رئيس التحرير
عصام كامل

متبقيات المبيدات خطر قاتل.. من الحقل إلى طبق المواطن.. 161 مادة فعالة محظورة في بيانات دولية.. و"فترة الأمان" الحلقة الأخطر في رحلة المحصول

المبيدات الزراعية
المبيدات الزراعية
18 حجم الخط

من الحقل تبدأ الحكاية.. رشة مبيد لم تكتمل فترة أمانها، أو مادة فعالة محظورة تدخل إلى تركيبة مبيد، أو منتج مغشوش يصل إلى يد المزارع، أو عينة لا تمثل كامل المحصول، ثم تنتقل الخضروات والفاكهة إلى الأسواق، بينما تظل الأسئلة مفتوحة حول ما يصل بالفعل إلى طبق المواطن المصري.

ملف متبقيات المبيدات لا يتعلق فقط بشحنات المحاصيل الزراعية التى تسعى إلى عبور الحدود، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من تسجيل المبيد وتصنيعه واستيراد مادته الفعالة، مرورًا بتداوله ووصوله إلى المزارع، ثم تحديد الجرعة وعدد مرات الرش وفترة الأمان، وانتهاء بجمع المحصول وتسويقه محليًا أو تصديره.

وبينما تؤكد الجهات المعنية وجود منظومات وبرامج للرصد والتحليل والرقابة، يطرح عدد من المتخصصين الذين تحدثوا لـ«فيتو» تساؤلات حادة حول مدى قدرة الرقابة على تغطية ملايين الأفدنة وآلاف منافذ بيع المبيدات ومئات المصانع والمزارع، ومصير بعض الشحنات التى يتم رفضها خارجيًا بسبب متبقيات المبيدات.

فى هذا التحقيق، تفتح «فيتو» ملف متبقيات المبيدات من جميع جوانبه: ماذا يحدث للمحصول إذا جرى حصاده قبل انتهاء فترة الأمان؟ وما الفارق بين المنتج المخصص للتصدير وما يطرح فى السوق المحلي؟ أين تذهب الشحنات المرفوضة؟ هل تعود إلى مصر؟ ومن يقرر مصيرها؟ وكيف تدخل المبيدات المغشوشة والمحظورة إلى السوق؟ وهل العقوبات الحالية رادعة؟ وماذا يقول المتخصصون عن مخاطر التعرض المزمن لهذه المركبات؟

 

تقارير دولية: 161 مادة فعالة محظورة موجودة فى مصر

 

تفتح «القائمة الدولية الموحدة للمبيدات المحظورة» (PAN International) فى أحدث إصداراتها نافذة شائكة على ملف الأمان الغذائى فى مصر؛ بعدما كشفت البيانات عن تسجيل 161 مادة فعالة محظورة رسميًا داخل البلاد، يندرج جزء كبير منها تحت فئة المركبات شديدة الخطورة وفقًا لمعايير منظمة الأغذية والزراعة «فاو» ومنظمة الصحة العالمية.

لا يرتبط هذا الرقم بمنتجات تجارية عابرة، بل بمواد كيميائية ونشطة يتداخل بعضها مع دورة الإنتاج الزراعي، لتتنوع مخاطرها المثبتة دوليًا بين أورام السرطان، والسمية العصبية الحادة، والتلف الكبدي، والاضطرابات التناسلية والمناعية بدءًا من مركبات التاريخ المظلم كـ DDT والليندان، وصولًا إلى الفوسفات العضوى والكربامات الشديدة السمية مثل الكاربوفوران والألديكارب.

بين الأرقام الصادمة والمعايير العلمية التى تفرق بين «الخطر النظري» و«التعرض الفعلي»، يظل السؤال الرقابى الأهم حائرًا بين أروقة الأسواق والمزارع: هل اختفت هذه المواد الـ 161 بالفعل من دورة الإنتاج والتداول، أم أنها لا تزال تتسرب عبر ثغرات التخزين والتهريب لتصل إلى طبق المواطن المصري؟

وفى التفاصيل، كشفت النسخة السابعة من «القائمة الدولية الموحدة للمبيدات المحظورة» الصادرة عن شبكة العمل الدولية بشأن المبيدات (PAN International) فى ديسمبر 2024، عن تسجيل 161 مادة فعالة محظورة  للمبيدات فى مصر، ضمن قاعدة بيانات دولية ترصد حالات حظر المبيدات فى دول مختلفة حول العالم.

