رئيس التحرير
عصام كامل

هدنة بين دولتين في مصر


ليس هذا عنوانًا ساخرًا لكنه الحقيقة، فمصر الآن ومنذ سنوات بعيدة بها قسم كبير من أرضها وناسها وقيمها وثقافتها يدين للقبيلة لا الوطن.

القبائل التي دخلت مصر مع الإسلام، عاشت بعيدًا عن المدن الكبيرة ذلك الوقت، ورغم اختلاطها بالمصريين فإنها احتفظت في هذه الأماكن البعيدة عن العاصمة والحكم بعاداتها وتقاليدها، ساعدها على ذلك أن الحكم في مصر تواترت عليه قوى أجنبية مسلمة حقا لكنها في النهاية لا ترى في مصر أكثر من مستودع للمال والثروة، فكان الحس القبلي واحدًا من أشكال المواجهة والنضال.

لم يتغير فيه الكثير حتى العصر الحديث الذي حاول فيه محمد على وأبناؤه نشر تقاليد جديدة للدولة المدنية، فعرف أبناء القبائل الطريق إلى الحياة العصرية بقدر اقترابهم من العواصم والمدن الكبرى، لكن ظلت كثير من العادات في المأكل والملبس والسلوك في الزواج والإرث وغيرها كما هي.

حاولت الدول الناصرية القضاء على أكبر عادة مقيتة وهي الثأر، ورأينا دولة تحاول أن تشيع القانون، ورأينا مجهودات ثقافية كبيرة في التعليم والسينما والفن عموما تندد بالثأر، لكن كل شيء عاد بسرعة إلى أصله ووضعه القديم مع بداية عصر السادات واستمرارًا في عصر مبارك، حيث رأت الدولة أن ترك الأمر على حاله هناك راحة لها، بل الأكثر من ذلك عملت على ترسيخه بإهمال فظيع لهذه القبائل وبلادها فلم تعرف سيناء مثلا تطورا حضاريا إلا على الشواطئ.

وهو تطور شكلي لا يزيد على قرى سياحية تعمل عدة أشهر وتظل مغلقة طوال العام، وحرم على أبناء القبائل العمل فيها ولا في فنادقها، والأمر نفسه في الصحراء الغربية على امتدادها، وضرب الإهمال جذوره في الصعيد فصار أماكن طاردة لأبنائه ومن بقي فيه يعاني من كل أنواع الإهمال في كل شيء.

صارت المجالس العرفية هي طريق الحق والحصول على الحق ولم يعد للقانون أي مدخل سلمي أو غير سلمي، فالدولة كما قلت أراحت دماغها وتركتهم يدبرون حياتهم بالطريقة البدائية، ومن ثم تكرست بقوة كل العادات المقيتة، طبيعي جدا بعد أن حدثت الفوضى في البلاد بعد ثورة يناير التي لا تزال تعاني من خصومها في الحكم قبل خصومها في الحياة، أن يكون السلاح أكبر أهداف هذه القبائل خاصة وقد صار الطريق إليه أسهل من الطريق إلى زيارة الجيران ! وبعد سنوات من مجالس عرفية لا قيمة ولا معنى لها بين المسلمين والمسيحيين تفريطًا في دولة القانون.

طبيعي جدًا حين يحدث خلاف بين قبيلتين أن يتحول إلى مذبحة رغم أنه هنا والحمد لله لا مسيحية في الأمر ولا إسلام، وقعت الواقعة هذه المرة بين قبيلتين كبيرتين مسلمتين في أسوان "الهلالية والدابودية النوبية".. ورغم أن الدابودية النوبية كما يقال بها مساحة كبيرة من المتعلمين ورغم أن أهلها تقريبا حول خط الطبقة الوسطي فإن الحس القبلي يظهر بقوة أمام الحس القبلي المواجه الذي قيل إنه بدأ العدوان.

دعنا من أي حديث عن الهلالية باعتبارهم قريبين من الجهات الأمنية تستخدمهم في عملها أو أن كثيرًا منهم خارجون على القانون. دعك من هذا كله فالجميع الآن خارج القانون لا يرون للدولة وجودا والذي أوصلهم إلى ذلك الدولة نفسها التي لم يكن لها وجود فعلا في أي شيء اجتماعي أو ثقافي أو اقتصادي أو تعليمي أو صحي، بل دعمت طرائقهم القبلية في الحياة، لذلك نسمع أن كل من ذهبوا نجحوا في الوصول إلى هدنة مؤقتة يبن الطرفين، هدنة بين دولتين في دولة اسمها مصر لم يكن لها من عمل عبر أربعين سنة وأكثر غير الغياب.
ibrahimabdelmeguid@hotmail.com
الجريدة الرسمية