لواء دكتور أحمد الجيزاوي يكتب: إسرائيل على المحك بين هاجس الردع وعزلة الشركاء.. كيف تعيد انتخابات 2026 صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر؟
تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر 2026، في ظل تحولات سياسية وأمنية واستراتيجية تتجاوز حدود التنافس التقليدي على السلطة، لتفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الدولة وعقيدتها الأمنية ومكانتها الدولية، بعد ثلاث سنوات من أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب واسعة وتداعيات إقليمية ودولية متشابكة.
وكشفت تلك الأحداث عن إخفاقات عميقة في منظومة الردع والإنذار المبكر والاستخبارات، وفرضت إعادة النظر في الافتراضات التي حكمت إدارة الصراع الفلسطيني لسنوات، كما أظهرت تداعيات الحرب أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف سياسية مستدامة، أو الحفاظ على المكانة الدولية والتحالفات الاستراتيجية.
وعلى الصعيد الداخلي، تتزامن هذه التحولات مع أزمة ثقة في كفاءة القيادة السياسية والأمنية، وتصاعد التنافس الحزبي، واستمرار الجدل حول المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر، إلى جانب تنامي تأثير اليمين القومي الديني في السياسات الأمنية، وبروز قضية الأسرى والمعتقلين ضمن الحسابات السياسية والانتخابية، وما تثيره من تساؤلات حول العلاقة بين الردع والعقاب والتفاوض.
أما على الصعيد الخارجي، فتواجه إسرائيل تحديًا متزايدًا يتمثل في تراجع صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وتصاعد الانتقادات لسياساتها تجاه الفلسطينيين، بما قد ينعكس على علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع شركائها الدوليين.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا تقتصر أهمية الانتخابات المقبلة على تحديد هوية رئيس الوزراء القادم، بل تمتد إلى اختبار قدرة القيادة الإسرائيلية الجديدة على التعامل مع ثلاث قضايا استراتيجية مترابطة تتمثل في: استعادة الثقة في المنظومة الأمنية، ومعالجة الانقسامات السياسية الداخلية، واستعادة المكانة الدولية لإسرائيل.
ومن هنا يبرز السؤال المحوري: هل تمثل انتخابات أكتوبر 2026 بداية لمراجعة حقيقية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، أم تقتصر نتائجها على إعادة توزيع السلطة السياسية مع استمرار المرتكزات الأساسية للسياسات القائمة؟
7 أكتوبر.. من إخفاق المنظومة الأمنية إلى مراجعة العقيدة الاستراتيجية
استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي: الردع، والإنذار المبكر، والحسم العسكري، قبل أن تتطور بإضافة الدفاع متعدد الطبقات، اعتمادًا على التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، والقدرة على نقل المواجهة بعيدًا عن العمق الإسرائيلي. وقد شكلت هذه المرتكزات الإطار الحاكم للتفكير الأمني الإسرائيلي لعقود، انطلاقًا من افتراض أن التفوق في القوة والمعلومات يوفر القدرة على احتواء التهديدات ومنع تحولها إلى أخطار استراتيجية واسعة.
غير أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 كشفت عن اختلالات تجاوزت حدود الإخفاق العملياتي والاستخباراتي، لتشمل تقدير نوايا الخصم وقدراته، وفاعلية منظومة الإنذار المبكر، والتنسيق بين المؤسسات السياسية والأمنية، فضلًا عن محدودية الافتراض القائم على إمكانية احتواء التهديد القادم من قطاع غزة وإدارته دون معالجة الأسباب السياسية والأمنية الأعمق للصراع. وبذلك، لم تعد الإشكالية مقتصرة على كيفية وقوع الإخفاق، وإنما امتدت إلى مدى صلاحية الافتراضات التي قامت عليها العقيدة الأمنية ذاتها.
وفي ضوء هذه التحولات، برز داخل المؤسسات البحثية والاستراتيجية الإسرائيلية اتجاه يدعو إلى مراجعة مفهوم الأمن القومي. فقد قدم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في دراسته الصادرة في مارس 2025 بشأن العقيدة والسياسات الأمنية لعامي 2025–2026، تصورًا يقوم على تعزيز الوقاية الاستباقية، ورفع القدرة على مواجهة التهديدات المتزامنة، وتحقيق تكامل أكبر بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لحدود الاعتماد على التفوق العسكري وحده.