وأوضحت البيانات أن هذا الرقم يرتبط بمواد كيميائية فعالة وليس بمنتجات تجارية، مشيرة إلى أن المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض لهذه المركبات تتنوع بين أورام السرطان والاضطرابات العصبية والتأثيرات التناسلية والمناعية وتلف الكبد، وذلك بحسب طبيعة المادة والجرعة ومدة وطريقة التعرض.

وتُظهر البيانات أن قطاعًا كبيرًا من هذه المواد المحظورة يقع ضمن فئات شديدة الخطورة وفق المعايير الدولية؛ إذ تضم القائمة 97 مادة مصنفة كـ «مبيدات شديدة الخطورة» وفق معايير شبكة PAN (رمز PAN HHP)، إلى جانب61 مادة تنطبق عليها معايير المبيدات شديدة الخطورة وفق لجنة الخبراء المشتركة بين منظمة الأغذية والزراعة «فاو» ومنظمة الصحة العالمية (رمز JMPM HHPs).

تتصدر القائمة مادة DDT المحظورة فى 150 دولة، والتى صنفتها الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) ضمن المجموعة Group 2A باعتبارها محتملة السرطنة للإنسان، وترتبط فى تقييمات هيئة ATSDR الأمريكية بتسمم الكبد والاضطرابات العصبية كالرعشة والتشنجات والتأثيرات التناسلية. ويبرز أيضًا مركب Lindane المحظور فى 142 دولة، حيث توجد أدلة وبائية متسقة على ارتباط التعرض المهنى له بزيادة خطر الإصابة بـ «اللمفوما اللاهودجكينية» (سرطان الغدد الليمفاوية). كما تظهر مادة Captafol المحظورة فى 148 دولة ضمن القائمة بمخاطر مسرطنة عالية صنفتها IARC أيضًا فى المجموعة Group 2A.

وفيما يتعلق بالمبيدات ذات التأثيرات العصبية والكبدية، تبرز مادة Chlordane المحظورة فى 157 دولة، والتى ترتبط بتأثيرات عصبية حادة كالصداع والدوخة والارتباك، إلى جانب أورام الكبد فى الدراسات التجريبية وتصنيفها ضمن المجموعة Group 2B. وتضم القائمة كذلك مركبى Aldrin وDieldrin المحظورين عالميًا منذ سبعينيات القرن الماضى لسميتهما العصبية والكبدية وآثارهما على التناسل. أما مبيد Parathion المحظور فى 143 دولة والمصنف فى المجموعة Group 2B، فيعمل عبر تثبيط إنزيمات الجهاز العصبي، وهو ما ينطبق أيضًا على مركبى Methamidophos وMonocrotophos المحظورين فى أكثر من 100 دولة. وتكتمل الصورة بمركبى Carbofuran وAldicarb المحظورين فى 106 و128 دولة، واللذين يسببان سمية عصبية حادة وصعوبة فى التنفس وزيادة الإفرازات عند التعرض المرتفع.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) أن وجود مادة فى قائمة الحظر أو اكتشاف متبقيات منها لا يعنى التلقائية فى الإصابة بالمرض تلقائيا؛ إذ يعتمد التقييم الصحى على طبيعة التعرض (الابتلاع، الاستنشاق، الملامسة)، ومستواه لتحديد الفرق بين التسمم الحاد والتسمم المزمن طويل المدى، ومدى تجاوز التركيزات للحدود المسموح بها علميًا.

 «فترة الأمان» كلمة السر.. ويجب تشديد الرقابة على جميع المزارع

الدكتور صلاح يوسف، رئيس بحوث متفرغ بقسم أمراض ما بعد الحصاد بمعهد بحوث أمراض النباتات، ووزير الزراعة الأسبق، يضع فترة الأمان باعتبارها إحدى أهم النقاط فى ملف متبقيات المبيدات. موضحا أن كل مركب من مركبات المبيدات له فترة أمان للمحصول، تعرف علميًا باسم PHI، وهى اختصار Pre-Harvest Interval، أى الفترة الواجب مرورها بين آخر رشة للمبيد وبين جمع أو حصاد المحصول.

