رئيس التحرير
عصام كامل

جنون أسعار الدواء يصيب العلاج على نفقة الدولة.. أدوية الأورام تلتهم 4.75 مليارات جنيه سنويًا.. والكلى 4.7 مليارات.. ومرضى يشتكون: ندفع من جيوبنا

أسعار الأدوية
أسعار الأدوية
18 حجم الخط

فى الوقت الذى تتحدث فيه الحكومة عن مليارات الجنيهات التى تنفقها سنويًا لتوفير العلاج للمرضى غير القادرين، تكشف شكاوى المرضى وشهادات المتخصصين عن جانب آخر من الصورة؛ جانبًا لا يظهر فى جداول الإنفاق، لكنه يظهر بوضوح أمام المريض عندما يذهب إلى المستشفى بحثًا عن علاج، فيكتشف أن قيمة القرار الصادر لعلاجه لا تكفى لتغطية احتياجاته الفعلية.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بحجم ما تنفقه الدولة، وإنما بمدى قدرة هذا الإنفاق على الوصول إلى المريض فى صورة علاج كامل ومنتظم. فبينما ترتفع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، وتزداد تكلفة العمليات والعلاجات المتخصصة، تظل بعض قرارات العلاج على نفقة الدولة بقيم مالية لا تواكب التكلفة الفعلية، لتنتقل الفجوة فى النهاية إلى جيب المريض نفسه.

وتكشف أرقام منظومة العلاج على نفقة الدولة عن حجم ضخم من الإنفاق، خاصة فى الأمراض التى تحتاج إلى علاج طويل ومكلف، وعلى رأسها الأورام وأمراض الكلى والأمراض المزمنة والتصلب المتعدد، لكن الشهادات التى رصدتها «فيتو» تشير إلى أن ارتفاع المخصصات المالية لا يعنى بالضرورة أن المريض يحصل على كل ما يحتاجه من علاج.

4.75 مليارات جنيه للأورام

تتصدر أمراض الأورام قائمة الإنفاق الدوائى فى منظومة العلاج على نفقة الدولة، بعدما استحوذت على نحو 4.75 مليارات جنيه سنويًا لتوفير الأدوية اللازمة للمرضى. وجاء هذا الإنفاق من خلال نحو 370 ألف قرار علاج استفاد منها قرابة 300 ألف مريض، بمتوسط تكلفة شهرية يُقدَّر بنحو 400 مليون جنيه.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم العبء المالى الذى تتحمله الدولة فى مواجهة الأمراض السرطانية، خصوصًا أن علاج الأورام لا يرتبط غالبًا بجرعة أو مرحلة علاجية قصيرة، وإنما يحتاج المرضى فى كثير من الحالات إلى أدوية متخصصة ومكلفة وبرامج علاجية ممتدة.

ومع ارتفاع أسعار الأدوية، تصبح قيمة القرار الصادر للمريض عاملًا حاسمًا فى قدرته على استكمال علاجه، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحًا: هل تتغير قيمة قرارات العلاج بالسرعة نفسها التى تتغير بها أسعار الأدوية؟

وجاءت أمراض الكلى والغسيل الكلوى وأدوية مرضى الكلى فى المرتبة التالية من حيث التكلفة، بإجمالى إنفاق سنوى بلغ 4.7 مليارات جنيه، من خلال 48 ألف قرار استفاد منها 124 ألف مريض، بمتوسط تكلفة شهرية يصل إلى 391 مليون جنيه.

كما خصصت منظومة العلاج على نفقة الدولة 3.9 مليارات جنيه سنويًا لتوفير أدوية مرضى الأمراض المزمنة، ومن بينها الضغط والسكر وأمراض القلب، وذلك من خلال 900 ألف قرار علاج استفاد منها 1.5 مليون مريض، بمتوسط إنفاق شهرى يبلغ 325 مليون جنيه.

وفيما يتعلق بمرضى التصلب المتعدد، بلغت تكلفة العلاج الدوائى 1.5 مليار جنيه سنويًا، من خلال 23 ألف قرار علاج استفاد منها 89 ألف مريض، بمتوسط تكلفة شهرية يُقدَّر بنحو 125 مليون جنيه.

الإنفاق يتصاعد مع احتياجات العلاج

«فيتو» التقت مريضة كانت تحتاج إلى إجراء عملية استئصال رحم بشكل عاجل داخل المستشفيات، حيث أصر المستشفى على عدم إجراء الجراحة إلا بعد صدور قرار العلاج.

وتظهر من بين الشكاوى معاناة مرضى الهيموفيليا، حيث يشير المرضى إلى أن قرارات العلاج على نفقة الدولة لا تتضمن العلاجات الحديثة التى يحتاجون إليها، فضلًا عن مطالبتهم بوجود ضمانات واضحة تضمن حصولهم على العلاج فى حالات الطوارئ، دون أن يمثل انتظار القرار عائقًا أمام حصولهم على الرعاية.

وتزيد أهمية سرعة التعامل مع حالات الطوارئ فى ظل طبيعة مرض الهيموفيليا، الذى يحتاج إلى تدخل علاجى سريع.

وبحسب بيانات وزارة الصحة، فإن المجالس الطبية المتخصصة تصدر 14 ألف قرار علاج على نفقة الدولة يوميًا، وبلغ متوسط الإنفاق اليومى على قرارات العلاج على نفقة الدولة ما يصل إلى 95 مليون جنيه، ويتم إصدار 4 ملايين قرار سنويًا، بتكلفة تصل إلى 34 مليار جنيه.