وتطور هذا النقاش في دراسة نشرها تامير هايمان، الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في 12 أكتوبر 2026، بعنوان: «مفهوم الأمن القومي الجديد: بلورة المفهوم وأسئلة للنقاش»، حيث طرح أن إسرائيل بدأت تتحرك عمليًا وفق توجهات أمنية جديدة لم تتبلور بعد في عقيدة رسمية معلنة، تتداخل فيها اعتبارات الهوية القومية مع توسيع نطاق الوقاية الاستباقية، وإعادة النظر في العلاقة بين الأمن والسلام، والسعي إلى تعزيز الاستقلال في القدرات الدفاعية. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يتجاوز تطوير أدوات المواجهة إلى إعادة النظر في الفلسفة السياسية والاستراتيجية التي تحكم استخدام القوة، وعلاقة الأمن بالهوية الوطنية والديمقراطية.
غير أن التحول نحو مفهوم أمني أكثر اعتمادًا على المبادأة العسكرية لا يحسم بالضرورة إشكالية الأمن المستدام؛ وهو ما تعكسه دراسة أخرى أصدرها المعهد في 7 أكتوبر 2026 بعنوان: «ميزان الأمن القومي الإسرائيلي»، إذ سلطت الضوء على مفارقة استراتيجية تتمثل في تحقيق تفوق عملياتي عسكري، يقابله تآكل في بعض عناصر القوة الاستراتيجية، وتراجع المكانة الدولية، واستمرار الانقسامات الداخلية، وغياب أفق سياسي واضح في الساحة الفلسطينية.
وتكشف هذه المفارقة أن تطوير القدرات العسكرية والاستخباراتية، رغم ضرورته من منظور الأمن الإسرائيلي، لا يكفي وحده لمعالجة الاختلالات التي كشفتها أحداث 7 أكتوبر؛ إذ تظل فاعلية العقيدة الأمنية مرتبطة بقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية واستراتيجية قابلة للاستمرار، دون استنزاف عناصر القوة الداخلية والخارجية للدولة.
ومن هنا تبرز الإشكالية المحورية: هل تتجه إسرائيل إلى مراجعة شاملة لافتراضات عقيدتها الأمنية، أم إلى تعزيز أدوات الردع والعمليات الاستباقية ضمن الإطار الاستراتيجي القائم؟
وتزداد أهمية هذا التساؤل مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، التي ستحدد القيادة السياسية المسؤولَة عن إدارة هذه المراجعة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الردع، وإصلاح المؤسسات الأمنية، والحفاظ على التماسك الداخلي والمكانة الدولية.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر لن يتمثل فقط في قدرتها على منع تكرار الإخفاق، وإنما في مدى نجاحها في الانتقال من تحقيق التفوق العسكري إلى بناء أمن مستدام، دون الانخراط في دورات متكررة من التصعيد والاستنزاف.
الانتخابات الإسرائيلية.. أزمة الثقة وصراع القيادة
تكتسب انتخابات أكتوبر 2026 أهمية استثنائية؛ إذ تأتي في أعقاب مرحلة تعرضت خلالها العلاقة بين المجتمع الإسرائيلي ومؤسسات الحكم والأمن لاختبارات غير مسبوقة، نتيجة الإخفاقات التي كشفتها أحداث السابع من أكتوبر، وما أعقبها من حرب وتداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية. ولم تعد المنافسة الانتخابية تقتصر على البرامج الحزبية أو الخلافات التقليدية بشأن إدارة الدولة، وإنما امتدت إلى مساءلة القيادة عن كفاءة المنظومة الأمنية، ومدى قدرتها على استعادة الثقة وتحقيق الاستقرار.