ويشير الوزير الزسبق إلى أن بعض المزارعين قد يقومون بجمع المحصول قبل انتهاء فترة الأمان المحددة لآخر رشة مبيد، وبالتالى عند فحص عينة من المحصول يمكن أن تظهر بها متبقيات للمبيد، لأن الفترة الزمنية اللازمة لتحلل المركب لم تكتمل بعد.

ويضيف أن هناك مشكلة أخرى تتعلق بطريقة أخذ العينات، إذ إن العينة إذا لم تكن ممثلة بصورة دقيقة للمحصول بالكامل، فقد لا تظهر فيها المتبقيات الموجودة فى أجزاء أخرى من المحصول، وبالتالى يمكن أن تمر الشحنة فى الفحص رغم وجود مشكلة فى جزء منها.

ويرى وزير الزراعة الأسبق أن هذا الأمر يعد أحد أسباب رفض بعض الشحنات التصديرية للحاصلات الزراعية المصرية فى بعض الأسواق العالمية، إلى جانب عامل آخر يتمثل فى نوع المبيد المستخدم؛ فقد يكون المبيد مصرحًا باستخدامه فى مصر وبعض الدول، لكنه غير مسموح به فى دولة أخرى.

لكن السؤال الأكبر، بحسب يوسف، يبدأ بعد رفض الشحنة: «أين ذهبت الشحنات الزراعية التى تم رفضها فى الخارج؟ هل تم إعدامها بالخارج؟ ومن يتحمل تكلفة إعدامها إذا تم التخلص منها خارج مصر ولم تعد؟».

ويطرح تساؤلًا آخر: إذا عادت الشحنة المرفوضة إلى مصر، فما مصيرها؟ هل يتم إعدامها؟ أم تعاد إلى المصدر؟ أم يمكن أن ينتهى بها الأمر فى السوق المحلي، وهو ما يراه أمرًا يستحق رقابة وشفافية كاملة حتى لا تتحول الشحنة المرفوضة لأسباب تتعلق بسلامة الغذاء إلى مصدر خطر على المستهلك المصري.

ويؤكد يوسف أن ملف الصادرات يخضع لإجراءات رقابية وتحليلية، مشيرًا إلى أن هيئة سلامة الغذاء تتولى أخذ العينات واتخاذ القرار بشأن صلاحية الرسائل الغذائية للتصدير، بينما لا يكون مهندس الحجر الزراعى هو المسؤول عن تحليل متبقيات المبيدات، لأن تحديد هذه المتبقيات يحتاج إلى أجهزة تحليل دقيقة فى المعامل المتخصصة، وعلى رأسها المعمل المركزى لمتبقيات المبيدات، الذى يمثل أحد المعامل المرجعية فى هذا المجال.

ينتقل صلاح يوسف إلى الجانب الأكثر حساسية فى القضية، وهو ما يتم طرحه داخل السوق المحلي، خصوصًا إذا تم حصاد المحصول قبل انتهاء فترة الأمان.

ويضيف أن المسؤول عن الرقابة على الأغذية فى السوق المحلى أصبح حاليًا هيئة سلامة الغذاء، بما يشمل الوصول إلى المزارع والرقابة على الأغذية قبل الحصاد وطرحها للمستهلك، لكن تنفيذ هذه المنظومة يحتاج إلى جهد كبير وتكلفة مرتفعة.

ويشرح أن أخذ عينات بصورة منتظمة من المزارع فى مختلف أنحاء مصر يحتاج إلى أموال وأجهزة ووقت وأطقم بشرية، لكن عدم تنفيذ الرقابة بصورة كافية له تكلفة أخرى على الدولة، تتمثل فى تكاليف علاج الآثار الصحية المحتملة للتعرض للملوثات، فضلًا عن فقدان القدرة على العمل والإنتاج، وانشغال الأسر برعاية المرضى.

ويقول: نحن هنا نتحدث عن مليارات الجنيهات، وبالتالى فإن توفير الأمن الغذائى وحماية صحة الناس يجب ألا ينظر إليه فقط من زاوية تكلفة التحليل والرقابة، لأن تكلفة غياب الرقابة يمكن أن تكون أكبر بكثير. ويطالب بوجود عينات دورية من مختلف الأماكن، ورقابة حقيقية على المزارع فى أنحاء مصر، سواء من خلال جهات حكومية أو القطاع الخاص أو أى جهات أخرى يتم تنظيم عملها وفقًا لمنظومة واضحة.

