعيه لكل شباب المجتمع الميانماري بجميع طوائفه ودياناته: «مسلمين وبوذيين ومسيحيين وهندوسيين» داعيًا إياهم إلى حقن الدماء وإطفاء نيران الحروب المشتعلة بين إخوة الوطن والدين والإنسانية.

الإمام الأكبر، دعا أبناء ميانمار إلى السلام وإنهاء فصول من التقاتل الداخلي في ولاية «راخين» راح ضحيته آلاف الأبرياء؛ قائلًا لهم: «أنا لا أعرف فتنة أضر على الناس ولا أفتك بأجسادهم وأسكب لدمائهم من القتل باسم الدين تارة وباسم العرق تارة أخرى، فما للقتل بعث الأنبياء وأُرسل المرسلون ولا للاضطهاد والتشريد جاء الحكماء والمتألهون».

لمست كلمات الإمام الأكبر قلوب الفرقاء من أبناء ميانمار، فرقوا لحال وطنهم الذي أحرقت كثرة الحروب وتقاتل الأقليات أشجار السلام فوق أرضه، فقاموا في رحاب الأزهر الشريف يتعانقون، تصافح المسلم والبوذي والمسيحي والهندوسي وطويت صفحة مؤلمة، والطيب -الذي نجح في غضون ساعات في إبرام صلح كان العالم يتمنى إتمامه منذ سنوات- ومن حوله علماء الأزهر يرددون: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين».

«الإمام عاد ليقود».. كانت هذه رسالة مصر إلى كل الدول الإسلامية، بل للعالم أجمع عقب نجاح الجولات المكوكية التي قام بها «الشيخ الطيب» والتي أثبتت للجميع أن على هذه الأرض: «أزهر واحد.. وشيخ قائد».