رئيس التحرير
عصام كامل

تحويل البريد المصري إلى بنك.. حكاية مشروع مؤجل.. تساؤلات حول تعثر الفكرة منذ 2006.. وشبكة من 4500 مكتب تفتح الباب أمام تعظيم العائد الاقتصادي

البريد المصري
البريد المصري
18 حجم الخط

هل لا يزال تحويل البريد المصرى إلى بنك تقليدى فكرة قابلة للتنفيذ، أم أن التطورات التى شهدها القطاع المصرفى خلال السنوات الماضية جعلت البحث عن نموذج مختلف ضرورة اقتصادية؟ سؤال يفرض نفسه بعد مرور نحو 20 عامًا على طرح الفكرة بحسب الدكتورة غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعى السابقة والتى أكدت أنه قابل للتنفيذ لكن قبول ودائع وإقراض المواطنين يتطلب خضوعه للبنك المركزى، وفى ظل امتلاك البريد شبكة واسعة من المكاتب المنتشرة فى مختلف أنحاء الجمهورية، بالتزامن مع توسع الخدمات المالية الرقمية وارتفاع أهمية الشمول المالي.

القضية لم تعد مجرد تحويل مكاتب البريد إلى فروع مصرفية، أو إطلاق منتجات جديدة للادخار والتحويلات، بل أصبحت مرتبطة باختيار النموذج الذى يستطيع استغلال إمكانات البريد بأفضل صورة، دون تحميله تكاليف استثمارية أو تشغيلية لا تتناسب مع العائد المتوقع؛ فهل يحتاج البريد إلى بنك متكامل يخضع للمتطلبات المصرفية التقليدية؟ أم أن البنك الرقمى المدعوم بانتشار الفروع يمكن أن يحقق الهدف بتكلفة أقل؟ أم أن الشراكة مع البنوك القائمة تظل خيارًا أكثر واقعية؟

هذه الأسئلة تضع الملف أمام اختبار اقتصادى يتجاوز الحماس للفكرة أو التحفظ عليها؛ فالنائب محمد فؤاد يرى أن مرور السنوات يستدعى إعادة تقييم جدوى تنفيذها بصورتها التقليدية، بينما يطرح الخبير الاقتصادى خالد الشافعى تصورًا يقوم على نموذج رقمى يستفيد من شبكة البريد القائمة، فى حين يحذر الخبير الاقتصادى هانى أبو الفتوح من حسم الاختيار استنادًا إلى أرقام عامة عن عدد المكاتب والإيداعات، دون توافر بيانات تفصيلية عن التكلفة والعائد والمخاطر.

وبين هذه الرؤى، تبدو دراسة الجدوى هى الحلقة الأهم فى تحديد مستقبل المشروع، خصوصًا أن نجاح أى نموذج مصرفى لا يتوقف على قدرته على الوصول إلى العملاء فحسب، وإنما يرتبط أيضًا بقدرته على تحقيق الاستدامة المالية والالتزام بالمتطلبات التنظيمية ومواجهة المنافسة المتزايدة فى سوق الخدمات المالية. «فيتو» تطرح الموضوع للنقاش والحوار..

محمد فؤاد: ما كان يصلح قبل 20 عاما قد لا يصلح الآن ولا بد من دراسة الطرح من جميع جوانبه

يرى النائب محمد فؤاد أن مرور نحو 20 عامًا على طرح فكرة تحويل البريد المصرى إلى بنك يفرض إعادة تقييمها وفقًا للمتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية التى شهدها القطاع المصرفى؛ فالفكرة التى طُرحت فى وقت سابق لا يمكن التعامل معها باعتبارها هدفًا ثابتًا يجب تنفيذه بالصورة نفسها مهما تغيرت الظروف، وإنما ينبغى إخضاعها لمراجعة تحدد مدى ملاءمة النموذج التقليدى فى ظل انتشار الخدمات المصرفية الرقمية وتغير احتياجات العملاء.

ويضع هذا الطرح جوهر القضية أمام سؤال مباشر، هل تأخر تنفيذ الفكرة جعلها أقل جدوى، أم أن التأخير أتاح فرصة لإعادة تنفيذها بصورة أكثر توافقًا مع تطورات السوق؟ فمرور السنوات لا يعنى بالضرورة أن المشروع فقد قيمته، لكنه يفرض مراجعة الافتراضات التى قام عليها، وتحديد ما إذا كانت الأولويات الحالية تتطلب إنشاء بنك كامل، أو تطوير الخدمات المالية القائمة، أو الاعتماد على نموذج يجمع بين الحضور الميدانى والتكنولوجيا.