ويؤكد أن ملف الصادرات والواردات أصبح متحكمًا فيه إلى حد ما، لكن السوق المحلى ما زال بحاجة إلى إحكام الرقابة، موضحًا أن القانون حدد الجهة المسؤولة عن سلامة الغذاء فى السوق المحلي، وليس الحجر الزراعى أو وزارة الزراعة.

ويشدد فى الوقت نفسه على ضرورة قيام وزارة الزراعة بتفعيل التوصيات المتعلقة باستخدام المبيدات، والمبيدات المحظور استخدامها، والمبيدات المصرح باستخدامها لكل محصول.

ويربط صلاح يوسف بين ضعف القدرة على الرقابة وبين نقص الكوادر الزراعية، قائلًا إن متابعة المزارع تحتاج إلى مهندسين زراعيين قادرين على الإشراف على الإنتاج ومتابعة تطبيق المبيدات ومكافحة الآفات.

ويضيف أن آخر دفعة من المهندسين الزراعيين تم تعيينها، بحسب معلوماته، كانت عام 1984، وأن معظم هؤلاء خرجوا إلى سن المعاش منذ سنوات، وأصبحت الحكومة تعانى نقصًا كبيرًا فى المهندسين الزراعيين.

ويؤكد أن هذا الملف يحتاج إلى تعيين مهندسين مسؤولين عن مراقبة المزارع والإشراف عليها ومتابعة استخدام المبيدات ومكافحة الآفات، معتبرًا أن الموضوع ضخم ولا يمكن التعامل معه بصورة عشوائية.

ويطالب برصد ميزانية محددة لهذا الملف، تشمل المتابعة والرقابة وأماكن التحليل والأجهزة والمعامل، بما يسمح ببناء منظومة متكاملة لحماية صحة المواطنين.

يقول صلاح يوسف إن هناك مبيدات محظورة ومحرمة الاستخدام ومبيدات مغشوشة قد يتم تداولها فى الأسواق نتيجة غياب الرقابة، مؤكدًا أن التهريب والغش فى المبيدات ظاهرة موجودة فى دول كثيرة، وأن القضية الأساسية هى حجمها وكيفية السيطرة عليها.

ويطالب برصد المبيدات الموجودة فى الأسواق من خلال المعمل المركزى للمبيدات ولجنة مبيدات الآفات الزراعية ومعمل متبقيات المبيدات وشرطة المسطحات، مع تكثيف الرقابة على منافذ بيع المبيدات.

ويشرح أن كل دولة لديها منظومة للمبيدات المسموح بها والمحظورة، كما أن الاتحاد الأوروبى لديه قوائم خاصة بالمركبات المحظورة، وليس بالضرورة أن تتطابق قوائم جميع الدول.

ويشير إلى أن بعض المبيدات تم حظرها خلال السنوات الأخيرة لأسباب بيئية، ومنها تأثيرها على النحل والحشرات الملقحة، موضحًا أن حماية الملقحات ترتبط مباشرة بقدرة النبات على تكوين الثمار واستمرار الحياة النباتية.

ويرى أن الاستخدام الخاطئ للمبيدات نتيجة الجهل أو عدم المعرفة، إلى جانب انتشار المبيدات المهربة والمغشوشة، يمكن أن يهدد إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية وصحة النبات والتربة، فضلًا عن انتقال بعض المركبات الكيميائية فى صورة متبقيات إلى المنتجات الزراعية.

ويؤكد أن العينات العشوائية من السوق، فى رأيه، لا تكفى وحدها لتكوين صورة كاملة عن مستوى متبقيات المبيدات، مطالبًا بربط الإنتاج بالتسويق، بحيث يمكن معرفة مصدر كل منتج دخل السوق.

ويطرح فكرة تكويد المزارع، بحيث يصبح لكل مزرعة سجل واضح يمكن من خلاله معرفة المحاصيل والمبيدات المستخدمة وفترات الرش والحصاد.

ويقول إن هناك بالفعل خطة لتكويد المحاصيل بين هيئة سلامة الغذاء ووزارة الزراعة لمراقبة وأخذ العينات وتحديد المبيدات غير المصرح باستخدامها، واتخاذ إجراءات ضد المنتج المخالف، لكن تعميم ذلك على جميع مزارع مصر يحتاج إلى تمويل وتوظيف وأجهزة ومعامل وخطة زمنية واضحة.

