بعد ثلاثة أعوام ونصف من اشتعالها، الأزمة السودانية إلى أين؟
أكدت الباحثة إسراء محمود أحمد، المتخصصة بالشأن الأفريقى، أن الحرب السودانية دخلت بعد ثلاثة أعوام ونصف من اشتعالها في أبريل 2023، طورًا جديدًا لا يُقاس بمساحات الأرض بل بالممرات. فبينما يتقدم الجيش غربًا في كردفان، تفتح قوات الدعم السريع وحلفاؤها جبهة النيل الأزرق على الحدود الإثيوبية، في معادلة تُنتج توازنًا سلبيًا: لا حسم عسكريًا ولا تسوية سياسية، بل تثبيتًا لخطوط تماسّ تتحول تدريجيًا إلى حدود.
كردفان شهدت 2876 هجومًا منذ أبريل 2023
وأضافت فى تصريح لـ"فيتو"، أن بيانات مشروع ACLED تظهر أن كردفان شهدت 2876 هجومًا منذ أبريل 2023، أي نحو 19.7% من إجمالي الهجمات في السودان، وما لا يقل عن 12314 قتيلًا، وليست هذه الكثافة عارضة؛ فالإقليم هو الممر الواصل بين الوسط الذي يسيطر عليه الجيش، ودارفور التي أحكم الدعم السريع سيطرته عليها بعد سقوط الفاشر في أكتوبر 2025. وباستعادة المزروب مطلع أكتوبر الجاري، ثم التقدم نحو الخوي والنهود، يسعى الجيش إلى قطع شريان الإمداد بين شمال كردفان وغربها، وهو ما وصفه المتحدث العسكري محمد ديدان بأنه “نقطة تحول كبرى”، لكن الكلفة الإنسانية تتضخم بالوتيرة ذاتها: ارتفع النزوح في كردفان بنسبة 65% بين فبراير ويونيو 2026 ليتجاوز 219 ألف شخص، وفق المنظمة الدولية للهجرة التي قالت مديرتها إيمي بوب: إن “مؤشرات الإنذار باتت مستحيلة التجاهل”، وفي الأبيض، التي تضم نحو نصف مليون نسمة، قتلت مسيّرة خمسة مدنيين وأصابت 47 آخرين في سكن جامعة كردفان.. وبموازاة هذا التقدم، فقد الجنيه السوداني نحو نصف قيمته في المناطق الخاضعة للجيش خلال صيف 2026، في مؤشر على أن كلفة الحرب تُستنزف من العمق الاقتصادي لا من الجبهات وحدها.
تدويل الحرب على حدود السد
وواصلت تصريحها قائلة: الأخطر أن الجبهة الجديدة تُخرج الحرب من إطارها الداخلي، فبعد استعادة التحالف الموالي للدعم السريع كرمك والقيسان في أغسطس الماضي، انتقلت المعارك مطلع أكتوبر إلى منطقة الكدالو، على مسافة 50 إلى 60 كيلومترًا من سد الروصيرص، مع هجوم بمسيّرات على مقر والي النيل الأزرق. ويشير التقرير الشهري لمجلس الأمن (أكتوبر 2026) إلى اتهامات متواترة باستخدام أراضٍ إثيوبية في إمداد عمليات الدعم السريع، وهو ما يضع السودان في قلب اختلال أمني إقليمي أوسع تتقاطع فيه ملفات المياه والحدود والسلاح.
انسداد المسار السياسي وتآكل أدوات الضغط
وأضافت الباحثة إسراء محمود أحمد، أنه على المسار التفاوضي، لا يزال المقترح الأمريكي لهدنة إنسانية مدتها تسعون يومًا معلقًا.. وقد التقى المستشار مسعد بولس الفريق عبد الفتاح البرهان في العلمين الجديدة مطلع الشهر، لكن البرهان أعلن في السابع من أكتوبر رفضه التفاوض وعزمه استعادة "كل شبر".. أما مجلس الأمن، فقد جدد في الثامن من أكتوبر نظام جزاءات دارفور لشهرين فقط، بعد سحب واشنطن مقترحها بتوسيع حظر التسليح إلى عموم السودان في مواجهة اعتراض روسي وصيني. ورحبت الخرطوم بالتمديد ورفضت التوسيع، متهمة الإمارات بانتهاك متكرر لحظر التسليح، وهو ما تنفيه أبوظبي.. وهي نتيجة تختصر أزمة الأداة الدولية: تمديد تقني يحفظ الشكل ولا يغيّر الميدان، في حين أثبتت بعثة تقصي الحقائق الأممية في سبتمبر وجود شبكات دعم خارجية تغذي القتال، بينها نحو ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق.
واختتمت الباحثة، أن السيناريو الأرجح ليس انتصارًا حاسمًا لأحد الطرفين، بل حرب استنزاف ممتدة تُرسّخ سلطتين متنافستين في بلد يحتاج فيه أكثر من 33 مليون شخص إلى المساعدات، ويواجه 19.5 مليونًا انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، مع خطر مجاعة في 14 منطقة بشمال دارفور وجنوبها وجنوب كردفان، ووقوع نحو 200 ألف شخص في المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل.. وكل شهر يمر دون هدنة ملزمة لا يؤجل التقسيم، بل يبنيه.




