هشتغل لآخر يوم في عمري وما أمدش إيدي لحد، حكاية 55 سنة لـ عم صبحي في مهنة التنجيد بالقليوبية (فيديو)
في أحد أركان الحياة المصرية التي لا تزال تحتفظ برائحة الزمن الجميل، يجلس عم صبحي السيد عبد المجيد نصر، ابن مركز طوخ محافظة القليوبية صاحب الـ71 عامًا، ممسكًا بأدوات مهنته التي رافقته أكثر من نصف قرن (55 عامًا)، ينسج بخبرته حكايات الكفاح والصبر، ويقاوم بيديه تغيرات الزمن وتراجع الإقبال على واحدة من أقدم الحرف اليدوية، مؤمنًا بأن العمل شرف، وأن لقمة العيش الحلال تستحق أن يبذل الإنسان من أجلها عمره كله.
لم تكن مهنة التنجيد بالنسبة إلى عم صبحي مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل كانت رحلة عمر كاملة، استطاع من خلالها أن يفتح بيته ويعول أبناءه الستة، ويواجه أعباء الحياة بعرق جبينه، دون أن يفقد إيمانه بقيمة العمل أو يتخلى عن كرامته، رغم ما شهدته المهنة من تغيرات جعلتها مهددة بالانقراض مع تراجع الاعتماد على الطرق التقليدية وانتشار البدائل الحديثة.
وبنبرة تحمل إصرار رجل لم يعرف الاستسلام، يؤكد عم صبحي أنه سيظل يعمل حتى آخر يوم في عمره، وأنه لا يفكر في ترك مهنته ما دام قادرًا على الوقوف والعمل، فبالنسبة له لم يكن الشقاء يومًا عبئًا بقدر ما كان طريقًا للستر، ولم تكن سنوات العمر التي قضاها بين القطن وأدوات التنجيد مجرد أيام عمل، بل كانت سنوات من المسؤولية والتضحيات من أجل أسرته.
«إذاعة الشباب والرياضة».. رفيقة المشوار
ورغم مرور السنوات، لا يزال عم صبحي متمسكًا بطقوس يومية تمنحه الراحة والونس وسط ساعات العمل الطويلة. يحضر إلى مكان عمله في الثامنة صباحًا، ويبدأ يومه ملتزمًا بمواعيده التي اعتاد عليها، ولا يغادر إلا في الخامسة مساءً، وكأن الساعة جزء من نظام حياته الذي لم تسمح له سنوات الكفاح بالتخلي عنه.
وبينما تنشغل يداه بالعمل، يصاحب صوته المألوف صوت إذاعة الشباب والرياضة، التي يحرص على الاستماع إليها، وخاصة مباريات كرة القدم، فيعيش أجواء المباراة ويتخيل أحداثها وكأنه يشاهدها بعينيه، فتتحول الإذاعة إلى رفيق يومي يخفف عنه مشقة العمل ويمنحه مساحة من المتعة وسط تفاصيل الحياة المتكررة.
أما كوب الشاي، الذي يصفه ضمن طقوسه المعتادة، فله مكانه الخاص في يومه، إذ يحتسيه ويسترسل في عمله، مستغرقًا في تفاصيل صنعته التي يعرف أسرارها جيدًا، حتى أصبح لكل حركة من يديه حساب، ولكل قطعة يعمل عليها حكاية وخبرة تراكمت عبر عشرات السنين.
يوم الجمعة.. موعد مقدس مع الأبناء والأحفاد
وعلى الرغم من تمسكه بالعمل وإصراره على الاستمرار فيه، فإن عم صبحي يعرف جيدًا أن للحياة وجهًا آخر لا يقل أهمية عن الكفاح، وهو الأسرة. لذلك يحرص على إغلاق محل عمله يوم الجمعة، رافضًا أن تطغى ساعات الشغل على حق أبنائه وأحفاده في الجلوس معه.
فهذا اليوم بالنسبة له ليس مجرد عطلة أسبوعية، وإنما موعد عائلي ينتظره طوال الأسبوع، يجتمع فيه الأبناء والأحفاد، ويتناولون الطعام معًا، ويتبادلون الأحاديث والضحكات، فيستعيد بينهم معنى البيت الذي تعب سنوات طويلة من أجل بنائه والحفاظ عليه.