 

باحثون: 80 % من المبيدات المتداولة مغشوشة

لا تبدأ أزمة المبيدات عند وصول الخضار والفاكهة إلى الأسواق، ولا تنتهى بمجرد غسل الثمرة قبل تناولها.. فخلف كل محصول رحلة تبدأ من المبيد الذى تستخدمه المزرعة، مرورًا بجرعته وتوقيت الرش وفترة الأمان، وانتهاءً بالحصاد والتداول والتحليل.

وفى هذه الرحلة تتقاطع المصالح التجارية مع أسئلة الرقابة، وتظهر شهادات باحثين وأساتذة متفرغين تضع منظومة المبيدات فى مصر أمام علامات استفهام عديدة: هل كل ما يتم تداوله فى الأسواق مسجل ومطابق للمواصفات؟ وهل تكفى الرقابة الحالية لمنع المبيدات المغشوشة والمحظورة؟ ومن يضمن التزام المزارع بفترة الأمان؟

وفى هذا الإطار قال عدد من الأساتذة المتفرغين وكبار الباحثين بالمعمل المركزى للمبيدات لـ«فيتو» إن ملف متبقيات المبيدات فى مصر «كارثي»، معتبرين أن المبيدات أخطر من كثير من المواد الأخرى بسبب انتشارها وتعدد طرق التعرض لها.

ويطرح أحد كبار الباحثين والأساتذة المتفرغين طلب عدم ذكر اسمه  رقمًا شديد الخطورة، إذ يقول إن كمية المبيدات المغشوشة المتداولة فى الأسواق المحلية «لا تقل عن 80%»، وفقًا لتقديراته..

ويضيف أن المبيدات المغشوشة قد تحتوى على مركبات خطرة ومحظورة، ويتحدث عن تداول مئات الأطنان من المبيدات غير المطابقة للمواصفات، محذرًا من تأثيراتها المحتملة على التربة والنبات والمياه الجوفية وصحة الإنسان والحيوان.

وفى المقابل، يؤكد رئيس بحوث متفرغ، أن الصادرات الزراعية تخضع لرقابة أكثر صرامة، لأن الشحنات التى يتم تصديرها تسحب منها عينات وتحلل للتأكد من مطابقتها للمواصفات الدولية أو الأوروبية فيما يتعلق بمتبقيات المبيدات.

غياب الرقابة على فترة الأمان

ويقول المصدر إن فترة الأمان بين آخر رشة وحصاد المحصول ثم طرحه للبيع تمثل حلقة شديدة الأهمية، ويرى أن الرقابة عليها ليست بالمستوى المطلوب.

ويضيف أن الرقابة يجب أن تبدأ من المبيد نفسه، سواء فى المحلات أو المصانع أو مراحل التوزيع، مشيرًا إلى أن عدد العاملين فى الرقابة على المبيدات، بحسب معلوماته، يبلغ نحو 11 شخصًا فقط.

ويثير تساؤلات حول المصانع المنتجة للمبيدات، حتى المرخصة منها، قائلًا إن ليس كل ما تنتجه المصانع يمكن افتراض أنه آمن بمجرد الترخيص، وإن الغش قد يكون مربحًا للغاية.

ويستشهد بارتفاع أسعار المبيدات، قائلًا إن بعض العبوات يتجاوز سعرها 1000 جنيه، ومع ذلك يرى أن وجود منتجات بأسعار لا تعكس ارتفاع تكاليف الإنتاج يثير تساؤلات حول احتمالات الغش، وهى مسألة تحتاج إلى فحص اقتصادى وفنى وليس مجرد استنتاج.

ويقول إن عدد مصانع المبيدات المرخصة بالعشرات، بينما توجد مصانع غير مرخصة، إلى جانب آلاف محال بيع المبيدات، وهو ما يجعل الرقابة الشاملة تحديًا كبيرًا.

العقوبة القديمة.. هل تتناسب مع خطورة المخالفة؟

يشير المصدر إلى أن قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 يتضمن فى بعض المخالفات المتعلقة بالمبيدات المغشوشة أو المحظور تداولها عقوبات مالية تتراوح بين 30 و100 جنيه، مع مصادرة المبيدات أو المواد محل المخالفة، متسائلًا: هل الشروع فى قتل الملايين أو نقل لهم أمراض خطيرة عقوبته الغرامة التى لا تزيد عن 100 جنيهً فقط؟.

