نوبل 2026 تعيد السؤال الصعب.. لماذا يغيب العلماء المصريون عن منصات التتويج؟.. 140 ألف باحث وآلاف الدراسات.. وخبراء يكشفون تحديات البحث العلمي
مع إعلان الفائزين بجوائز نوبل لعام 2026 فى الطب والفيزياء والكيمياء، يتجدد السؤال الذى يطرح نفسه كل عام على الساحة العلمية المصرية: لماذا لا نرى عالمًا مصريًا جديدًا بين الحاصلين على أرفع الجوائز العلمية فى العالم؟ وهل تكمن المشكلة فى نقص المواهب والقدرات البحثية، أم فى منظومة علمية لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتمويل، واستقلالية البحث، وتجهيز المعامل، وربط الجامعات بمراكز الأبحاث العالمية؟ وبينما تحتفى الأوساط العلمية الدولية باكتشافات تفتح آفاقًا جديدة لفهم الجسد البشرى وأسرار الكون والتفاعلات الكيميائية، تعود إلى الواجهة ذكرى العالم المصرى الراحل أحمد زويل، الذى حصد جائزة نوبل فى الكيمياء عام 1999 عن أبحاثه الرائدة فى كيمياء الفيمتو، فاتحًا نافذة أمل أمام أجيال من الباحثين المصريين.
لكن مرور أكثر من ربع قرن على إنجاز زويل يفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا من مجرد البحث عن اسم مصرى جديد فى قائمة الفائزين: ما الذى يحتاجه العلم فى مصر حتى يتحول التفوق الفردى إلى منظومة قادرة على إنتاج اكتشافات استثنائية بصورة مستدامة؟ وهل يمكن أن نشهد قريبًا تكرار تجربة زويل، أم أن الطريق إلى نوبل يبدأ بمعالجة أزمات أعمق، من هجرة العقول وضعف الإنفاق البحثى إلى محدودية فرص التعاون الدولى واستمرار المشروعات العلمية طويلة الأجل؟
وتكشف البيانات الرسمية أن المشهد البحثى المصرى يجمع بين تقدم ملموس فى النشر العلمى وتحديات فى تحويل المعرفة إلى ابتكارات مسجلة، حيث أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، فى يونيو 2026، أن مصر نشرت أكثر من 116 ألف بحث دولى خلال الفترة من 2019 إلى 2024، وأن عدد الباحثين المصريين المسجلين على قاعدة بيانات «Scopus» تجاوز 140 ألف باحث، فيما نُشر نحو 78% من الأبحاث المصرية فى دوريات علمية مصنفة ضمن الفئتين الأولى والثانية (Q1 وQ2)، ووُضع 1106 علماء مصريين ضمن أفضل 2% من العلماء عالميًا وفق تصنيف جامعة ستانفورد، كما تجاوز معدل النشر الدولى السنوى 45 ألف بحث، مقارنة بنحو 16 ألفًا فى فترة سابقة.
وفى المقابل، أوردت أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، ضمن حصادها لعام 2024، بيانات تشير إلى تقديم 581 طلب براءة اختراع من مصريين، مقابل 1268 طلبًا من أجانب، بإجمالى 1849 طلبًا، إلى جانب الإشارة إلى وجود 264 جهة داعمة للابتكار.
هذه الأرقام تتعلق بطلبات البراءات، لا بعدد البراءات التى مُنحت بالفعل، لكنها تفتح بابًا لفحص قدرة منظومة البحث العلمى على تحويل الأفكار والدراسات إلى اختراعات قابلة للتطبيق.
وبين المؤشرات الإيجابية للنشر العلمى والفجوة المحتملة فى مسار الابتكار، يظل السؤال المطروح، كيف يمكن توظيف القاعدة البحثية المصرية المتنامية لإنتاج اكتشافات علمية استثنائية، وتعزيز فرص ظهور علماء مصريين قادرين على المنافسة على جوائز نوبل؟
وهنا نفتح هذا الملف، استنادا إلى شهادات الباحثين وخبراء التعليم والبحث العلمي، ومقارنة التجربة المصرية بنماذج دول نجحت فى تحويل الاستثمار فى المعرفة إلى إنجازات عالمية، بحثًا عن إجابة لسؤال لا يتعلق بجائزة نوبل وحدها، بل بمستقبل العلم وقدرة مصر على تحويل المعرفة إلى اكتشافات تغير العالم.