وتعكس استطلاعات الرأي حجم هذا التحول؛ فوفق استطلاع أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي بين 31 أغسطس و3 سبتمبر 2026، اعتبر 68% من المستجيبين اليهود أحداث السابع من أكتوبر عاملًا رئيسيًا في تحديد اختيارهم الانتخابي، مقابل 32% من المواطنين العرب المشاركين في الاستطلاع. كما وضع 39% من المستجيبين اليهود مواقف الأحزاب من السياسة الخارجية والأمن ضمن أهم عاملين في التصويت، مقابل 38% للقضايا الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، في حين لم تتجاوز نسبة المتفائلين بمستقبل الأمن القومي 34% من إجمالي العينة.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الأمن لا يزال يحتل موقعًا متقدمًا في أولويات الناخبين، لكنه لم يعد يُقاس فقط بحجم القدرات العسكرية، وإنما أصبح يرتبط كذلك بكفاءة القيادة، والمساءلة عن الإخفاقات، والقدرة على إدارة الأزمات وتحقيق نتائج سياسية وأمنية ملموسة. كما يكشف التقارب بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية عن اتساع مفهوم الأمن لدى قطاعات من المجتمع الإسرائيلي، ليشمل تداعيات الحرب على الاستقرار الداخلي والأوضاع المعيشية.
وتعزز نتائج مؤشر المجتمع الإسرائيلي، الصادر عن معهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI) في 14 أكتوبر 2026، هذه القراءة؛ إذ اعتبر 79% من المستجيبين أن الانتخابات المقبلة تُعد من أهم الانتخابات في تاريخ إسرائيل أو تكتسب أهمية استثنائية، كما ارتفعت نسبة من اعتبروا القدرة على الحفاظ على الأمن العامل الحاسم في اختيارهم الانتخابي من 28% في يوليو إلى 34% في أكتوبر 2026، في حين أيد 58% تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر. وتعكس هذه المؤشرات تداخل ثلاثة اعتبارات رئيسية في المشهد الانتخابي الإسرائيلي تتمحور في: الأهمية الاستثنائية للانتخابات، وتصاعد أولوية الأمن، واستمرار المطالبة بمساءلة المؤسسات والقيادات عن الإخفاقات السابقة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تتخذ المنافسة بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب «يشار»، أبعادًا تتجاوز الصراع على رئاسة الحكومة؛ إذ تعكس اختلافات في تقييم أداء القيادة، وإدارة المؤسسات، والمسؤولية عن الإخفاقات، وطبيعة العلاقة مع الحلفاء الدوليين، والخيارات المطروحة لإدارة المرحلة التالية للحرب.
غير أن هذه المنافسة لا تمثل بالضرورة انقسامًا بين اتجاه يؤيد استخدام القوة العسكرية وآخر يرفضها؛ فآيزنكوت ينتمي إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ويشترك مع نتنياهو في إعطاء الأمن القومي أولوية مرتفعة، وإن اختلفت الرؤى بينهما بشأن بعض أدوات إدارته وحدود ارتباطه بالمسارات السياسية والدبلوماسية. ومن ثم، فإن جوهر التنافس يتعلق بدرجة كبيرة بمن يمتلك القدرة على إدارة منظومة الأمن القومي واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وليس بمجرد المفاضلة بين القوة العسكرية والحلول السياسية.
وتضيف استطلاعات أكتوبر بُعدًا آخر لهذه المعادلة؛ إذ تعكس تباينًا في تقديرات القوة البرلمانية للأحزاب والكتل المتنافسة. فقد أظهر استطلاع نشرته هيئة البث الإسرائيلية في 11 أكتوبر حصول حزب آيزنكوت على 22 مقعدًا مقابل 20 لليكود، وتقدير كتلة نتنياهو بنحو 53 مقعدًا، أي أقل من الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعدًا من أصل 120.
ولا تقدم هذه التقديرات مؤشرًا حاسمًا على نتائج الانتخابات، لكنها تبرز أهمية التوازنات الائتلافية، وقدرة الأحزاب الصغيرة والمتوسطة على التأثير في تشكيل الحكومة وبرنامجها السياسي والأمني. فإذا أسفرت الانتخابات عن تغيير في القيادة السياسية، فقد تفرض طبيعة التحالفات البرلمانية قيودًا على مدى إمكانية مراجعة العقيدة الأمنية، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والاستيطان والعلاقات الإقليمية.
ومن هنا، فإن الدلالة الاستراتيجية للانتخابات المقبلة لا تكمن فقط في تحديد الحزب أو الشخصية التي ستقود الحكومة، وإنما في طبيعة التوازن السياسي الذي ستفرزه، ومدى قدرته على تحويل مطالب استعادة الأمن والمساءلة والإصلاح المؤسسي إلى سياسات فعلية.