ويعتبر المصدر أن استمرار بعض الحدود المالية القديمة لا يمثل رادعًا كافيًا أمام أرباح تجارة المبيدات المغشوشة، مطالبًا بتعديل التشريعات بما يتناسب مع طبيعة المخاطر الاقتصادية والصحية المحتملة.

ويضيف أن قسم الرقابة على المبيدات، المسؤول عن ضبط المبيدات المغشوشة والمهربة، يعانى نقصًا شديدًا فى الأفراد، وأن العاملين فيه، بحسب شهادته، لا يمتلكون جميعًا الضبطية القضائية، ما يضطرهم إلى الاستعانة بشرطة المسطحات وفقًا لظروف العمل.ويعتبر أن هذا الوضع يجعل ملف الرقابة بحاجة إلى إعادة بناء مؤسسى حقيقي.

خلاف حول «الكلوربيريفوس» و«البروفينوفوس»

يقول المصدر إن لجنة مبيدات الآفات الزراعية تعطى موافقات على كميات كبيرة من المواد الفعالة الخام، ويرى أن غياب خطط استيرادية دقيقة يمكن أن يؤدى إلى دخول كميات أكبر من احتياجات السوق.

ويذكر من بين المواد التى يعتبرها شديدة الخطورة «الكلوربيريفوس»، ويقول إن لجنة مبيدات الآفات الزراعية أصدرت فى 2026 قرارًا بإلغاء تسجيل وتداول المادة، لكنه يرى أنها ما زالت متداولة فى الأسواق.

ويشير أيضًا إلى «البروفينوفوس»، قائلًا إنه متداول فى السوق المحلى رغم عدم الموافقة عليه فى دول الاتحاد الأوروبي، وفقًا لرؤيته، ويرى أن وجود متبقياته فى الخضر والفاكهة يثير مخاوف صحية.

يطرح أحد الأساتذة المتفرغين بالمعمل المركزى للمبيدات، تساؤلًا حول ما وصفه بتسجيل أعداد كبيرة من المركبات الكيميائية، متسائلًا: كيف يمكن تسجيل نحو 1000 مركب كيميائى من مركبات المبيدات شهريًا، وهل يكفى الوقت لإجراء التجارب والفحوص اللازمة للتأكد من فعالية المركبات وسلامتها؟

ويرى أن عملية التسجيل يجب أن تقوم على الدراسات وليس على الرسوم، متهمًا منظومة التسجيل بأنها بحاجة إلى مزيد من الشفافية. ويقول أحد المصادر من المعمل المركزى للمبيدات، إن رسوم تسجيل المبيد تبلغ، وفقًا لمعلوماته، 3200 دولار لدى لجنة مبيدات الآفات، وإن العدد الكبير من عمليات التسجيل يجعل اللجنة تحصل على مبالغ كبيرة سنويًا، ويطرح تساؤلات حول أوجه إنفاقها.

ويذهب إلى أن جزءًا من هذه الأموال، من وجهة نظره، يمكن توجيهه إلى تعيين مهندسين زراعيين وتوسيع الرقابة على السوق والمزارع وتحليل عينات متبقيات المبيدات.

لجنة المبيدات.. جدل حول التخصص

ينتقل أحد الأساتذة المتفرغين، إلى لجنة مبيدات الآفات الزراعية، قائلًا إن المادة 80 من قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 وضعت إطارًا للجنة فنية علمية، وإن اللجنة تولى مسؤوليتها عبر تاريخها علماء متخصصون فى المبيدات والآفات. ويذكر من بينهم الدكتور محمد عبد المجيد، والدكتور جمال أبو المكارم، والدكتور نبيل منصور، والدكتور مصطفى كمال طلبة، باعتبارهم، بحسب وصفه، من القامات العلمية فى المجال.

ويرى المصدر أن اللجنة الحالية تحتاج إلى مراجعة تشكيلها من حيث التخصصات والخبرات العلمية، ويعتبر أن بعض الأعضاء لا ترتبط تخصصاتهم بصورة مباشرة بملف المبيدات.ويطالب بأن تكون اللجنة ذات تشكيل علمى متخصص ومستقل، قادرًا على وضع خطط للقضاء على غش المبيدات ووضع آليات لمنع استخدام المبيدات المحظورة وشديدة الخطورة.