ويمتلك البريد المصرى-بحسب فؤاد- ميزة يصعب تجاهلها، تتمثل فى شبكة مكاتبه التى يتجاوز عددها 4500 مكتب، بما يمنحه انتشارًا جغرافيًا واسعًا وقدرة على الوصول إلى شرائح من المواطنين فى القرى والمناطق الأقل استفادة من الخدمات المصرفية، لكن فؤاد يرى أن هذه الميزة لا تكفى وحدها لتبرير إنشاء بنك، لأن تحويل الانتشار الجغرافى إلى نشاط مصرفى مستدام يحتاج إلى استثمارات فى التكنولوجيا والأنظمة المالية وإدارة المخاطر، إلى جانب الالتزام بالضوابط التنظيمية والرقابية.

ومن هنا، والكلام لفؤاد: فإن السؤال ليس فقط ما إذا كان البريد يمتلك المقومات اللازمة لإنشاء بنك، بل ما إذا كان إنشاء بنك مستقل هو الاستخدام الأفضل لهذه المقومات، فقد تكون بعض الخدمات أكثر ملاءمة للتقديم عبر شراكات مع البنوك القائمة، بينما تحتاج خدمات أخرى إلى تطوير رقمي، وقد يتطلب بعضها نموذجًا مصرفيًا متكاملًا، وتظل المقارنة بين هذه البدائل ضرورية لتجنب اتخاذ قرار استثمارى كبير لمجرد أن الفكرة طُرحت منذ سنوات طويلة.

ويفتح فؤاد كذلك ملف استمرارية الرؤى التنفيذية فى قطاع البريد، فى ظل تعاقب قيادات ارتبطت بالقطاع وانتقل بعض أصحابها إلى مواقع وزارية، من بينهم على المصيلحي، وعلاء فهمي، وهانى محمود، وخالد نجم، وشريف فاروق، ويطرح ذلك تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات على الحفاظ على المشروعات طويلة الأجل، وتقييم ما تحقق منها، وتحديد أسباب تعثر الخطط أو تغير أولوياتها من مرحلة إلى أخرى.

مضيفا: تفسير عدم تنفيذ الفكرة يحتاج إلى معلومات موثقة عن القرارات والدراسات السابقة، ولا يكفى ربطه بتغير القيادات وحده؛ فالمشروعات المصرفية تتأثر بعوامل متعددة، من بينها المتطلبات القانونية والرقابية، والاحتياجات الرأسمالية، والجدوى التجارية، وأولويات الدولة الاقتصادية؛ ولذلك فإن أى مراجعة جادة للملف يجب أن تبدأ بتحديد ما إذا كانت هناك دراسات سابقة، وما النتائج التى انتهت إليها، وما العقبات التى حالت دون التنفيذ، قبل استخلاص أسباب نهائية للتأخير.

خالد الشافعي: البنك الرقمى قد يكون البديل الأقل تكلفة والأكثر فائدة فى هذه الحالة

يطرح الخبير الاقتصادى خالد الشافعى نموذجًا يقوم على إنشاء بنك رقمى يستفيد من شبكة مكاتب البريد القائمة، بدلًا من تأسيس بنك تقليدى يتحمل تكاليف إنشاء بنية تشغيلية ومصرفية متكاملة، ويقوم التصور على الجمع بين الخدمات الرقمية التى يمكن تقديمها عبر التطبيقات والقنوات الإلكترونية، وبين الفروع التى تتيح للعملاء الحصول على الدعم المباشر وإجراء المعاملات التى تتطلب حضورًا فعليًا.

ويستند الشافعى إلى أن البريد لا يبدأ من نقطة الصفر، إذ يمتلك شبكة واسعة من المنافذ التى يمكن تطوير دورها فى تقديم الخدمات المالية، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى إنشاء شبكة مصرفية جديدة بالكامل، ويتيح هذا النموذج توجيه جانب أكبر من الاستثمارات إلى تطوير الأنظمة التكنولوجية، وربط الخدمات، وتأمين المعاملات، وتحسين تجربة العملاء، بدلًا من إنفاق مبالغ كبيرة على تأسيس فروع جديدة وتجهيزها.