وبذلك، تصبح الانتخابات اختبارًا مزدوجًا لمدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على استعادة الثقة داخليًا، وإدارة الخلافات بشأن مستقبل العقيدة الأمنية بعد 7 أكتوبر. وفي هذا السياق، تبرز أهمية القوى اليمينية القومية والدينية، التي قد يمنحها وزنها في الائتلاف الحكومي المقبل تأثيرًا ملموسًا في صياغة التوجهات الأمنية والتشريعية، ولا سيما ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية والاستيطان والأسرى والمعتقلين.
اليمين القومي الديني وقضية الأسرى في الحسابات الانتخابية
يمثل نفوذ اليمين القومي الديني أحد العوامل المؤثرة في تحديد توجهات السياسة الإسرائيلية، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والاستيطان والأمن الداخلي والتشريعات العقابية. وتبرز في هذا السياق مواقف إيتمار بن غفير وبصليل سموتريتش، الداعية إلى تشديد الإجراءات الأمنية تجاه الفلسطينيين، وتوسيع الاستيطان، ورفض التنازلات السياسية التي يعتبرانها تهديدًا للأمن الإسرائيلي، رغم اختلاف أولوياتهما الحزبية والسياسية.
وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في ظل طبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي، الذي يمنح الأحزاب الصغيرة والمتوسطة قدرة على التأثير في تشكيل الائتلافات الحكومية وتحديد أولوياتها، بما قد يجعل نفوذها السياسي أكبر من حجم تمثيلها البرلماني. ومن ثم، فإن تأثير اليمين القومي الديني لا يتوقف عند نتائجه الانتخابية، بل يمتد إلى قدرته على التأثير في شروط تشكيل الحكومة وتوجهاتها الأمنية والتشريعية.
ويقدم التشريع المتعلق بعقوبة الإعدام نموذجًا لهذا التأثير؛ إذ أقر الكنيست في 30 مارس 2026 قانونًا يوسع نطاق تطبيق العقوبة في حالات محددة مرتبطة بجرائم الإرهاب، بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 وامتناع عضو واحد، وسط جدل سياسي وقانوني بشأن نطاق تطبيقه وضماناته القانونية وانعكاساته الحقوقية.
فبينما يرى مؤيدو التشريع أنه يسهم في تعزيز الردع والحد من تكرار الهجمات، يشكك منتقدوه في فاعليته الأمنية، ويحذرون من تداعياته القانونية والحقوقية وانعكاساته المحتملة على مكانة إسرائيل الدولية. ويعكس هذا الجدل تباينًا أعمق في الرؤى بشأن دور التشريعات العقابية في تحقيق الأمن، وحدود الاعتماد عليها ضمن العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
وفي سياق متصل، شكلت قضية الرهائن الإسرائيليين بعد 7 أكتوبر أحد الملفات المؤثرة في النقاش الداخلي بشأن إدارة الحرب، والموازنة بين استمرار العمليات العسكرية ومسارات التفاوض، والمسؤولية السياسية عن إدارة الأزمة. وفي المقابل، تظل قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين مرتبطة بالأبعاد القانونية والإنسانية والوطنية للقضية الفلسطينية، فضلًا عن حضورها في مفاوضات التبادل والتفاهمات الأمنية.
وتكشف هذه القضايا مجتمعة عن تداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية في الحسابات الانتخابية، وعن الدور الذي قد تؤديه القوى اليمينية القومية والدينية في تحديد توجهات الحكومة المقبلة تجاه الفلسطينيين، ولا سيما فيما يتعلق بحدود استخدام القوة العسكرية والتشريعات العقابية ومسارات التفاوض.
ومن هنا، فإن الدلالة الاستراتيجية الأهم لا تقتصر على قضية الأسرى والمعتقلين، وإنما تمتد إلى مدى تأثير التوازنات الحزبية المقبلة في تحديد اتجاه العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وما إذا كانت ستواصل التركيز على توسيع أدوات الردع والسيطرة، أم ستتجه نحو مقاربة أكثر شمولًا تربط بين القوة العسكرية والاعتبارات السياسية والقانونية ومتطلبات الاستقرار طويل الأمد.
