رئيس التحرير
عصام كامل

“المتمردون”.. فيلم تنبأ بالنكسة وفضح الفساد خلف أسوار مصحة الدرن

شكرى سرحان وتوفيق
شكرى سرحان وتوفيق الدقن فى المتمردون
18 حجم الخط

المتمردون، فيلم جريء أُعد عن قصة رمزية تعكس الواقع في المجتمع، وعُرض عام 1968، من تأليف الكاتب الصحفي صلاح حافظ، وإخراج المخرج توفيق صالح، الذي رحل عام 2013، ويعالج الفيلم قضية الفساد والتمييز بين المرضى في المستشفيات العامة، من خلال مصحة لعلاج مرضى السل مقامة في منطقة نائية بالصحراء، واختير الفيلم ضمن 27 فيلمًا تُعرض خلال فعاليات كلاسيكيات السينما المرممة بمهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ47.

اعتبر النقاد فيلم «المتمردون» الفيلم الأجرأ والممنوع من العرض في السينما المصرية، والمصنف ضمن قائمة أفضل مائة فيلم مصري في تاريخ السينما، في المركز الـ78. وقد كُتب الفيلم وحُضّر قبل نكسة 1967، وهو ليس مجرد فيلم يدور داخل مصحة، بل دراسة سينمائية دقيقة للنفس البشرية، أخرجها توفيق صالح بحس بصري رفيع، وأدى نجومه أدوارهم بصدق. إنه عمل يثبت أن السينما العظيمة لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى قصة تُروى بإخلاص وشخصيات تبقى في الذاكرة طويلًا.

إنذار بوقوع النكسة

تجري أحداث فيلم «المتمردون» عام 1950، قبل ثورة يوليو بعامين، في مصحة لمرضى الدرن، وتمتد الأحداث حتى ما قبل النكسة بعام، ويعتقد البعض أن الفيلم كان إنذارًا بوقوع النكسة، وأن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يتبنى مشروعًا نهضويًا، لكن المسؤولين من حوله أجهضوا هذا المشروع، فانتشر الفساد ووقعت النكسة.

المخرج توفيق صالح 
المخرج توفيق صالح

تبدأ أحداث فيلم «المتمردون» بوصول الدكتور عزيز ــ شكري سرحان ــ إلى مصحة لعلاج مرض الدرن، أي مستشفى عام، باحثًا عن الشفاء واستعادة حياته الطبيعية. لكن ما يكتشفه منذ الأيام الأولى يتجاوز فكرة المرض والعلاج؛ فالمصحة ليست مجرد مؤسسة طبية، بل مجتمع صغير يعيش فيه أشخاص، لكل منهم حكايته وألمه وأحلامه المعلقة. 

انتصار الفساد في مصحة الدرن 

يكتشف عزيز، خلال وجوده بالمستشفى، أن هناك مستويين للعلاج في المصحة؛ قسمًا يضم من يملكون الثروة والمال، فينعمون بالعلاج والرعاية وجميع الكماليات، وقسمًا للدرجة الثانية يتكدس فيه المرضى داخل العنابر، محرومين من جميع وسائل الحياة والعلاج.

يتمرد المرضى على الفساد السائد في المستشفى، ويستولون على المصحة ويطردون مديرها، ويختارون الدكتور عزيز زعيمًا لهم ومتحدثًا بلسانهم، لكنهم يعجزون عن إدارة المستشفى. وفي المقابل، تستطيع الإدارة الفاسدة إرسال قوة بوليسية ضخمة لقمع تمرد المرضى، فينتهي التمرد وتعود الإدارة الفاسدة إلى مواقعها مرة أخرى، ويُخلى المستشفى من المرضى المتمردين، ويعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل وقوع التمرد.

بوستر فيلم المتمردون 
بوستر فيلم «المتمردون»
 

أثار فيلم «المتمردون» جدلًا شديدًا وتفسيرات عديدة بشأن رؤية مخرجه للواقع؛ إذ جعل توفيق صالح من المصحة والمرضى مجتمعًا موازيًا خلقه المخرج، لتدور في داخله دراما الاحتجاج والتذمر، ثم التمرد الذي يقترب من الثورة.