الاستمرارية وبناء المدارس البحثية مفتاح تكرار إنجاز أحمد زويل
يرى الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا والبحوث، أن الوصول إلى منصات التتويج العالمية، وفى مقدمتها جائزة نوبل، لا يعتمد على امتلاك المواهب وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة من العمل المتواصل والاستثمار طويل الأجل، ويضرب مثالًا بالنجم المصرى محمد صلاح، متسائلًا: لماذا لا يظهر بين المصريين عدد أكبر من النجوم الذين يحققون نجاحات عالمية مماثلة، رغم ما تمتلكه مصر من مواهب عديدة؟ فصناعة بطل رياضي، بحسب السعيد، تتطلب سنوات من التدريب والتركيز والإنفاق وتوفير الإمكانات، وهو ما ينطبق أيضًا على إعداد عالم قادر على تحقيق اكتشاف استثنائى والفوز بجائزة نوبل.
وأكد السعيد أن أحد الشروط الأساسية للتميز العلمى هو الاستمرارية فى العمل على موضوعات بحثية محددة، تستطيع مصر أن تحقق فيها سبقًا وتبنى من خلالها ميزة تنافسية على المستوى الدولي.
فالمطلوب، كما يوضح، ليس مجرد باحث ينجح فى نشر دراسة علمية متميزة، مهما بلغت قيمتها، ثم يتوقف عند هذا الحد، وإنما تأسيس مدارس بحثية متخصصة تتعاقب عليها الأجيال، وينطلق منها باحثون جدد لتطوير الاكتشافات السابقة والبناء عليها، حتى تصبح للمؤسسات المصرية بصمة علمية واضحة فى مجالات بعينها.
وأشار إلى أن بناء هذه المدارس يتطلب استثمارات كبيرة وميزانيات مستدامة، لافتًا إلى أن الجامعات والمؤسسات العلمية الكبرى، مثل جامعة هارفارد وغيرها من المراكز البحثية العالمية، تخصص موارد ضخمة للبحث العلمي، بما يتيح لها مواصلة العمل على مشروعات طويلة الأجل والوصول إلى اكتشافات رائدة.
وشدد على أن الاستثمار فى البحث العلمى ليس إنفاقًا بلا عائد، بل هو استثمار فى المعرفة والابتكار والقدرة على المنافسة عالميًا، شريطة أن يقترن برؤية واضحة تحدد المجالات التى تمتلك فيها مصر فرصًا حقيقية للتميز.
وأضاف نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا والبحوث أن مصر لديها بالفعل باحثون متميزون فى مجالات مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، ويمكن إعداد أجيال قادرة على المنافسة دوليًا إذا توافرت لها البيئة المناسبة.
لكنه حذر من أن هجرة الكفاءات إلى الخارج بحثًا عن فرص عمل أفضل قد تحرم المؤسسات المصرية من استمرار جهود هؤلاء الباحثين، وتؤثر فى قدرتهم على متابعة المشروعات التى بدأوها وتطويرها على مدى سنوات، فالاستمرارية، بحسب رؤيته، عنصر حاسم فى مسيرة الاكتشاف العلمي، إذ قد تعمل جامعة أو مجموعة بحثية على موضوع معين لثلاثة عقود أو أكثر قبل الوصول إلى نتائج استثنائية تحظى بالتقدير العالمي.
ولا يقتصر الدعم المطلوب، وفقًا للسعيد، على التمويل وتوفير الأجهزة والمعامل، بل يمتد إلى الدعم المعنوي، وتيسير الإجراءات، وتوفير الحوافز، ومنح العلماء الاستقرار والوقت اللازمين للتفرغ لأبحاثهم، فالعالم الذى يسعى إلى تحقيق اكتشاف كبير يحتاج إلى بيئة تشجعه على مواصلة العمل، وتتيح له اختبار أفكاره وتطويرها، بدلًا من استنزاف جهده فى العقبات الإدارية أو القلق المستمر بشأن إمكانات البحث ومستقبله المهني.