المريض يدفع الفاتورة من جيبه

من جانبه، قال محمود فؤاد، مدير مركز الحق فى الدواء، إن قرارات العلاج على نفقة الدولة تصدر فى كثير من الحالات دون أن تغطى التكلفة المالية الكاملة التى يحتاجها المريض للحصول على العلاج، فى ظل الارتفاع المستمر فى أسعار الأدوية.

وأوضح لـ«فيتو» أن المرضى يشكون بصورة متكررة من أن قيمة قرارات العلاج على نفقة الدولة تكون أقل من احتياجاتهم الفعلية، الأمر الذى يضطر المريض إلى استكمال الجزء المتبقى من تكلفة العلاج على نفقته الخاصة، مشيرًا إلى أن هذه الفجوة تمثل عبئًا إضافيًا على المرضى، سواء فى العمليات الجراحية أو فى قرارات صرف الأدوية.

وأوضح محمود فؤاد أن المشكلة تظهر، على سبيل المثال، فى بعض العمليات الجراحية، حيث يصدر قرار العلاج على نفقة الدولة بقيمة مالية محددة، بينما تكون تكلفة العملية الفعلية أعلى من قيمة القرار.

وفى هذه الحالة يجد المريض نفسه أمام خيار صعب، إذ يضطر إلى دفع فرق التكلفة من ماله الخاص حتى يتمكن من إجراء العملية، وبذلك يتحول قرار العلاج الذى يُفترض أن يخفف العبء عن المريض غير القادر إلى تغطية جزئية فقط، بينما يتحمل المريض الجزء الآخر وفقًا للفارق بين قيمة القرار والتكلفة الفعلية.

ويقول مدير مركز الحق فى الدواء إن قرارات صرف الأدوية يتم إصدارها فى بعض الحالات لمدة 6 أشهر، بينما يصرف المستشفى للمريض علاجًا لمدة 3 أشهر فقط. وهنا يضطر المريض إلى تعويض الفرق من جيبه، فى الوقت الذى ينتظر فيه مرور 6 أشهر حتى يستطيع تجديد القرار.

وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا بالنسبة للمريض الذى يعتمد على الدواء بصورة مستمرة؛ فاحتياجه لا يتوقف بانتهاء الكمية التى صرفتها المستشفى، بينما القرار نفسه له مدة زمنية محددة وآلية تجديد قد لا تتناسب مع احتياجات العلاج الفعلية.

وأشار محمود فؤاد إلى أن ارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية يزيد من الفجوة بين القيمة المالية التى يغطيها قرار العلاج والتكلفة الفعلية للعلاج، مؤكدًا أن المشكلة لا تقتصر على مرض بعينه، وإنما تمتد إلى مختلف الأمراض والتخصصات التى يتلقى أصحابها العلاج على نفقة الدولة.

وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد أرقام فى موازنة أو عدد قرارات علاج صادرة؛ فكل زيادة فى أسعار الدواء أو المستلزمات الطبية تعنى عمليًا أن القيمة المحددة للقرار قد تفقد جزءًا من قدرتها الشرائية، ما لم تتم مراجعتها بصورة تتناسب مع الأسعار الجديدة.

وشدد مدير مركز الحق فى الدواء على أهمية إعادة النظر فى القيمة المالية المخصصة لقرارات العلاج على نفقة الدولة، بحيث تتناسب مع الزيادة الحالية فى أسعار الأدوية، فالمعادلة، بحسب ما تكشفه شكاوى المرضى، لا تتعلق فقط بزيادة الإنفاق الحكومي، وإنما بضرورة أن يكون هذا الإنفاق متناسبًا مع الأسعار الفعلية للعلاج، حتى لا يجد المريض نفسه مضطرًا إلى دفع فارق التكلفة من جيبه رغم صدور قرار بعلاجه على نفقة الدولة.

الثلاسيميا.. مرضى يحتاجون الدم والدواء معًا

وتقول الدكتورة آمال البشلاوي، أستاذ أمراض الدم بكلية طب القصر العيني، إن مرضى الثلاسيميا يواجهون عددًا من الصعوبات لتوفير الدم والعلاج اللازم لخفض مستويات الحديد فى الجسم، موضحة أن عدم انتظام حصول المريض على الدم الكافى أو عدم توافر الأدوية يؤثر سلبًا على حالته الصحية، لأن العلاج فى هذه الحالات لا يقوم على عنصر واحد، وإنما يحتاج إلى توافر الدم من ناحية، والأدوية التى تساعد على التعامل مع آثار نقل الدم المتكرر من ناحية أخرى.

وأضافت البشلاوى لـ«فيتو» أن قرار العلاج على نفقة الدولة لمرضى الثلاسيميا لا يكون كافيًا فى كثير من الحالات لتغطية الاحتياجات الخاصة بشراء أكياس الدم، موضحة أن تكرار نقل الدم للمريض يؤدى إلى مشكلة أخرى، إذ لا يستطيع الجسم التخلص من الحديد الناتج عن عمليات نقل الدم بصورة طبيعية، فيبدأ الحديد فى التراكم داخل أعضاء الجسم.

ويؤثر تراكم الحديد على الكبد والطحال والغدد، وهو ما يجعل حصول المريض على أكياس الدم والأدوية اللازمة أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على حالته الصحية. لكن المشكلة، بحسب أستاذ أمراض الدم، أن قرارات العلاج على نفقة الدولة لا تغطى التكلفة المطلوبة بصورة كاملة.

وتلفت الدكتورة آمال البشلاوى إلى أن قرار العلاج يتم تجديده كل 6 أشهر، إلا أن التكلفة المحددة فى القرار لا تكفى المريض لتوفير علاجاته لأكثر من 3 أشهر. وهنا يجد المريض نفسه أمام فجوة واضحة بين مدة القرار ومدة العلاج التى يستطيع الحصول عليها فعليًا بالقيمة المحددة.

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية