حوادث زمان
عندما أفرج عبد الناصر عن شقيق شكري سرحان.. قاتل تحول إلى فنان.. القصة الحقيقية لفيلم "إحنا التلامذة"
لم تكن قصة فيلم "إحنا التلامذة" مجرد حكاية درامية نسجها الأديب نجيب محفوظ من خياله، وإنما استندت إلى جريمة حقيقية هزت الرأي العام في مصر خلال خمسينيات القرن الماضي، وكانت المفاجأة أن أحد المتهمين في القضية أصبح فيما بعد فنانا سينمائيا، وشارك في الفيلم الذي استلهم أحداثه من تلك الواقعة.. إنه الفنان الراحل سامي سرحان، الشقيق الأصغر للفنان شكري سرحان.
جريمة قتل تقلب حياة سامي سرحان
بدأت الحكاية في منتصف خمسينيات القرن الماضي، عندما تورط عدد من الطلاب الشباب في واقعة اقتحام أحد البارات بمنطقة وسط القاهرة، بقصد السرقة، لكن المحاولة انتهت بمقتل صاحب البار، بعد أن اكتشفوا عدم وجود الأموال التي كانوا يبحثون عنها في الخزانة.
وكان من بين المتهمين شاب يدعى أمين سامي الحسيني سرحان، الذي عرفه الجمهور فيما بعد باسم سامي سرحان، شقيق الفنان شكري سرحان.
ولم تنته القصة عند ارتكاب الجريمة، إذ قادت مشاجرة بين المتهمين إلى كشف أمرهم، بعدما استمع شاويش الدورية إلى تبادلهم عبارات اللوم والعتاب في ساعة متأخرة من الليل، بسبب ما حدث أثناء تنفيذ الجريمة، فتم القبض عليهم واقتيادهم إلى قسم شرطة عابدين.
وبعد التحقيقات والمحاكمة، صدرت أحكام بالسجن ضد المتهمين، وتعددت الروايات المنشورة بشأن تفاصيل الأحكام وعدد المتورطين فيها، إلا أن المؤكد أن سامي سرحان قضى سنوات خلف القضبان، قبل أن تتغير حياته بتدخل شقيقه الأكبر.

شكري سرحان يستنجد بعبد الناصر للإفراج عن شقيقه!
لم يتخل الفنان شكري سرحان عن شقيقه، وظل يسعى من أجل الإفراج عنه، مستغلا مكانته الفنية وعلاقته بالمسؤولين، حتى جاءت الفرصة خلال احتفالات عيد الفن، وأثناء تكريمه عن دوره في فيلم "رد قلبي".
وتقدم شكري سرحان بالتماس إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، طالبا العفو عن شقيقه ومنحه فرصة جديدة للحياة، واستجاب عبد الناصر للالتماس، ليخرج سامي سرحان من السجن بعد قضائه نحو 10 سنوات.
وبعد خروجه، بدأ سامي صفحة جديدة من حياته، واتجه إلى التمثيل، مستفيدا من دعم شقيقه، ليصبح وجها مألوفا في السينما المصرية، ويشارك في العديد من الأعمال بأدوار ثانوية، بعدما كانت بدايته بعيدة تماما عن أضواء الفن.



من القضية الحقيقية إلى شاشة السينما!
بعد سنوات من الواقعة، تحولت القضية إلى عمل سينمائي حمل اسم "إحنا التلامذة"، الذي أنتج عام 1959 وعرض لأول مرة يوم 12 أكتوبر من العام نفسه، من إخراج عاطف سالم، وسيناريو الأديب نجيب محفوظ، وحوار محمد أبو يوسف، وإنتاج حلمي رفلة.
وجاء الفيلم مستلهما من القضية الحقيقية، وقدم صورة لثلاثة طلاب دفعتهم ظروفهم الاجتماعية والأسرية إلى الانحراف، حتى انتهى بهم الأمر إلى ارتكاب جريمة قتل أثناء محاولة سرقة أحد البارات.
واللافت أن سامي سرحان، الذي ارتبط اسمه بالقضية الحقيقية، لم يكن من أبطال الفيلم، وإنما كان هو أحد الأشخاص الذين استلهمت الحكاية من واقعتهم، وهي مفارقة جعلت قصة الفيلم أكثر إثارة.

عمر الشريف وغيرة كادت تحرم الفيلم من فاتن حمامة!
وشهد الفيلم أيضا كواليس مثيرة، بعدما اعترض عمر الشريف على مشاركة صديقه أحمد رمزي، وطلب من المخرج عاطف سالم الاستعانة بيوسف فخر الدين بدلا منه، على خلفية خلاف نشأ بين النجمين بسبب وشاية تتعلق بفاتن حمامة أثناء تصوير فيلم «صراع في الوادي».
وأدى الخلاف إلى قطيعة بين عمر الشريف وأحمد رمزي استمرت نحو ثماني سنوات، قبل أن تتضح الحقيقة ويعود الاثنان إلى صداقتهما.
وكانت فاتن حمامة قد عُرض عليها أداء البطولة، لكنها اعتذرت عن المشاركة، وأسند الدور في النهاية إلى زيزي البدراوي.

فيلم يناقش انحراف الشباب ويخلد قصة حقيقية
شارك في بطولة 'إحنا التلامذة" شكري سرحان وعمر الشريف ويوسف فخر الدين وزيزي البدراوي وآمال فريد وميمي شكيب وفؤاد شفيق وغيرهم.
وتناول الفيلم أسباب انحراف الشباب، رابطا بين السلوك الإجرامي والظروف الأسرية والاجتماعية، واعتبره نقاد من الأعمال المهمة التي نجح فيها نجيب محفوظ في تقديم شخصيات واقعية ودوافع مقنعة.
وعُرض الفيلم في مهرجان مار ديل بلاتا بالأرجنتين عام 1960، واحتل المركز 21 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، كما اختير ضمن قائمة الأفلام الكلاسيكية المصرية التي خضعت للترميم استعدادا لعرضها في مهرجان القاهرة السينمائي.
أما سامي سرحان، فرحل عن عالمنا عام 2005، تاركا وراءه حكاية استثنائية بدأت بقضية جنائية شغلت الرأي العام، وانتهت بمسيرة فنية، ليظل اسمه مرتبطا بواحد من أشهر الأفلام الاجتماعية في تاريخ السينما المصرية..
الفيلم سيعرض ضمن 25 فيلما مصريا في مهرجان القاهرة السينمائي القادم..