استعادة المكانة الدولية.. من تحسين الصورة إلى حماية المصالح الاستراتيجية
لا تقتصر التحديات التي ستواجه الحكومة الإسرائيلية المقبلة على إعادة بناء منظومة الردع ومعالجة الانقسامات الداخلية، بل تمتد إلى تراجع المكانة الدولية لإسرائيل، وتنامي المواقف السلبية تجاه سياساتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية.
فقد أظهر استطلاع نشره مركز «بيو» للأبحاث في 4 يونيو 2026، وشمل 36 دولة، انتشار النظرة السلبية إلى إسرائيل في معظم الدول التي شملها الاستطلاع، بما فيها دول غربية ترتبط معها بعلاقات وثيقة. ورغم أن اتجاهات الرأي العام لا تعكس بالضرورة المواقف الرسمية للحكومات، فإنها قد تؤثر بمرور الوقت في البيئة السياسية التي تُصاغ في إطارها قرارات التعاون العسكري والدبلوماسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، تناول الباحث يعقوب كاتس، في دراسة نشرها المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس) في 14 سبتمبر 2026 بعنوان: «العزلة الدولية لإسرائيل تتزايد.. فلماذا تغيب عن الأجندة الانتخابية؟»، مفارقة تتمثل في محدودية حضور هذا التحدي في المنافسة الانتخابية، رغم الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الإسرائيلية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
وتتعمق هذه الإشكالية في دراسة نشرتها الباحثة بنينا شرفيت باروخ، عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، في 13 أكتوبر 2026، بعنوان: «مكانة إسرائيل الدولية: بين نزع الشرعية والانتقاد والمسؤولية الإسرائيلية»، إذ تناولت الشرعية الدولية بوصفها أحد الأصول الاستراتيجية التي تؤثر في قدرة الدولة على حماية مصالحها، وميزت الدراسة بين المواقف العدائية المسبقة، والانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية، والشركاء الذين لا يزالون يدعمون إسرائيل، مع التأكيد على أهمية معالجة الممارسات التي تسهم في تآكل مكانتها الدولية.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في انتقالها من التركيز على تحسين الصورة الخارجية إلى ضرورة مراجعة السياسات التي تؤثر في الثقة الدولية. فهناك فارق جوهري بين معالجة الانتقادات من خلال الخطاب الإعلامي والدبلوماسية العامة، وبين التعامل مع أسبابها المرتبطة بحماية المدنيين، والالتزام بالقانون الدولي، ومستقبل القضية الفلسطينية، وطبيعة العلاقات مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
وفي ضوء ذلك، تواجه الحكومة المقبلة معادلة استراتيجية معقدة، تتمثل في كيفية تحقيق ما تعتبره متطلبات أمنها القومي، مع الحد من التكاليف السياسية والاقتصادية والقانونية المرتبطة باستمرار الصراع. وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنظر إلى اعتماد إسرائيل على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول أوروبية في مجالات التعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، فضلًا عن أهمية البيئة الدولية لاستمرار الاستثمارات والتبادل التجاري والتعاون العلمي.
ومن هنا، يمكن تحديد ثلاثة اتجاهات محتملة للتعامل مع هذا التحدي تتمثل في: الاكتفاء بتطوير الخطاب الدبلوماسي وتحسين الصورة الخارجية مع استمرار السياسات الأساسية، أو توسيع الشراكات الدولية وتنويعها لتقليل الاعتماد على الحلفاء التقليديين، أو إجراء مراجعة أوسع للسياسات تربط بين متطلبات الأمن والالتزامات القانونية الدولية وإمكانات التسوية السياسية والإقليمية.
ولا يعني طرح هذه الاتجاهات أن الحكومة المقبلة ستتبنى أحدها بصورة منفردة؛ فقد تجمع بينها بدرجات متفاوتة، وفقًا لطبيعة الائتلاف الحاكم، والتطورات الأمنية، والعلاقة مع واشنطن، والتحولات الإقليمية والدولية.
وتبرز هنا دلالة استراتيجية أساسية، تتمثل في أن تراجع المكانة الدولية قد يتجاوز تأثيره المجال الدبلوماسي ليصبح عاملًا مقيدًا لحرية الحركة السياسية والأمنية، بما ينعكس على قدرة إسرائيل على إدارة صراعاتها والحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية.