اكتشاف المواهب العلمية ورعاية مراكز التميز
ويرى الدكتور عبد الناصر سنجاب، رئيس لجنة قطاع كليات الصيدلة بالمجلس الأعلى للجامعات ونائب رئيس جامعة عين شمس الأسبق، أن الوصول إلى جوائز نوبل لا يتحقق بصورة عشوائية، وإنما يحتاج إلى منظومة مؤسسية تتولى اكتشاف المواهب العلمية مبكرًا، ورعايتها على مدى سنوات طويلة، وتوفير الإمكانات التى تساعدها على تحقيق اكتشافات جديدة ذات تأثير عالمي.
وكشف سنجاب أنه تقدم، خلال فترة توليه منصب نائب رئيس جامعة عين شمس، بمقترح لإنشاء هيئة متخصصة لاكتشاف الموهوبين علميًا منذ مرحلة البكالوريوس، على غرار منظومة اكتشاف المواهب الرياضية ورعاية اللاعبين الناشئين، مؤكدا أن الهدف من هذه الهيئة هو تحديد الطلاب الذين يمتلكون قدرات بحثية استثنائية، ثم توفير مسار طويل الأجل لتأهيلهم ومتابعتهم، بدلًا من انتظار أن يبرز أحدهم بمفرده بعد سنوات من العمل، مضيفا أن بناء قاعدة من العلماء القادرين على المنافسة الدولية يحتاج إلى استثمار يمتد من 20 إلى 30 عامًا، مع التزام الدولة بتوفير المؤسسات والبرامج اللازمة لدعم هذه المواهب.
وشدد سنجاب على أن مصر تمتلك عددًا كبيرًا من العلماء والباحثين، لكن التحدى الحقيقى يتمثل فى تمكينهم من الانتقال من حدود البحث التقليدى إلى تقديم اكتشافات أصيلة تضيف جديدًا إلى المعرفة الإنسانية.
ومن وجهة نظره، لا يكفى أن يحقق الباحث معدلات نشر علمى مرتفعة، وإنما ينبغى أن تكون لديه فكرة ابتكارية قادرة على إحداث فارق، وأن يعمل على تطويرها وحماية حقوقها الفكرية، وصولًا إلى تطبيقات عملية متى كان ذلك ممكنًا، فالمنافسة على الجوائز العالمية، بحسب رؤيته، تتطلب بناء قدرات بحثية تنتج معرفة جديدة، وليس الاكتفاء بزيادة عدد الأبحاث المنشورة.
وفى حديثه عن آليات الوصول إلى نوبل، يشير سنجاب إلى أن ترشيحات الجوائز العلمية تخضع لقواعد وإجراءات تحدد الجهات والأشخاص المؤهلين لتقديم الترشيحات، ويرى أن هناك عوامل دولية ومؤسسية قد تؤثر فى فرص حضور العلماء على الساحة العالمية، مؤكدا على أن ذلك لا ينبغى أن يكون سببًا للتراجع عن السعى إلى المنافسة، بل هو دافع إلى بناء منظومة مصرية أكثر قدرة على اكتشاف الباحثين الواعدين، ودعم صغار أعضاء هيئة التدريس، وتوفير فرص حقيقية أمامهم لتطوير مشروعات طويلة الأجل.
ولا يتفق سنجاب مع الرأى القائل إن نقص الإمكانات هو التفسير الأساسى لتعثر البحث العلمى المصري، إذ يرى أن التعاون الدولي، وبرامج التمويل، والجهات الداعمة للبحث العلمى يمكن أن تسهم فى معالجة جانب كبير من العقبات، مستشهدا بتجربته فى إنشاء مركز بحثى بجامعة عين شمس متخصص فى اكتشاف الدواء وتطويره، موضحًا أنه حصل للمركز على تمويل قدره 10 ملايين جنيه عام 2012 من صندوق العلوم والتكنولوجيا، خلال فترة تولى الدكتورة نادية زخارى وزارة البحث العلمي.
كما دعا سنجاب إلى إعادة النظر فى منظومة المراكز البحثية ومراكز التميز فى الجامعات المصرية، والبناء على التجارب السابقة بدلًا من ترك المبادرات المؤسسية دون استكمال.
وطرح سنجاب تصورًا يقوم على مراجعة أداء المراكز البحثية، وتحسين آليات إدارتها، وضمان وصول التمويل إلى الباحثين والفرق القادرة على توظيفه بكفاءة، كما دعا إلى تعزيز استقلالية مراكز التميز وربطها بإطار مؤسسى يضمن استمرارية دعمها وتنسيق جهودها، مقترحًا أن تحظى بإشراف مباشر من مجلس الوزراء لضمان الاهتمام بها على مستوى الدولة.