ووفقًا لتقديرات الشافعي، قد يحقق النموذج الرقمى خفضًا فى تكلفة الإطلاق يتراوح بين 40% و50% مقارنة بالنموذج التقليدي، مع استثمارات مبدئية محتملة تتراوح بين مليارى وثلاثة مليارات جنيه لتطوير التكنولوجيا والأنظمة المصرفية الأساسية، مقابل تقدير يتراوح بين 5 و7 مليارات جنيه للنموذج التقليدي، كما يقدّر إمكانية خفض النفقات التشغيلية بنحو 30% إلى 35%، مع احتمال استرداد الاستثمار خلال ثلاث سنوات.

غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات أولية منسوبة إلى الشافعي، ولا يمكن اعتبارها تكلفة نهائية أو عائدًا مضمونًا قبل إخضاعها لدراسة مالية وفنية مستقلة؛ فالتكلفة الحقيقية لأى بنك لا تقتصر على شراء الأنظمة التكنولوجية، بل تشمل رأس المال المطلوب، والامتثال للضوابط الرقابية، وتطوير أنظمة مكافحة الاحتيال وغسل الأموال، وتأمين البيانات، وتوظيف الكوادر المتخصصة، والتسويق وجذب العملاء، فضلًا عن المصروفات المستمرة لتحديث الأنظمة ومواجهة المخاطر السيبرانية.

وهنا تظهر نقطة الخلاف الأساسية بين طرح النموذج الرقمى وضرورة التحقق من جدواه، انخفاض تكلفة التأسيس لا يعنى تلقائيًا ارتفاع الربحية؛ فالعائد يتوقف على عدد العملاء الذين سيستخدمون الخدمات فعليًا، ومتوسط المعاملات، والرسوم والإيرادات الممكنة، وتكلفة تقديم الخدمة لكل عميل، والقدرة على الاحتفاظ بالعملاء فى سوق تنافسية.

ويؤكد الشافعى أن الاستفادة من شبكة البريد يمكن أن تمتد إلى خدمات الادخار والمدفوعات والتحويلات، إلى جانب تقديم خدمات مالية للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بالتعاون مع الجهات المعنية بتمويل هذه المشروعات، ويمكن كذلك تطوير خدمات تستهدف العاملين فى الأنشطة الريفية وصغار المنتجين، بما يتيح ربط الخدمات المالية باحتياجات اقتصادية حقيقية بدلًا من الاقتصار على الحسابات والتحويلات التقليدية.

ويتيح النموذج الرقمى أيضًا فرصة لتطوير الخدمات تدريجيًا، من خلال البدء بمجموعة محددة من المنتجات، وقياس حجم الطلب وتكلفة التشغيل، ثم التوسع بناءً على النتائج، لكن هذا المسار يحتاج إلى تحديد دقيق لطبيعة الترخيص المطلوب، وحدود الخدمات التى يمكن تقديمها، ومسؤوليات إدارة المخاطر، ومدى توافق النموذج المقترح مع القواعد المنظمة للعمل المصرفي.

وبذلك، فإن ميزة النموذج الرقمى لا تتمثل فقط فى احتمال خفض التكاليف، وإنما فى إمكانية تصميم المشروع بصورة أكثر مرونة، بشرط أن تكون المرونة مصحوبة بإدارة قوية للمخاطر ودراسة واقعية لحجم السوق والعائد المحتمل.

هانى أبو الفتوح: ارتفاع الإيداعات لا يحسم جدوى إنشاء البنك

يطالب الخبير الاقتصادى هانى أبو الفتوح بالتعامل بحذر مع الأرقام التى يجرى الاستناد إليها فى تقييم قدرة البريد المصرى على التحول إلى بنك، مؤكدًا أن انتشار المكاتب وارتفاع المبالغ المودعة مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفى بمفردها لإثبات الجدوى الاقتصادية للمشروع.

ويشير أبو الفتوح، استنادًا إلى البيانات التى عرضها، إلى أن عدد مكاتب البريد الحكومية بلغ 4651 مكتبًا خلال العام المالى 2025/ 2026، مقابل 4719 مكتبًا فى العام السابق، كما أشار إلى ارتفاع المبالغ المودعة فى صندوق التوفير البريدى إلى نحو 260.2 مليار جنيه، مقابل 166.2 مليار جنيه، بزيادة قدرها 56.5%.