ومن ثم، فإن استعادة المكانة الدولية لا تنفصل عن مراجعة العقيدة الأمنية بعد 7 أكتوبر؛ إذ لم يعد تقييم فاعلية القوة العسكرية مرتبطًا بنتائجها الميدانية وحدها، بل يمتد إلى تداعيات استخدامها على الشرعية الدولية، واستدامة التحالفات، والقدرة على تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد.
ما بعد الانتخابات.. أي عقيدة أمنية وأي تداعيات إقليمية؟
في ضوء التحولات السياسية والأمنية والاستراتيجية التي تشهدها إسرائيل، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية قد تؤثر في توجهات عقيدتها الأمنية بعد الانتخابات، وفقًا لطبيعة الحكومة المقبلة، وتوازناتها الائتلافية، والتطورات الإقليمية والدولية:
1. المسار الأول: تعزيز الردع والوقاية الاستباقية، من خلال توسيع نطاق العمليات الوقائية والدفاع المتقدم، وتطوير القدرات العسكرية والاستخباراتية، مع استمرار الاعتماد على القوة العسكرية بوصفها الأداة الرئيسية لمواجهة التهديدات. وقد يسهم هذا التوجه في تعطيل بعض مصادر التهديد، لكنه قد يزيد مخاطر التصعيد والاستنزاف إذا لم يرتبط بأهداف سياسية واضحة.
2. المسار الثاني: التركيز على الإصلاح المؤسسي واستعادة الثقة الداخلية، من خلال مراجعة أسباب إخفاق السابع من أكتوبر، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات السياسية والأمنية، وترسيخ آليات المساءلة والرقابة على عملية صنع القرار. ويعكس هذا المسار إدراكًا بأن تطوير القدرات العسكرية لا يكفي وحده دون معالجة أوجه القصور في تقدير التهديدات وإدارة الأزمات.
3. المسار الثالث: القيام على الربط بين الأمن العسكري والمكانة الدولية والنتائج السياسية، انطلاقًا من أن تحقيق الأمن المستدام لا يتوقف على التفوق العسكري وحده، وإنما يرتبط أيضًا بفاعلية التحالفات الدولية، واستقرار البيئة الإقليمية، والقدرة على إدارة الصراعات من خلال ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار.
ولا تمثل هذه المسارات بدائل متعارضة بالضرورة؛ فقد تجمع الحكومة المقبلة بين عناصر منها بدرجات متفاوتة، وفقًا لأولوياتها السياسية والضغوط الداخلية والخارجية. غير أن التحدي الاستراتيجي سيكمن في مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الردع العسكري، والإصلاح المؤسسي، والحفاظ على المكانة الدولية، بحيث لا تتحول المكاسب العملياتية إلى أعباء سياسية واستراتيجية طويلة الأمد.
وفي هذا الإطار، ستظل القضية الفلسطينية إحدى الساحات الرئيسية لاختبار أي تحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية؛ إذ إن استمرار الاعتماد على السيطرة العسكرية والإجراءات الأمنية دون أفق سياسي واضح قد يتيح احتواء بعض التهديدات مرحليًا، لكنه لا يضمن معالجة العوامل التي تسهم في تجدد الصراع. وفي المقابل، فإن أي ترتيبات سياسية مستقبلية ستحتاج إلى ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ، ومعالجة القضايا الإنسانية والقانونية، فضلًا عن تحديد مستقبل إدارة قطاع غزة وإعادة إعماره، والأوضاع في الضفة الغربية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية مباشرة بالنسبة إلى مصر والأردن، في ضوء ارتباط أمنهما القومي بتطورات القضية الفلسطينية، واستقرار الحدود، ومخاطر التهجير القسري، واحتمالات امتداد التصعيد إلى الإقليم. كما ستنعكس توجهات الحكومة الإسرائيلية المقبلة على مستقبل علاقاتها مع الدول العربية، ومدى إمكانية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتطوير مسارات التعاون والتسوية السياسية.
ومن ثم، فإن متابعة الانتخابات الإسرائيلية من منظور الأمن القومي العربي ينبغي ألا تقتصر على تحديد هوية الحكومة المقبلة أو طبيعة تحالفاتها، بل تمتد إلى تقييم توجهاتها الفعلية تجاه القضية الفلسطينية، وحدود اعتمادها على القوة العسكرية، ومدى التزامها بالقانون الدولي، وانعكاسات سياساتها على أمن دول الجوار والاستقرار الإقليمي.