وأكد أن وجود علماء مصريين ضمن أفضل 2% من العلماء عالميًا، وفق بعض التصنيفات البحثية، يمثل قاعدة يمكن البناء عليها، لكنه لا ينبغى أن يكون نهاية المطاف، فالأهم بحسب رؤيته، هو تحويل هذا التفوق الفردى إلى فرق ومجموعات بحثية قادرة على مواصلة العمل، وتدريب أجيال جديدة، وتطوير اكتشافات ذات أثر ملموس.
منظومة تجعل التميز العلمى قابلًا للاستمرار
ترى الدكتورة جينا الفقي، الرئيس السابق لأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، أن عدم تكرار إنجاز العالم المصرى أحمد زويل لا يعكس نقصًا فى قدرات المصريين أو مواهبهم العلمية، بقدر ما يطرح تساؤلًا حول قدرة منظومة البحث العلمى على اكتشاف هذه المواهب واحتضانها وتحويلها إلى اكتشافات ذات تأثير عالمي.
وأوضحت، استنادًا إلى خبرتها فى مجال البحث الدوائي، وقيادة الأكاديمية، والإشراف على بنك المعرفة المصري، والتعاون العلمى الدولي، أن الوصول إلى هذا المستوى من التميز يتطلب تمويلًا مستقرًا وطويل الأجل، ومعامل مجهزة تعمل بكفاءة، وفرقًا بحثية تتراكم خبراتها عبر السنوات، إلى جانب إدارة تتيح للباحث التفرغ لعمله وتحمى وقته، ومعايير تقييم تعطى الأولوية لأصالة البحث وجودته وأثره العلمي، لا لعدد الأبحاث المنشورة وحده.
واكدت الفقى أن زيادة الإنتاج العلمى وتحسن ترتيب الجامعات والمؤسسات البحثية فى التصنيفات الدولية يمثلان خطوات مهمة، لكنهما لا يكفيان وحدهما لتحقيق اكتشافات استثنائية، فالتحدى الحقيقي، من وجهة نظرها، هو الانتقال من مرحلة نشر المعرفة وتداولها إلى إنتاج معرفة جديدة تُحدث تغييرًا فى الفهم العلمي، وهو ما يتطلب دعم البحوث الأساسية والأفكار الجريئة التى قد تحتاج إلى سنوات طويلة قبل ظهور نتائجها، بالتوازى مع تشجيع البحوث التطبيقية التى تلبى احتياجات المجتمع وتدعم قطاعات الصحة والصناعة والتنمية.
وحول توقيت تكرار تجربة أحمد زويل، شددت على أنه لا يمكن تحديد موعد لظهور عالم مصرى جديد يفوز بجائزة نوبل، أو تقديم وعد بتحقيق هذا الإنجاز خلال فترة زمنية محددة، لكن بالإمكان العمل على تهيئة الظروف التى تجعل الوصول إلى اكتشافات عالمية أكثر قابلية للتحقق، من خلال اكتشاف المواهب العلمية مبكرًا، وتمكين الباحثين الشباب، وبناء مدارس بحثية مستدامة، وتشجيع التعاون بين التخصصات المختلفة، وتوفير مسارات مهنية مستقرة للعلماء.
عصام خميس: تكرار إنجاز أحمد زويل يبدأ ببناء منظومة علمية تخرج أجيالًا من العلماء المتميزين
ويرى الدكتور عصام خميس إبراهيم، رئيس قطاع الدراسات البينية بالمجلس الأعلى للجامعات، ونائب وزير التعليم العالي والبحث العلمي سابقًا، أن مصر تمتلك رصيدًا علميًا وحضاريًا عريقًا، ومنظومة للتعليم العالي والبحث العلمي تضم جامعات ومراكز بحثية متميزة، إلى جانب كفاءات علمية واعدة وخبرات أكاديمية قادرة على الإسهام في التقدم العلمي العالمي.
وأكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص المواهب العلمية، بقدر ما يتمثل في حسن استثمار المنظومة القائمة، وتعزيز التكامل بين مكوناتها، وتوفير البيئة الداعمة للإبداع والابتكار، بما يتيح تحويل ما تمتلكه الجامعات والمراكز البحثية من طاقات بشرية وقدرات مؤسسية إلى اكتشافات علمية أكثر تأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي.