«حبة الغلة».. واقعة تثير التساؤلات

ومن أخطر الوقائع التى طرحها المصدر ملف أقراص فوسفيد الألومنيوم المعروفة شعبيًا باسم «حبة الغلة». ويقول إن هذه الأقراص مقيدة الاستخدام، وتستخدم فى مكافحة آفات الحبوب المخزنة، ولا يسمح بتداولها بصورة عادية، مشيرًا إلى أنه فوجئ، بحسب روايته، بدخول كميات كبيرة تراوحت بين 20 و40 طنًا خلال الفترة الأخيرة، وأنه لا يعلم كيف تم الإفراج عنها.

ويقول إن خطابًا صدر من وزير التموين إلى وزير الزراعة للاستفسار عن سلامة المبيد، وإن وزير الزراعة أحال الأمر إلى المعمل المركزى للمبيدات لسحب عينة والتأكد من صلاحيته.

ويشرح المصدر أن فوسفيد الألومنيوم يستخدم فى حفظ القمح والحبوب المخزنة من السوس والآفات، وأن هناك مستحضرات مماثلة مسجلة وتخضع لنظام مقيد، بحيث تقدم الشركات طلباتها وتحصل على موافقة لجنة المبيدات، وتسحب عينة من الشحنة وتحلل قبل الإفراج عنها وتسليمها إلى الجهة التى طلبتها لكن المبيد الذى يتحدث عنه المصدر، بحسب روايته، خرج من الميناء دون الفحص والتحليل أو الحصول على موافقة لجنة المبيدات، ودخل باعتباره مواد كيميائية عادية. ويقول إن وزير التموين أرسل إلى وزير الزراعة بعد وصول الكميات إلى المخازن للتأكد من سلامتها، وإن المعمل المركزى للمبيدات أفاد بأن المادة غير مسجلة.

ويؤكد المصدر أن هذا النوع من المبيدات شديد الحساسية، وأن استخدام مادة مجهولة التركيب أو غير خاضعة للدراسات قد يحمل مخاطر غير معروفة، ولذلك يرى أن الأمر يحتاج إلى تحقيق رسمى وتحديد المسؤوليات والإجراءات التى تمت منذ دخول الشحنة وحتى تخزينها.

كما يذكر «الجليفوسات»، مشيرًا إلى وجود مواد أو استخدامات منه خضعت للحظر أو القيود، ويذكر أيضًا «الأترازين» باعتباره مادة يثار بشأنها جدل بيئى بسبب قدرتها على تلويث المياه الجوفية والتأثير فى البيئة.

ويؤكد أن المشكلة، من وجهة نظره، لا تتوقف عند صدور قرار حظر مادة على الورق، وإنما فى قدرة الأجهزة على منع وصولها إلى المزارع والأسواق.

ويقدم أستاذ بمعهد بحوث وقاية النباتات بمركز البحوث الزراعية رؤية أكثر تحفظًا من الناحية العلمية.

ويقول إن العلم لا يستطيع القول إن هناك سببًا واحدًا للإصابة بالسرطان، لأن هناك عوامل كثيرة، ومن بينها التعرض لبعض الملوثات والمواد الكيميائية، بما فى ذلك بعض متبقيات المبيدات وفقًا لطبيعة المادة ومستوى التعرض.

ويشرح أن بعض المواد المصنفة شديدة الخطورة يمكن أن ترتبط، بحسب نتائج دراسات السمية الخاصة بها، بمخاطر تشمل تأثيرات على الكبد والجهاز العصبى واضطرابات الخصوبة والجهاز المناعي، لكنه يؤكد أن تحديد العلاقة السببية لدى البشر يحتاج إلى أدلة ودراسات مناسبة.

هل يمكن التلاعب فى عينات المبيدات؟

يطرح خبير وقاية النباتات سؤالًا آخر حول إمكانية التلاعب فى نتائج بعض عينات المبيدات، ويقول إن هناك واقعة، بحسب ما يتذكر.

ويؤكد أن شركات المبيدات لديها مصالح اقتصادية كبيرة فى الحصول على الموافقات والتسجيلات وطرح منتجاتها فى السوق. ويقول إن السوق يحتاج إلى أعداد كبيرة من المبيدات لمكافحة الآفات على مدار العام، وإن عدد المصانع، الذى يقدره بنحو 48 مصنعًا، لا يكفى وحده لتلبية احتياجات السوق، بحسب تقديره، وهو ما يخلق، فى رأيه، مساحة للمبيدات المغشوشة.