وهنا تبرز الدلالة الاستراتيجية الأهم، التي تتمثل في أن مستقبل العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر لن يتحدد فقط بطبيعة القيادة التي ستفرزها الانتخابات، وإنما بمدى قدرتها على معالجة الاختلالات التي كشفتها الحرب، وتحقيق التوازن بين القوة العسكرية والكفاءة المؤسسية والمكانة الدولية، وهو ما ستنعكس آثاره على طبيعة التحديات والفرص التي ستواجه المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
من أزمة الردع إلى اختبار المكانة الاستراتيجية
تدخل إسرائيل انتخابات أكتوبر 2026 في ظل ثلاث أزمات مترابطة، تتمثل في: تراجع الثقة بالمنظومة الأمنية بعد إخفاق 7 أكتوبر، وتصاعد الانقسامات السياسية والمجتمعية بشأن المسؤولية عن الإخفاق ومستقبل السياسات الأمنية، وتآكل المكانة الدولية في ضوء تنامي الانتقادات والضغوط المرتبطة بسياساتها تجاه القضية الفلسطينية والمنطقة.
وتكشف هذه الأزمات أن التحدي الذي سيواجه الحكومة المقبلة يتجاوز استعادة الردع وتطوير القدرات العسكرية، ليطرح تساؤلات أعمق حول العلاقة بين القوة والأمن، والردع والاستقرار، وحرية العمل العسكري والحفاظ على التحالفات الاستراتيجية. وستظل القضية الفلسطينية، إلى جانب العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، من أبرز الاختبارات العملية لقدرة إسرائيل على التوفيق بين أولوياتها الأمنية ومتطلبات مكانتها الدولية.
غير أن الانتخابات، حتى إذا أسفرت عن تغيير القيادة السياسية وإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الحكم، لن تعني بالضرورة تحولًا جوهريًا في العقيدة الأمنية؛ فمثل هذا التحول لا يُقاس بالشعارات الانتخابية أو تبدل التحالفات الحزبية، وإنما بمدى مراجعة الافتراضات التي تحكم تقدير التهديدات، واستخدام القوة، وإدارة الصراعات، وبناء الشراكات الدولية.
ولعل الدرس الاستراتيجي الأبرز لمرحلة ما بعد 7 أكتوبر يتمثل في أن التفوق العسكري، مهما بلغت قدراته، لا يضمن بمفرده أمنًا مستدامًا ما لم يقترن بكفاءة مؤسسية، ورؤية سياسية قادرة على معالجة أسباب الصراع، والحفاظ على مقومات القوة الداخلية والمكانة الدولية.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لما بعد الانتخابات لن يكون في هوية من يحكم إسرائيل فحسب، بل في طبيعة العقيدة الأمنية التي ستحكم قراراته، ومدى استعدادها للانتقال من تطوير أدوات القوة إلى مراجعة الافتراضات السياسية والاستراتيجية التي كشفت أحداث 7 أكتوبر حدودها.
قائمة المصادر والمراجع
1. مركز «بيو» للأبحاث (Pew Research Center):
Silver, L., & Clancy, L. (2026, June 4). Most people across 36 countries have negative views of Israel and little confidence in Netanyahu.
2. المعهد الملكي للشؤون الدولية – تشاتام هاوس (Chatham House):
(2026, October 8). Israel’s election: What will it mean for neighbours and allies.
(2026, July). Israel’s general election will be like no other before.
Katz, Y. (2026, September 14). Israel’s global isolation is growing – so why is it off the election agenda?
3. معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS):
(2025). The state of Israel’s national security: Doctrine and policy guidelines for 2025–2026.
Hayman, T., Rakocz, B., & Kurz, A. (2026, October 7). Israel’s national security balance.
Hayman, T. (2026, October 12). The “new” national security concept: Conceptualization and questions for discussion.
Sharvit Baruch, P. (2026, October 13). Israel’s international standing: Between delegitimization, criticism, and Israeli responsibility.
4. المعهد الإسرائيلي للديمقراطية (Israel Democracy Institute):
Hermann, T., Yohanani, L., Kaplan, Y., & Schwartz, O. (2026, September 9). Israelis reveal their main considerations in deciding which party to vote for in October.