وفي مشهد يعكس بساطة الحياة التي يتمسك بها، تبدو سعادة عم صبحي الحقيقية في هذه اللحظات العائلية، بعدما قضى عمره يعمل من أجل أن يرى أبناءه بخير، ويجد في اجتماعهم حول مائدة واحدة مكافأة تستحق كل ما بذله من جهد وتعب.
حلم لم ينطفئ.. وظيفة لابنته بعد سنوات من الانتظار
ورغم أن سنوات عمره السبعين حملت الكثير من التجارب، فإن أحلام عم صبحي لم تنتهِ عند تربية أبنائه أو توفير احتياجات بيته، فما زال يحمل في قلبه أمنية يتمنى أن تتحقق، وهي أن تحصل ابنته على وظيفة معلمة مستقرة، بعدما سعت طويلًا وراء حلمها، وعملت بالتدريس بنظام الحصة لفترات طويلة، قبل أن يصيبها اليأس من طول الانتظار.
يتحدث عن حلم ابنته باعتباره أمنية تخصه هو أيضًا، وكأن تعب الأب لا يتوقف عند توفير الطعام والملبس، بل يمتد ليشمل مستقبل أبنائه واستقرارهم. فما زال يتمنى أن يراها وقد حصلت على فرصة عمل تحقق لها الأمان الوظيفي، وتمنحها الاستقرار الذي طال انتظاره.
ولا يطلب عم صبحي من الدنيا الكثير؛ فكل ما يتمناه هو الصحة والستر، وأن يظل قادرًا على العمل وكسب رزقه بنفسه، دون أن يحتاج إلى أحد أو يمد يده طلبًا للمساعدة، متمسكًا بما يعتبره جوهر كرامته طوال رحلة حياته.
«بعمل للغلابة».. تمسك بصنعة الزمن الجميل
ومع تراجع الإقبال على التنجيد التقليدي، لا يزال عم صبحي يحتفظ بعلاقته بزبائنه، وخاصة البسطاء منهم، الذين يحرص على تقديم الخدمة لهم بما يتناسب مع ظروفهم وإمكاناتهم. ويقول إنه لا يزال يصنع القطن للغلابة، في تعبير يكشف عن ارتباطه بفئة من الناس يعرف احتياجاتها، ويشعر بأن مهنته لا تزال قادرة على خدمتهم رغم تغير الزمن.
فهو لا ينظر إلى التنجيد باعتباره تجارة فقط، بل صنعة لها أصولها، وعلاقة إنسانية تجمع بين الصنايعي والزبون، تقوم على الثقة والخبرة ومراعاة ظروف الناس. وبينما تتراجع الحرف القديمة أمام أنماط الحياة الحديثة، يواصل عم صبحي عمله متمسكًا بما تعلمه وما أتقنه على مدار خمسين عامًا.
حكاية عم صبحي ليست مجرد قصة رجل تجاوز السبعين ولا يزال يعمل، لكنها حكاية جيل آمن بأن الكرامة في السعي، وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه لأسرته ومجتمعه، وأن العمر لا يقاس بعدد السنوات بقدر ما يقاس بما يحمله من عطاء وتضحيات.
وفي نهاية يومه، يغلق عم صبحي باب مكان عمله في موعده المعتاد، ويترك أدواته استعدادًا ليوم جديد، بينما يظل حلمه بسيطًا وواضحًا: صحة تعينه على الاستمرار، وستر يحفظ كرامته، وأسرة تلتف حوله، وابنة ترى ثمرة سنوات سعيها.
أما مهنته التي يخشى عليها من الاندثار، فيتمسك بها حتى آخر الطريق، وكأنه يقول للأجيال الجديدة إن بعض الحكايات لا ينبغي أن تنتهي، وإن وراء كل حرفة قديمة إنسانًا أفنى عمره فيها، وبيوتًا عاشت من خيرها، وذكريات تستحق أن تبقى.