وأشار خميس إلى أن تجربة العالم المصري أحمد زويل تمثل نموذجًا مهمًا لفهم العلاقة بين الموهبة الفردية والبيئة العلمية المحيطة بها، فالتميز العلمي والوصول إلى مستويات عالمية من الإبداع لا يعتمدان على القدرات الشخصية وحدها، بل يتطلبان بيئة تعليمية وبحثية متقدمة، وفرصًا للتواصل مع المجتمع العلمي الدولي، وإمكانات تساعد الباحثين على تطوير أفكارهم وتحويلها إلى اكتشافات ذات قيمة علمية وإنسانية. ومن ثم، فإن التساؤل عن موعد ظهور أحمد زويل جديد في مصر ينبغي أن يتحول إلى سؤال أوسع حول كيفية اكتشاف العقول المتميزة ورعايتها، وتوفير البيئة العلمية والمؤسسية التي تمكّنها من إطلاق طاقاتها، وتحقيق إنجازات قادرة على المنافسة والتأثير في الساحة العالمية.
ووضع خميس الاستثمار في الباحثين والمواهب العلمية على رأس الأولويات اللازمة لتطوير منظومة البحث العلمي، مؤكدًا أهمية تعزيز دور الجامعات في اكتشاف الباحثين الواعدين ورعاية قدراتهم منذ مراحل مبكرة، وتوفير مسارات واضحة لتطوير مهاراتهم وإلحاقهم بفرق بحثية متميزة داخل مصر وخارجها. وشدد على ضرورة الاستفادة من العلماء المصريين بالخارج، وتوظيف شبكاتهم العلمية الدولية، بما يسهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتطوير المشروعات البحثية المشتركة، وبناء شراكات دولية فاعلة، وفتح آفاق جديدة أمام الباحثين الشباب للتفاعل مع الخبرات العالمية والتقنيات المتقدمة.
ويرى خميس أن بناء جيل من العلماء القادرين على تحقيق إنجازات علمية كبرى يتطلب تبني منظومة متكاملة ومستدامة لرعاية المواهب، لا تقتصر على مرحلة دراسية بعينها أو برنامج تدريبي محدد، بل تمتد عبر مختلف مراحل المسار العلمي والمهني للباحث. ويشمل ذلك إتاحة فرص للتدرج في الخبرة، والاستفادة من الإشراف والتوجيه العلمي المتخصص، والمشاركة في مشروعات بحثية طويلة الأجل تتيح تراكم المعرفة والبناء على نتائجها وتطويرها، بما يعزز فرص الوصول إلى اكتشافات علمية مؤثرة ومستدامة.
وبحكم اهتمامه بالدراسات البينية، لفت خميس إلى أن الاكتشافات العلمية الكبرى أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على تضافر التخصصات المختلفة، حيث تتكامل الكيمياء والفيزياء والعلوم الطبية والهندسة والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات لتطوير حلول مبتكرة للمشكلات العلمية والتكنولوجية المعقدة. وأوضح أن ذلك يبرز أهمية مواصلة دعم البرامج البحثية البينية، وتشجيع الجامعات على تشكيل فرق بحثية متعددة التخصصات، تتجاوز حدود التخصصات التقليدية وتجمع بين الخبرات والمعارف المختلفة، بما يزيد قدرتها على إنتاج معرفة جديدة وتطوير ابتكارات ذات قيمة علمية وتطبيقية.
وأكد كذلك أهمية توسيع الشراكات مع الجامعات والمراكز البحثية الدولية، بحيث تتجاوز تبادل الخبرات وإتاحة الوصول إلى الأجهزة والتقنيات المتقدمة، لتشمل تعزيز مشاركة الباحثين المصريين في المشروعات العلمية الكبرى، والمساهمة في تحديد أولوياتها وأسئلتها البحثية، بما يعزز دورهم في إنتاج المعرفة وتطويرها، ويرسخ حضور المؤسسات المصرية داخل الشبكات العلمية العالمية.
وفيما يتعلق بتمويل البحث العلمي، شدد خميس على أن تحقيق الاكتشافات العلمية المؤثرة يتطلب استثمارات مستدامة وطويلة الأجل، لا سيما في مجال البحوث الأساسية التي قد تستغرق سنوات قبل أن تتبلور نتائجها أو تتضح تطبيقاتها. ولذلك، يرى ضرورة تنويع مصادر تمويل البحث العلمي، وتعزيز مساهمة مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إلى جانب تطوير آليات مرنة لدعم الأفكار والمشروعات البحثية الواعدة، وحسن توظيف الإمكانات المتاحة في الجامعات والمراكز البحثية.
