الثلاثاء 20 أكتوبر 2020...3 ربيع الأول 1442 الجريدة الورقية

قطار التطبيع ووظيفية القضية الفلسطينية

مقالات مختارة 1041
يجد المتابع لتطورات القضية الفلسطينية والمشهد العربي بشكل عام، أننا إزاء حالة من التحول المتسارع والقفز السريع على ثوابت ومعطيات الأمن القومي العربي التي ظلت تشكل حائط صد أمام محاولات إعادة صياغة مفهوم النظام العربي واستبداله بصيغ جديدة يُعاد من خلالها رسم خرائط الصراع، التي تجعل من إسرائيل جارا طبيعيا تنطبق عليه القواعد والأعراف الدولية من ناحية إقامة علاقات طبيعية كاملة معها، بل والانطلاق من رؤية مشتركة معها لمجابهة التهديدات والمخاطر التي تواجهها والدول العربية.اضافة اعلان


وقد سعت إسرائيل عبر تحركات حثيثة على مدار العقود الماضية إلى كسر حالة العزلة المفروضة عليها في محيطها وتجاوز العقبات التي تقف حائلًا لتدشين علاقات طبيعية مع دول جوارها الجغرافي، والدوائر الجغرافية الأخرى التي تشكل أهمية جيواستراتيجية بالنسبة لمصالحها والمصالح الدولية.

وارتكزت في هذا السعي إلى الترويج للنموذج التنموي الإسرائيلي في العديد من المجالات وخاصة مجالات الزراعة والري والتكنولوجيا، وكان هذا مدخلها لتطوير علاقاتها بدول القارة السمراء التي ترزح دولها تحت الفقر والأمية وتردي الأوضاع المعيشية والحروب الأهلية، وقدمت إسرائيل نفسها لهذه الدول باعتبار أن تطوير علاقاتها معها سيكون بمثابة طوق النجاة من هذه الظروف القاسية التي تحياها شعوبها، وأنها ستكون بوابة عبور هذه الدول للحاق بركب التطور الحداثي في بعده الاقتصادي والتنموي.
تأمين الردع برسائل عسكرية كلمة السر فيها "مناورة حسم 2020"
وبالفعل تمكنت إسرائيل من تطوير علاقاتها بالعديد من الدول الأفريقية عبر مدخل التنمية، ومع التحولات الراديكالية التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقد الأخير وحدوث حالة من السيولة في المشهد العربي بفعل التدخلات الإقليمية والدولية ودخول العديد من الوحدات العربية في دائرة الصراع والاقتتال التي هيأت بدورها الظروف المواتية لبقاء تلك القوى الدخيلة على النظام العربي والتأسيس لبقاء مستدام ساهم في تغيير معادلات الأمن القومي العربي.

 وهو ما استغلته إسرائيل لنسج شبكة من العلاقات المصلحية مع تلك الأطراف- بدعم أمريكي قوي – من أجل تأمين فضاءاتها الحيوية في دول الجوار غير المستقرة لتصبح فيما بعد رقم صعب في معادلات وخرائط النفوذ التي تقوم بإعادة رسمها الأطراف الإقليمية والدولية المتدخلة من أجل ضمان مصالحها في تلك المنطقة الجيواستراتيجية دون إعارة أي اهتمام لاعتبارات المصلحة والأمن القومي العربي.

هذه المعطيات السابقة شكلت فرصة تاريخية للكيان الصهيوني لتقديم نفسه للوحدات العربية الأضعف في حلقة الصراع التي تم نسجها في المنطقة لتعزيز أطر التعاون بمفهومه الواسع الذي يمتد إلى التعاون الأمني والدفاعي– خاصة في ظل عملية الانسحاب الأمريكي المتدرج من التزاماته تجاه حلفاءه في المنطقة في توفير مظلة الحماية ضد التهديدات المحتملة سواء من الخطر الإيراني أو خطر الإرهاب – في مقابل كسر حالة العزلة المفروضة عليها في الدائرة العربية، وتجاوز الصيغ العربية الجامعة التي ظلت حاكمة للموقف العربي لعقود تجاه مسارات حل القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها المبادرة العربية للسلام التي تم صياغة بنودها وفقًا لمقررات القمة العربية في بيروت عام 2002، والتي كانت تقوم على مبدأ أساسي، وهو "الأرض مقابل السلام" ليصبح "التعاون مقابل السلام".

والمتمعن لهذه التطورات وما سبقها من تحولات في حقبة السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي، نجد أن القضية الفلسطينية انتقلت من حالة "النضال" من أجل استرداد الأراضي المحتلة إلى حالة "الوظيفية" من أجل الحكم وتعزيز النفوذ السياسي التي تهافتت الأطراف الإقليمية (تركيا – إيران) إلى توظيفها في إطار تعزيز الحضور في العالم الإسلامي ومحاولة استعادة دور الزعامة المتصور.
فخ ليبيا والعقيدة القتالية
وكذا تعزيز شرعيتها على صعيد الداخل في بلدانهم. وبطبيعة الحال انتقلت هذه الحالة الوظيفية إلى الأطراف المحلية في الداخل الفلسطيني (حماس)، وباتت بمثابة الوكيل المحلي لهذه الأطراف – عبر الوسيط القطري– وأصبحت إحدى أدوات الضبط للداخل الفلسطيني التي تتحكم فيها الأطراف الإقليمية من أجل تنظيم مسارات الحركة والتفاعل مع الجانب الإسرائيلي وتفريغ حلقات الضغط حول مصالح تلك الأطراف في ملفات أخرى بالمنطقة.

ويبدو أن الأطراف الفلسطينية لا تزال تتعامل مع تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ القضية الفلسطينية بذات منطق التعامل التقليدي الذي يتصدره مشهد الانقسام الداخلي غير عابئة بتحولات الموقف العربي، وحالة الضعف التي أصبحت تعتريه، وهو ما يؤدي بدوره إلى الانتقاص من رصيد القضية الفلسطينية، لتكتمل الحلقة الوظيفية اليوم من خلال انطلاق قطار التطبيع في المنطقة مع إسرائيل.

ومن ثم، تقودنا معطيات اللحظة الراهنة التي نعيشها في ظل حالة الضعف التي عليها النظام العربي (بإعتباره الإطار الجامع لكافة الوحدات العربية) وما تبع ذلك من تحولات غير مسبوقة في ثوابت ومعطيات الأمن القومي العربي على نحو ستكون له آثاره الارتدادية على جميع الوحدات العربية، في إطار متوالية الصراع والسعي لتأمين الحماية للبقاء، أن يتم بشكل متسارع تنسيق حركة عربية مشتركة يُمكن من خلالها لملمة الأوراق العربية التي ساهم في بعثرتها وإضعاف قوة ضغطها التدخلات الإقليمية والدولية، وإعادة طرح الرؤية والحل العربي ضمن معادلات التسوية التي تقوم بصياغتها تلك الأطراف في كواليس المشهد للعديد من الصراعات العربية القائمة.

 وذلك عبر البحث عن مشتركات الرؤية بين الوحدات العربية حول المصالح والتهديدات المشتركة في إطار الحد الأدنى من المصلحة المشتركة، وذلك من أجل بعث الأمل من جديد في قدرة النظام العربي على توفير الحماية لوحداته وعدم التمادي في عملية استدعاء الأطراف الخارجية لتوفير الحماية. وهو ما سيسهم بدوره في إيقاف قطار التطبيع المجاني الذي انطلق ومخطط له أن يمر بجميع محطات أعضاء الجسد العربي.