التسجيل يبدأ قبل وصول المبيد إلى المزرعة

ويقدم باحث وخبير فى مجال تحاليل متبقيات المبيدات، يعمل أستاذًا متفرغًا بالمعمل المركزى لتحليل متبقيات المبيدات، رؤية تبدأ من المصنع. ويقول إن ملف متبقيات المبيدات يبدأ من الشركات المصنعة، ثم المعمل المركزى للمبيدات، ثم لجنة مبيدات الآفات الزراعية التى ترخص المبيد وتسمح بتسجيله أو ترفضه.

ويشير إلى أن تسجيل المبيد يستغرق، بحسب النظام الذى يتحدث عنه، نحو ثلاث سنوات حتى يتم تجريبه، ثم يأتى دور المزارع الذى يجب أن يلتزم بالجرعة الموصى بها وموعد الرش وموعد الحصاد وفترة الأمان. ويصف ملف الرقابة على المبيدات فى السوق المصرى بأنه «مصيبة سوداء» وملف شديد التعقيد، ويرى أن إدارته تحتاج إلى متخصصين وعلماء.

ويعتبر أن من النقاط الإيجابية فى المنظومة حاليًا تطوير المعمل المركزى للمبيدات، مشيرًا إلى أن الدكتور فرج محمود، مدير المعمل، عمل على برنامج لتطوير قسم تحليل المبيدات وتزويده بأجهزة حديثة.

لكن الباحث يرى أن المشكلة تحتاج إلى إعادة هيكلة المنظومة كلها، وخاصة قسم الرقابة على المبيدات.

ويطالب بوجود جهاز رقابى قوى فى كل محافظة، وتحسين أجور العاملين فى الرقابة، بما يضمن استقلالهم وقدرتهم على أداء عملهم، وسحب العينات من المخازن وإرسالها إلى المعامل واتخاذ إجراءات رادعة عند ثبوت المخالفة.

العينة الواحدة لا تكفى للحكم

ويطرح الباحث نقطة شديدة الأهمية تتعلق بطريقة أخذ العينات، خاصة عندما تتعامل شركات التصدير مع مزارعين صغار. ويقول إن بعض الشركات الكبرى تحصل على محاصيل من مزارعين صغار قد لا يمتلكون المعرفة الكافية بجرعات المبيدات وعدد مرات الرش.

ويطرح تساؤلًا: كيف يمكن أخذ عينة واحدة والحكم من خلالها على محصول عشرة أفدنة؟ وكيف يمكن الحكم على سلامة 10 آلاف طن من خلال عينة واحدة؟. ويؤكد أن أخذ عينة ممثلة لمتبقيات المبيدات له طرق محددة وخطوات دقيقة فى اختيار أماكن العينات وطريقة جمعها وحفظها وتحليلها.

وفى المقابل، يرى أن عينات هيئة سلامة الغذاء تكون ممثلة وفقًا للإجراءات العلمية المعتمدة، لأنها تعتمد على قواعد ودراسات محددة فى أخذ العينات.

لماذا لا يكفى غسل الثمرة؟

يحذر الباحث من نوع آخر من المبيدات، وهو المبيد «السيستمك»، الذى يدخل إلى أنسجة النبات ولا يبقى فقط على سطح الثمرة. ويضرب مثالًا بمبيد «التيمك»، الذى يقول إنه من المبيدات عالية السمية وتم حظره منذ سنوات فى مصر ودول أخرى لشدة سميته على الإنسان والحيوان ولأنه يترك مجمعات سامة ومسرطنة تنتقل عبر الثمار والمحاصيل التى تؤكل.

ويقول إن خطورة هذا النوع، إذا كان غير مسموح باستخدامه وتم تداوله فى السوق المحلي، تتمثل فى أن غسل الثمرة من الخارج لا يعنى إزالة المركب الذى دخل إلى داخل أنسجة النبات، مستشهدًا بما عُرف فى الماضى بمشكلة البطيخ، معتبرًا أن غياب الرقابة يمكن أن يسمح بظهور مثل هذه المبيدات فى السوق.

نقلا عن الجريدة الورقية

الجريدة الرسمية