وجعل شعب المصحة ينقسم إلى طبقتين واضحتين؛ أولاهما الذين يملكون ويدفعون نظير علاجهم، وينعمون بالراحة والعلاج والهواء، ويحظون باحترام الإدارة ورعايتها التي تسعى إلى راحتهم، ومنهم من تدفع لهم الحكومة مصاريف علاجهم. أما الطبقة الأخرى، فتقطن عنابر المجانين، ومحرومة من كل شيء، وتتكدس وسط عنابر قذرة، يلفح أجساد ساكنيها هواء ساخن، ويفتقر مرضاها إلى الدواء، بل وإلى شربة الماء.

أزمة الإدارة والروتين الحكومي

يظهر فيلم «المتمردون» أزمة الإدارة الغارقة في البيروقراطية، التي تبحث عن راحة النزلاء الأثرياء أو الذين تدفع لهم الحكومة مصروفات علاجهم.

ومن بين هؤلاء فايز بك، الذي يجسد دوره الفنان سعيد خليل، وهو الإقطاعي الأناني الذي يرى أنه لا حق لأهل المجانين في الحياة ما داموا لا يملكون عزَبًا.

وتظهر أيضًا شخصية سعاد، الممرضة التي تربطها بفايز علاقة غير شرعية، وشخصية فهمي ــ أحمد الجزيري ــ موظف الحكومة البائس الخائف، الذي يقيده الروتين والخوف، غير أنه متعاطف مع أهل المجانين.

ومن بين مرضى المصحة أيضًا الدكتور عزيز، الذي أتى إلى المصحة مريضًا بالدرن، ويجد العناية من أصدقائه الأطباء، وإن عجزوا عن تدبير دوائه بسبب الروتين والإجراءات.

أما المدير، فينشغل بإصدار الأوامر ونفاق إخلاص هانم ــ الفنانة ميمي شكيب ــ رئيسة جمعية مرضى الدرن، الأرستقراطية التي تتحكم في الإدارة بما تدفعه من إعانة للمصحة.

ويحاول المدير اكتساب ودها وإظهار المصحة في أحسن حال، حتى لو أدى ذلك إلى طرد المرضى إلى الجبل، كي لا ترى إخلاص هانم ملابسهم وهيئتهم القذرة.

المركز الـ78 في قائمة أفضل مائة فيلم

صُوّر فيلم «المتمردون» عام 1966، ورفضت الرقابة عرضه لمدة سنتين، ولم يُسمح بعرضه إلا بعد النكسة عام 1968، حيث حُذفت مشاهد عديدة من الفيلم، وكُتبت له نهاية جديدة حتى يُسمح بعرضه، ليدخل ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

وكتب السيناريو محمد عثمان بالتعاون مع المخرج توفيق صالح، وعمل المخرج نادر جلال مساعدًا للمخرج في هذا الفيلم، الذي شارك في تمثيله شكري سرحان، وسميرة محسن، وأحمد الجزيري، وتوفيق الدقن، وزيزي مصطفى، وحمدي أحمد، وكمال حسين، وإسكندر منسي.

<strong alt=
توفيق صالح مع أقرب أصدقائه نجيب محفوظ

صراع مع الرقابة والإنتاج

امتدت مسيرة المخرج توفيق صالح السينمائية لتشمل سبعة أفلام فقط، بدأها بفيلم «درب المهابيل»، ثم جاء فيلمه الثاني «المتمردون» بعد فراق 13 عامًا، تلاه «المخدوعون»، و«الأيام الطويلة»، و«صراع الأبطال»، و«السيد البلطجي». وكانت هذه الأفلام جميعها واقعية، وكان هدفه منها، كما كان يقول، تطوير المجتمع، لكنه كان يصطدم بالواقع المرير الذي كانت تعيشه صناعة السينما في مصر.

وكان الصراع دائمًا قائمًا بين توفيق صالح وموظفي الرقابة ومنتجي الأفلام. وعندما تحولت السينما المصرية إلى هيئة مملوكة للدولة، نشبت صراعات عديدة بينه وبين القائمين على هذه الهيئة.

وحسب ما رواه توفيق صالح لأصدقائه المقربين، فإن المخرج صلاح أبو سيف كان أحد الذين منعوا توفيق صالح من النجاح والتواجد في مجال الإخراج السينمائي، خاصة عندما كان رئيسًا لمؤسسة السينما. وكانت النتيجة اعتزال صالح السينما، حتى مرض ورحل عام 2013.

الجريدة الرسمية