وفي هذا السياق، أشار خميس إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه البنك القومي للمعامل والأجهزة العلمية في تعزيز إتاحة الاستفادة من التجهيزات البحثية المتقدمة، وترشيد الإنفاق من خلال الحد من تكرار شراء الأجهزة مرتفعة التكلفة وصيانتها، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة. فبدلًا من أن تعمل كل مؤسسة بمعزل عن الأخرى، يمكن تعزيز المشاركة في استخدام المعامل والتجهيزات، بما يتيح لعدد أكبر من الباحثين تنفيذ تجارب متقدمة، ويرفع كفاءة الإنفاق على البحث العلمي.
وأكد خميس أن تقييم تقدم منظومة البحث العلمي لا ينبغي أن يقتصر على عدد الأبحاث المنشورة أو ترتيب الجامعات في التصنيفات الدولية، بل يجب أن يمتد إلى قياس القيمة العلمية والمعرفية المضافة لهذه الأبحاث، ومدى إسهامها في توسيع آفاق المعرفة الإنسانية، وقدرتها على إنتاج تقنيات جديدة، وتسجيل براءات الاختراع، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتحويل النتائج القابلة للتطبيق إلى منتجات وخدمات وحلول مبتكرة تسهم في تلبية احتياجات المجتمع ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى أن الوزارة قامت مؤخرًا بتطوير منظومة أكثر شمولًا لتقييم الأداء البحثي، لا تقتصر على المؤشرات الكمية للنشر العلمي، بل تراعي أصالة الأفكار، وجودة النتائج، وتنمية القدرات العلمية، ومدى إسهام الأبحاث في إثراء المعرفة أو إيجاد حلول للمشكلات القائمة. وأكد أن النشر العلمي يمثل ركيزة أساسية في المسيرة البحثية، لكنه ليس غاية في حد ذاته، بل ينبغي أن يكون جزءًا من مسار أوسع يستهدف تحقيق اكتشافات جديدة، وتطوير حلول وابتكارات ذات قيمة، وبناء برامج ومسارات بحثية مستدامة تتيح تراكم المعرفة وتطويرها، وتعزز الأثر العلمي والتطبيقي للبحث العلمي على المدى الطويل.
ولا يرى خميس تعارضًا بين توجيه جانب من الجهود البحثية نحو الأولويات الوطنية، مثل الصحة والطاقة والأمن الغذائي والمياه والتغيرات المناخية، وبين مواصلة دعم البحوث الأساسية التي تنطلق من التساؤلات العلمية والفضول المعرفي؛ فلكل منهما دور متكامل في تقدم العلم وخدمة المجتمع. ففي حين تسهم البحوث التطبيقية في معالجة احتياجات المجتمع والتحديات التنموية، تفتح البحوث الأساسية آفاقًا جديدة للمعرفة، وقد تقود إلى اكتشافات غير متوقعة تصبح، بعد سنوات، أساسًا لتطوير تقنيات وتطبيقات مبتكرة تُحدث تغييرًا في حياة البشر.
ومن ثم، دعا خميس إلى تحقيق التوازن في سياسات تمويل البحث العلمي وتوجهاته، بما يضمن استمرار دعم البحوث المرتبطة بالأولويات الوطنية واحتياجات المجتمع، بالتوازي مع الحفاظ على التمويل المستدام للبحوث الأساسية التي قد لا تحقق عوائد مباشرة في الأجل القصير، لكنها تحمل إمكانات كبيرة لإحداث تحولات علمية مستقبلية.
وأكد خميس أن استلهام تجربة العالم المصري أحمد زويل لا يقتصر على انتظار ظهور علماء استثنائيين، بل يتطلب تطوير منظومة علمية قادرة على اكتشاف المواهب الواعدة ورعايتها، وتهيئة الظروف التي تساعدها على تنمية قدراتها وتحقيق التميز العلمي.
وشدد خميس على أهمية تعزيز التكامل بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات والمراكز البحثية والجهات المعنية بالابتكار والقطاع الصناعي، بما يسهم في بناء مسارات أكثر وضوحًا لنقل المعرفة من المؤسسات الأكاديمية إلى المجتمع، وتحويل نتائج الأبحاث إلى ابتكارات وتطبيقات عملية ذات قيمة.
