شاهد جمال مقابر «الكومنولث» بالإسماعيلية، وسر الوفود الأجنبية التي تأتي لزيارتها كل عام
وسط شواهد عالية تقف شامخة تبدو عليها الفخامة، وصمت ممزوج باللون الأخضر، وكأنه بساط من السجاد الفاخر يكاد ينطق ليخبر العابرين، بأن ها هنا عشرات القصص لضحايا حروب تركوا أوطانهم ليدفنوا في أرض محافظة الإسماعيلية عروس القناة.
في قلب الإسماعيلية، وبين شوارعها الحيوية ومقابر أهلها، تقبع مقابر لا تشبه أي مقابر أخرى.. حدائق غناء، وأزهار متناسقة، وشواهد رخامية مصفوفة بدقة عسكرية، تحمل أسماء جنود وضباط وأطباء وممرضين جاءوا من أقصى الأرض، ولم يعودوا أبدا.
إنها مقابر الكومنولث، التي تحولت مع مرور الزمن من ساحة لدفن ضحايا الحرب إلى مزار إنساني وتاريخي يزوره ذوو الضحايا من مختلف دول العالم كل عام.


5 مقابر تحكي تاريخ حربين عالميتين
تحظى محافظة الإسماعيلية بوجود 5 مقابر للكومنولث، تقع في مدينة الإسماعيلية، والقنطرة شرق، وفايد، والتل الكبير، ومعسكر الجلاء.
وبحسب الموقع الرسمي لهيئة الكومنولث البريطانية، تضم المقابر الخمسة رفات وجثامين نحو 5000 ضحية ما بين جنود وضباط وأطباء وتمريض، وتعد أكبرها تلك القابعة بمدينة فايد.
ويرجع تاريخ مقابر الكومنولث إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتوجد في مصر 16 مقبرة من هذا النموذج، تشرف على رعايتها وإدارتها هيئة الكومنولث البريطانية، التي تضم رفات عشرات الآلاف من ضحايا الحروب.
لماذا أنشئت مقابر الكومنولث؟
نشأت فكرة هذه المقابر بعد الحرب العالمية الأولى، عندما وجدت بريطانيا وحلفاؤها أنفسهم أمام عشرات الآلاف من الجنود الذين ماتوا بعيدا عن أوطانهم، في ساحات القتال في مصر وفلسطين وشمال إفريقيا وغيرها.
كان من المستحيل نقل كل تلك الجثامين إلى بلدانهم، فقررت دول الكومنولث إنشاء هيئة خاصة تتولى دفنهم بكرامة في أماكن وفاتهم، وتخليد ذكراهم، والحفاظ على قبورهم بنفس القدر من الاحترام، بغض النظر عن الرتبة أو الجنسية أو الديانة.
ومن هنا ولدت هيئة الكومنولث لمقابر الحرب، التي تشرف اليوم على نحو 23 ألف موقع تنتشر في 150 دولة في العالم، وتقوم بالحفاظ عليها وصيانتها، كما تشرف على 40 ألف مقبرة من جنسيات أخرى، إضافة إلى 25 ألف مقبرة مدنية غير حربية، وتحتفظ سجلاتها بأسماء جميع الجنود المدفونين فيها.
وفي مصر تتوزع المقابر الـ16 ما بين صلاح سالم وهليوبوليس بالقاهرة، والحضرة والشاطبي والمنارة بأبو قير بالإسكندرية، والعلمين والسلوم بمطروح، ومقبرتين ببورسعيد، وفايد والقنطرة شرق والإسماعيلية والتل الكبير ومعسكر الجلاء بالإسماعيلية، ومقبرة بالسويس، ومقبرة بأسوان.
شواهد رخامية تحفظ أسماء وديانات الضحايا
وتوجد ثلاث مقابر كبرى بمدينة الإسماعيلية والتل الكبير وفايد، والمظهر العام للمقابر يعتبر متماثلا حتى في طريقة ترتيب القبور، وكل مقبرة بها نصب تذكاري مدون عليه تاريخ كل مقبرة وعدد القتلى بها وديانات القتلى ما بين مسلمين ويهود ومسيحيين وهندوس.
وداخل المقبرة سطرت أعلى كل قبر لوحة من الرخام، محفور عليها اسم كل متوفى وتاريخ ميلاده ووفاته وديانته وجنسيته، في مشهد يجسد المساواة في الموت بعد أن فرقتهم الحياة والرتب والحروب.
وفي مدينة الإسماعيلية وتحديدا في شارع الثلاثيني، تقبع مقابر الكومنولث بين مقابر المسلمين والأقباط. ورغم أن هذه المقابر تحديدا غير مسموح للعامة بزيارتها، لكن من أبوابها الحديدية يلمحها المارة، خاصة أنها تقع في مكان حيوي به كثافة مرورية.
ويضم هذا المكان داخله 661 قبرا لجنود الحربين العالميتين الأولى والثانية من قوات التحالف.
وعلى الجانب الغربي من شريط السكة الحديد، في مدينة التل الكبير، توجد مقبرة الكومنولث وتضم داخلها رفات 675 ضحية، وتظهر المقبرة بشكل واضح لكل ركاب القطارات التي تمر يوميا من جوارها، وتبدو من شباك القطار لأي راكب وكأنك أمام حديقة غناء بتناسقها ورونق أزهارها.
أما في فايد، وعلى بعد عشرات الأمتار من شاطئ البحيرات المرة، ستستقبلك مقبرة على مساحة 6 أفدنة، بواجهة أمامية تتوسطها بوابة قصيرة من خشب الأرو، تواجه نصبا يمتد أمامه مسطح أخضر مترامي الأطراف على شكل مستطيل، وبين ارتفاعات ومنخفضات تمتد على طول المسطح الأخضر أقيمت مئات القبور.
من دُفن هنا؟
أغلبية المقابر خاصة بالإنجليز، وعددها 477 من الجنود والضباط والعاملين بالمنطقة خلال الفترة من 1914 وحتى 1957، وهناك مقابر للألمان ومقابر للهنود الهندوس، وللبلجيكيين ومن غرب أفريقيا، في تأكيد أن الحرب لم تفرق بين جنسية وأخرى في الموت.
سر الزيارات السنوية والوفود الأجنبية
وتنظم الهيئة الدولية كل عام رحلات دورية لأسر الضحايا لزيارة مقابر ذويهم، حيث يأتي الأبناء والأحفاد من بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا والهند وغيرها، ليضعوا الزهور على قبور آبائهم وأجدادهم، ويقرأوا أسماءهم المحفورة على الرخام، ويستعيدوا قصصهم التي لم يعيشوها.
وتشرف هيئة الكومنولث على رعاية هذه المقابر، وتخصص مبالغ سنوية للإنفاق على تجميل وتطوير حدائقها، ويقام سنويا احتفالان في مدينة العلمين، تخليدا لذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى، في الرابع والعشرين من أكتوبر،من كل عام، والثانية لإحياء ذكرى توقيع اتفاقية السلام لإنهاء الحرب وجلاء الغزو في الحادي عشر من نوفمبر.
هكذا تبقى مقابر الكومنولث بالإسماعيلية ليست مجرد قبور صامتة، بل كتابا مفتوحا من التاريخ الإنساني، وشاهدا على أن الحرب مهما طالت تترك وراءها قصصا لا تموت، وذاكرة لا تنسى، حتى بعد مرور أكثر من قرن على رحيل أصحابها.

