في عيد ميلاده الـ65، كيف راهن عمرو دياب على تجربته الفنية وواصل النجاح عبر السنوات؟
على مدار أكثر من أربعة عقود، تغيرت صناعة الموسيقى المصرية، حيث اختلفت شكل الأغاني، وتبدل ذوق الجمهور، وتغيرت طرق الاستماع للأغاني من شرائط الكاسيت إلى الفيديو كليب، ثم إلى المنصات الرقمية، وخلال هذه التحولات والتغيرات المستمرة، ظل عمرو دياب له بصمة ووجود “غير” في المشهد الغنائي، حيث واصل طرح أعمال جديدة وتعامل مع متغيرات كل مرحلة بذكاء ما جعله المطرب الأول على مدار عقود واستحق عن جدارة لقب “الهضبة” الذي لقبه به محبوه.
وفي عيد ميلاده الـ65، تبرز تجربته باعتبارها واحدة من التجارب التي تستحق التوقف عندها لمعرفة كيف استطاع أن يحافظ على مكانته عبر أجيال مختلفة، وأن يواكب تغيرات الصناعة دون الاكتفاء بالنجاحات التي حققها في بداياته.
ولعل حواره القديم مع الإعلامي مفيد فوزي يكشف جانبًا من طريقة تفكير عمرو دياب، ففي وقت واجه فيه جيله انتقادات لاذعة بسبب ابتعاده عن أسلوب مطربي الأجيال السابقة، دافع دياب عن حق المطربين الشباب في تقديم تجربتهم الخاصة، وهو منهم، وعندما سأل عما إذا كان هو مجرد موضة عابرة، تحدث عن رغبته في أن يصنع موضة بأن يكون مؤثرًا في الجمهور وأن يكون له كيان، لا أن يكون مجرد “موضة” أو ظاهرة تختفي سريعًا.
وبعد مرور سنوات على هذا الحوار، تبدو هذه الفكرة مدخلًا لفهم مشوار عمرو دياب، فهو لم يكتف بالنجاح في شكل غنائي واحد، بل واصل تطوير تجربته، وراهن على اختيارات جديدة، وتعامل مع تغير ذوق الجمهور، باعتباره جزءا من طبيعة العمل الفني.
بدايات عمرو دياب
بدأ عمرو دياب مشواره الغنائي في الثمانينيات، في وقت كانت فيه الأغنية الشبابية المصرية تتجه إلى أشكال جديدة، فيما يتعلق بالموسيقى والتوزيع، ومع ألبوم ميال عام 1988، ظهرت ملامح أوضح لهذا الاتجاه في مشواره، خاصة من خلال تعاونه مع حميد الشاعري، الذي كان من أبرز الأسماء المرتبطة بتقديم أساليب موسيقية مختلفة في تلك الفترة، وساعد هذا التعاون في تقديم أغنيات أقرب إلى ذوق الشباب، لتصبح ميال واحدة من المحطات المهمة في تطور تجربة عمرو دياب.

ولم يكن التغيير الذي شهدته الأغنية المصرية في هذه الفترة مرتبطًا بمطرب واحد، بل شارك فيه عدد من الملحنين والموزعين والمطربين، لكن عمرو دياب كان من الأسماء التي تبنت هذا الاتجاه وواصلت العمل عليه، مقدما أغاني تتناسب مع جمهور شاب يبحث عن شكل مختلف من الأغاني.
ومع أغنية نور العين عام 1996، وصلت تجربته إلى محطة هامة أخرى، حيث حققت الأغنية نجاحًا كبيرًا في مصر وكذلك خارجها، وساعدها الفيديو كليب على الوصول إلى جمهور أكبر، كما قدمت نموذجًا لأغنية مصرية تجمع بين هويتها المحلية وعناصر موسيقية أقرب إلى الذوق العالمي.
ولم يتوقف مشوار التجديد عند نور العين، ففي السنوات التالية، واصل دياب تقديم أعمال مختلفة، من بينها عودوني عام 1998، ثم ألبوم قمرين عام 1999، الذي تضمن “دويتوهات” مختلفة، وعكست هذه الاختيارات رغبته في أن يتسع نطاق تجربته الفنية، والاستفادة من التعاون مع مطربين من خلفيات موسيقية مختلفة، وفي عام 2000، قدم عمرو دياب أغنية تملي معاك، التي أصبحت واحدة من أشهر أغانيه، وواصلت النجاح خارج العالم العربي، وواصل بعدها تقديم أعمال ناجحة ومناسبة لكل مرحلة من مشواره.
طريقة مختلفة في التعامل مع “الأغنية”
لعل من أبرز ما ميز تجربة عمرو دياب الفنية اهتمامه بكل التفاصيل المحيطة بالأغنية، وليس الموسيقى وحدها، فمع انتشار الفيديو كليب في التسعينيات، لم تعد الأغنية تصل إلى الجمهور من خلال الصوت فقط، بل أصبحت الصورة جزءًا من نجاحها وانتشارها وقد استغل عمرو هذا أفضل استغلال، فقد كان يهتم بفكرة الكليب ومكان التصوير، والملابس والإطلالات التي يظهر بها، إلى جانب صور الألبومات والبوسترات التي صاحبت طرح الأغاني، ومع كل مرحلة، كان يغير من شكله وطريقة ظهوره بما يتناسب مع طبيعة العمل والوقت الذي يقدمه فيه.
وفي السنوات الأخيرة، واصل دياب تقديم ألبومات وأغان جديدة والتعاون مع صناع موسيقى من أجيال مختلفة، ومن الأمثلة على ذلك ألبوم ابتدينا الذي صدر عام 2025، وضم أغنية خطفوني بمشاركة ابنته جنا، كما شارك في أغنية يلا بمشاركة ابنه عبد الله، إلى جانب أعمال أخرى تعاون فيها مع مجموعة من الشعراء والملحنين والموزعين من الأجيال الجديدة.
سر استمرار عمرو دياب
ويرجع سر استمرار عمرو دياب في المشهد الغنائي إلى قدرته على تطوير اختياراته وعدم الاكتفاء بتكرار الشكل الذي حقق له النجاح في بداياته، فالجمهور الذي تابع أغانيه في الثمانينيات يختلف في ذوقه وعاداته عن الأجيال التي عرفته من خلال الفيديو كليب، ثم المنصات الرقمية، وهو ما فهمه عمرو دياب وبناء عليه كان يواكب دومًا التغيرات المستمرة في عالم الموسيقى دون أن يفقد هويته الفنية، وبين تغير الأجيال وتطور صناعة الموسيقى، استطاع أن يحافظ على مكانه في مشهد لا يتوقف عن التغير، وأن يظل ناجحًا لدى جمهور تابع بداياته، وآخر تعرف إليه بعد سنوات طويلة من انطلاق مشواره.