وأوضح أن امتلاك الجامعات والمراكز البحثية قاعدة من الكفاءات العلمية والإمكانات البحثية يمثل نقطة انطلاق مهمة، إلا أن تعظيم الاستفادة منها يتطلب تنسيقًا مؤسسيًا مستمرًا، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وسياسات تضمن تراكم الخبرات والبناء على النتائج السابقة، بما يعزز استدامة الجهود البحثية ويرفع من أثرها العلمي والتنموي.
مايسة أبو مسلم: المشكلة ليست في الذكاء بل في قدرة المؤسسات على رعاية الموهبة
ترى الدكتورة مايسة فاضل أبو مسلم، أستاذ علم النفس التربوي بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، أن غياب فائز مصري جديد بجائزة نوبل في العلوم الطبيعية لا يعني نقصًا في قدرات المصريين، وإنما يطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات التعليمية والبحثية على اكتشاف المواهب ورعايتها وتحويلها إلى إنجازات مؤثرة.
وأكدت أن تجربة أحمد زويل أثبتت قدرة العالم المصري على المنافسة عالميًا عندما تتوافر له البيئة المناسبة، مشيرة إلى أن التفوق الدراسي وحده لا يكفي، إذ يتطلب الوصول إلى اكتشاف استثنائي سنوات من البحث المتراكم، وتمويلًا مستقرًا، ومعامل متطورة، وحرية في التفكير والتجريب، وتعاونًا دوليًا.
وشددت أبو مسلم على ضرورة الانتقال من ثقافة تعتمد على الحفظ واسترجاع المعرفة إلى تعليم يشجع التساؤل والتحليل والابتكار، مع تقييم الأبحاث وفق جودتها وأصالتها وتأثيرها، وليس عدد المنشورات فقط. كما تحذر من تأثير هجرة الكفاءات في استمرارية المشروعات البحثية، وتدعو إلى توفير بيئة جاذبة للعلماء، وتقليل الأعباء الإدارية والتدريسية، وتمكين الباحثين الشباب من قيادة مشروعاتهم. وتخلص إلى أن تكرار إنجاز زويل يبدأ من المدرسة والجامعة، ويمتد إلى منظومة بحثية توفر التمويل طويل الأجل، وتتقبل التجربة والخطأ العلمي، وتحول التميز الفردي إلى نهضة علمية مستدامة.
دينا أحمد علي: الابتكار الزراعي قد يفتح الطريق إلى اكتشافات عالمية
ترى الدكتورة دينا أحمد علي، الباحثة بشعبة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بمركز بحوث الصحراء والمنسقة العامة للمبادرة الوطنية لدولة الابتكار الزراعي، أن الابتكار الزراعي يمثل أحد المجالات الواعدة التي يمكن أن تنطلق منها مصر نحو إنجازات علمية كبرى، في ظل تحديات ندرة المياه وتغير المناخ وتدهور الأراضي والحاجة إلى تعزيز الأمن الغذائي.
وأوضحت أنه رغم عدم وجود جائزة نوبل مستقلة للزراعة، فإن الابتكارات الزراعية قد تقود إلى اكتشافات تستحق التقدير في مجالات أخرى، مستشهدة بالعالم أرتوري إلماري فيرتانن، الحاصل على نوبل الكيمياء عام 1945 عن أبحاثه واختراعاته في الكيمياء الزراعية والتغذية، ونورمان بورلوج، الحاصل على نوبل السلام عام 1970 تقديرًا لإسهاماته في مكافحة الجوع وتحسين إنتاج الغذاء.
وأكدت أن التحدي لا يقتصر على اكتشاف المبتكرين، بل يشمل توفير منظومة تتبنى أفكارهم وتمولها وتحمي حقوقهم الفكرية، وتساعدهم على الانتقال من البحث إلى التطبيق والإنتاج والاستثمار.
وأشارت إلى أهمية المبادرة الوطنية لدولة الابتكار الزراعي ومسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة في إبراز أصحاب الأفكار وربطهم بالمؤسسات البحثية والشركات والمستثمرين، مع الاستفادة من الإعلام في نشر ثقافة الابتكار وإبراز العلماء نماذج ملهمة للشباب.
