السبت 11 يوليه 2020...20 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

شعور بالذنب حتى آخر العمر... أيمن نقل "كورونا" لوالده وشارك فى جنازته وحيدا

سياسة bcf68519-b2c7-4412-aaf7-fd2c037d5165

أحمد صلاح - الرسام: أسامة علي

جلس منحني الظهر، مطأطئ الرأس، يكاد كتفاه أن يتلامسا، علامات الحزن والألم تمكنت منه، تشعر بالاضطراب فور الاقتراب منه، فجأة وقف في مكانه ودار دورتين حول نفسه، شخص بنظره إلى السماء وصرخ: "أنا قاتل، أنا من تسبب في وفاة أبي ونقلت إليه العدوى، كيف سأعيش وأنا أحمل فوق عنقي ذنب وفاة من حملني طوال حياتي ودعمني في كل خطواتي وكان رد الجميل في فيروس ساعدته في الوصول إلى جسده لينهش فيه ويقتله في غضون أيام".

 


 

 

قبل ذلك اللقاء بنحو عشرين يوما، كان "أيمن" شاب في نهاية العقد الثالث – متزوج ولديه طفلة - لا يلقي بالا بخطر انتشار فيروس كورونا، ولكونه يعمل في مجال التجارة لم يستطع الالتزام بقرارات الحكومة والإجراءات الاحترازية، في الصباح يذهب إلى عمله ويلتقي الباعة ويوزع تجارته دون خوف أو مبالاة، بعد انتهاء يوم عمل يعود إلى منزله الذي يسكن به والده ووالدته في الدور الأول، اعتاد أن يمر عليهما بشكل يومي، يلقي التحية ويطبع قبلتين على جبين والده ووالدته.

 

بدأ "أيمن" يشعر بشيء من الوهن يتسرب إلى جسده، لم يضع في باله أن يكون مصابا: "كنت كغيري من الناس، أشعر ان فيروس كورونا ليس إلا مؤامرة ولا يوجد شيء يدعى كورونا وأن الحكومات حول العالم اخترعته لأهداف لا نعرفها، عندما بدأت الأعراض تتسرب إلى جسدي قاومته بالإنكار والتجاهل".

 

استمرت الأعراض تتكاتل على جسده يوما بعد يوم وقوبلت من ناحيته بإنكار حتى بدأت الأعراض تظهر على والده ووالدته المسنين: "والدي ووالدتي لا يخرجان منذ بداية الأزمة، لا يختلطان بأحد، حينئذ شعرت بالخوف والخطر، والداي مريضان بعدد من الامراض المزمنة، جسدهما لا يقوى على مقاومة الفيروس، على الفور طالبت زوجتي وابنتي بالذهاب إلى جدتهما من ناحية الأم، وبدأت التواصل مع الأقارب والمعارف لعلاج والدي ووالدتي".

 


 

استطاع "أيمن" أن يجد لوالده ووالدته مكانا داخل أحد المستشفيات واضطر هو أن يمكث في منزله في عزل منزلي: "اخترت أن أضع والدي ووالدتي في عزل صحي وأنا أمكث في المنزل، وأتابع معهما تليفونيا، تدهورت صحة والدي سريعا، الفيروس تمكن من السيطرة عليه وينهش جسده وينتشر في كافة أعضائه الحيوية، بعد التواجد داخل الحجر الصحي عشرة أيام جاءني الخبر الذي قلب حياتي رأسا على عقب.. والدي توفي".

 

 

لم يعرف "أيمن" ماذا يفعل.. الكارثة وقعت عليه ولا يملك من أمره شيئا، الشعور بالذنب يقتله ويكاد يكون أكثر فتكا من الفيروس المتواجد داخل جسده، يمشي أيامه يؤنب ضميره على وفاة والده، يخشى أن تلحق به والدته: "لم أعرف ماذا أفعل، فكرت في الانتحار في حال توفيت والدتي، سأكون قتلت والدي ووالدتي، ولو عاشت أمي كيف سأواجهها وأنظر في عينيها وأخبرها أن زوجها مات وأنا من نقلت إليهما العدوى، كيف سأمضي بقية حياتي وأنا في داخلي شعور بالذنب عصي على النسيان، كيف سأخفف عن أمي وجع الفراق والفقد".


 

كان مشهد الوداع مريرا وبطيئا، اضطر "أيمن" أن يذهب إلى دفن والده وحيدا دون معارف أو أقارب يشدون من أزره ويربتون على كتفه، لم يستطع أن يخبر والدته بخبر وفاة زوجها فضل الكتمان حتى انتهاء علاجها وشفائها.

استطلاع رأى

هل تتوقع التزام المحال والمقاهي بنسبة الـ25 % التى حددتها الحكومة؟