لكن قراءة هذه الأرقام -بحسب أبو الفتوح- تحتاج إلى تحديد طبيعة البيانات والفترة الزمنية التى تغطيها؛ فهناك فرق بين إجمالى المبالغ التى دخلت إلى الحسابات خلال فترة معينة وبين رصيد المدخرات القائم فى نهاية الفترة، كما أن إجمالى الإيداعات لا يعنى بالضرورة أن المبالغ نفسها متاحة للاستخدام فى الإقراض أو الاستثمار، إذ يجب خصم الالتزامات المقابلة، ومراعاة احتياجات السيولة، وطبيعة الحسابات، والقواعد القانونية التى تنظم استخدام الأموال.

وتكمن أهمية هذه النقطة فى أن إنشاء بنك يتطلب معرفة المركز المالى الفعلى للمؤسسة، وليس مجرد حجم التعاملات التى تمر عبرها، فالمبالغ المودعة تمثل التزامات تجاه أصحابها وفق طبيعة الحسابات والقواعد المنظمة لها، ولا يجوز افتراض إمكانية توظيفها بالكامل فى أنشطة ائتمانية، كما أن إدارة السيولة والقدرة على الوفاء بالسحوبات تظلان من العناصر الأساسية فى أى نموذج مصرفي.

ومن هذا المنطلق، يرى أبو الفتوح أن حسم القرار يتطلب بيانات تفصيلية عن الأصول والالتزامات، ورصيد المدخرات، وتكلفة إدارة الحسابات، ومصروفات التشغيل، والإيرادات الحالية، والاحتياجات الرأسمالية اللازمة لممارسة الأنشطة المصرفية، كما يتطلب تحديد المنتجات التى سيقدمها البنك، وحجم الطلب المتوقع عليها، والمخاطر التى قد يتعرض لها، ومدى قدرته على المنافسة مع المؤسسات القائمة.

ويطرح أبو الفتوح ثلاثة مسارات تستحق المقارنة قبل اتخاذ القرار، إنشاء بنك تقليدي، أو تأسيس بنك رقمى يستفيد من شبكة البريد، أو توسيع الشراكات مع البنوك القائمة لتقديم خدمات مالية محددة، ولا يمكن ترجيح أحد هذه المسارات استنادًا إلى الانطباعات العامة، بل يجب مقارنة كل نموذج من حيث التكلفة والعائد والاحتياجات التنظيمية والقدرة على الوصول إلى العملاء.

كما أن المقارنة يجب أن تضع فى الاعتبار أن إنشاء بنك مستقل يعنى تحمل مسؤوليات أوسع فى إدارة المخاطر والرقابة والحوكمة، بينما قد تسمح الشراكات بتقديم بعض الخدمات دون تحمل جميع تكاليف إنشاء مؤسسة مصرفية جديدة، وفى المقابل، قد يمنح البنك المستقل قدرة أكبر على تصميم المنتجات وإدارة العلاقة مع العملاء، إذا توافرت له المقومات اللازمة، وهذه المفاضلة لا يمكن حسمها قبل تحديد الأهداف التى يسعى البريد إلى تحقيقها.

الشمول المالي.. هدف تنموى يحتاج إلى نموذج اقتصادى مستدام

يمثل الشمول المالى بحسب أبو الفتوح أحد أبرز المبررات المطروحة لتطوير الخدمات المالية البريدية، نظرًا إلى انتشار مكاتب البريد وقدرتها على الوصول إلى المواطنين فى المناطق التى تقل فيها الفروع المصرفية، لكن توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية لا يعنى بالضرورة أن إنشاء بنك مستقل هو الطريق الوحيد لتحقيق هذا الهدف، إذ يمكن أن تسهم الشراكات المصرفية والخدمات الرقمية وتطوير المنتجات القائمة فى تحقيق جانب من النتائج نفسها.

وأشار أبو الفتوح إلى بيانات تتعلق بمستويات الشمول المالى فى مصر، وإلى تجارب تستهدف توسيع استخدام الخدمات المالية بين الفئات الأقل استفادة منها، غير أن هذه المؤشرات تحتاج إلى مراجعة مصادرها وتواريخها وتعريفاتها قبل استخدامها فى المقارنة، خصوصًا أن قياس الشمول المالى قد يعتمد على امتلاك حساب، أو نشاط الحساب، أو استخدام خدمات مالية معينة، وهى مؤشرات لا تعنى الشيء نفسه.

ومن بين التجارب التى أشار إليها أبو الفتوح برنامج يستهدف دعم صغار المزارعين بالتعاون بين البنك المركزى المصرى وبرنامج الأغذية العالمي، ووفق البيانات التى أوردها، استفاد نحو 85 ألف مزارع من المرحلة الأولى، مع تسجيل زيادات معلنة فى الإنتاجية والعوائد، وانخفاض فى تكاليف التشغيل، كما أشار إلى مرحلة أخرى تمتد من يناير 2025 إلى ديسمبر 2026 بتمويل يقارب 120 مليون جنيه فى 11 قرية.

وتوضح هذه التجارب أهمية ربط الخدمات المالية بالاحتياجات الفعلية للأفراد والأنشطة الإنتاجية، خصوصًا فى المناطق الريفية، فقد تكون خدمات الدفع والتحويل والادخار والتمويل الصغير أكثر فاعلية عندما ترتبط بدورات الإنتاج الزراعى أو احتياجات المشروعات الصغيرة، بدلًا من تقديم منتجات عامة لا تراعى طبيعة دخل العملاء والتزاماتهم.

لكن النتائج التنموية التى تحققها برامج محددة بحسب أبو الفتوح لا يمكن نقلها تلقائيًا إلى توقعات أرباح بنك جديد، فزيادة الإنتاجية أو خفض تكاليف التشغيل لدى المستفيدين من مشروع تنموى لا تعنى أن المؤسسة التى تقدم الخدمات ستحقق العائد نفسه، لأن طبيعة الإيرادات والمصروفات والمخاطر تختلف من نموذج إلى آخر، ولذلك ينبغى الفصل بين أثر المشروع على الشمول المالى والتنمية الاقتصادية، وبين الجدوى التجارية لإنشاء بنك مستقل.

ويمكن للبريد، سواء من خلال بنك رقمى أو شراكات مصرفية، أن يؤدى دورًا فى الوصول إلى هذه الفئات، لكن تحديد النموذج الأنسب يتطلب دراسة حجم الطلب الحقيقى على الخدمات، وقدرة العملاء على استخدامها، وتكلفة تقديمها فى المناطق المختلفة، ومدى استدامة الإيرادات، كما يجب ألا تتحول الرغبة فى توسيع الشمول المالى إلى مبرر لتجاهل متطلبات السلامة المالية أو بناء نموذج لا يستطيع تغطية نفقاته على المدى الطويل.

التجارب الدولية.. دروس قابلة للاستفادة وليست وصفات جاهزة

وتقدم التجارب الدولية نماذج متنوعة لاستغلال شبكات البريد فى الخدمات المالية، ومن أبرزها تجربة بنك البريد الياباني، الذى يرتبط بشبكة بريدية واسعة ويقدم خدمات مالية، إلى جانب تجربة بوست بنك الألمانى الذى اندمج لاحقًا ضمن دويتشه بنك، كما ظهرت فى الهند تجربة بنك مدفوعات البريد، التى تستهدف توسيع الوصول إلى الخدمات المالية عبر شبكة البريد.

لكن اختلاف هذه التجارب يؤكد أن وجود شبكة بريدية واسعة لا يقود بالضرورة إلى نموذج مصرفى واحد، فبعض التجارب اتجهت إلى بناء نشاط مصرفى كبير، وبعضها ركز على خدمات المدفوعات والحسابات الأساسية، بينما ارتبطت تجارب أخرى بعمليات اندماج وتغيرات فى هيكل الملكية؛ ولذلك فإن الاستفادة منها تتطلب فهم الظروف التنظيمية والتاريخية والمالية التى نشأت فيها، وليس الاكتفاء بمقارنة عدد الفروع أو حجم السكان.

وبالنسبة إلى البريد المصري، فإن السؤال الأهم هو مدى ملاءمة هذه النماذج لطبيعة السوق المحلية، والضوابط المنظمة للقطاع المصرفي، ومستوى استخدام الخدمات الرقمية، وتكلفة تطوير البنية التكنولوجية، كما يجب تقييم ما إذا كانت الاستفادة من الشبكة القائمة ستؤدى إلى خفض حقيقى فى التكاليف، أم ستحتاج إلى استثمارات كبيرة لتحديث الفروع وربطها بالأنظمة المصرفية بحسب الخبير الاقتصادى.

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية