بعد إعادة بعض الحالات لنظام الشرائح.. ما مصير فروق الأموال المتحصلة من أصحاب العدادات الكودية؟.. المواطن يدفع و"الكهرباء" مطالبة بكشف الحساب
لم تعد قضية العدادات الكودية مجرد خلاف على سعر كيلووات الكهرباء، ولا يصح اختزالها فى عبارة «العقار مخالف.. إذن يدفع سعر التكلفة». فالقضية أكبر من ذلك بكثير، لأن وراءها قاعدة محاسبة تغيرت، وملايين العدادات، وفروقًا مالية يمكن أن تصل إلى عشرات المليارات، والأهم مواطنون وجدوا أنفسهم أمام سعر جديد لم يتغير معه العداد ولا الاستهلاك، وإنما تغيرت فقط طريقة الحساب.
قرار «الجديدة فقط».. فمن غيّر القاعدة؟
الحكاية بدأت فى أغسطس 2024، عندما أعلنت وزارة الكهرباء تطبيق قواعد جديدة على العدادات الكودية التى يتم تركيبها للعقارات والمنشآت المخالفة، وكان القرار رقم 142 لسنة 2024 يخص العدادات الجديدة التى سيتم تركيبها بعد صدوره، بحيث تتم محاسبتها بسعر موحد بدلًا من نظام الشرائح. وهنا توجد نقطة شديدة الأهمية، لأن التصريحات التى أعقبت القرار أكدت أن الأمر لا ينطبق على العدادات الكودية التى سبق تركيبها. وفى سبتمبر 2024 تم التأكيد على أن القرار يخص العدادات الجديدة، وليس العدادات الموجودة بالفعل، أى أن المواطن الذى كان لديه عداد كودى قبل صدور القرار لم يكن يفترض أن يدخل تلقائيًا فى نظام المحاسبة الجديد. ولم يكن ذلك مجرد تصريح عابر؛ ففى يناير 2026 نُقل عن مصدر مسؤول بوزارة الكهرباء أن العدادات الكودية التى تم تركيبها قبل 27 أغسطس 2024 تتم محاسبتها وفق شرائح الاستهلاك، بينما العدادات التى تم تركيبها بعد هذا التاريخ تخضع للتعريفة الموحدة. بمعنى آخر، كانت هناك قاعدة واضحة: عداد كودى قديم قبل 27 أغسطس 2024، وعدّاد كودى جديد بعد هذا التاريخ. ثم جاءت تعريفة 2026، وهنا بدأت القصة تأخذ منحى مختلفًا. أصبح سعر محاسبة العدادات الكودية 2.74 جنيه للكيلووات/ساعة، فى الوقت الذى استمرت فيه شرائح الاستهلاك المنزلى بأسعار أقل بكثير. وهنا يظهر السؤال الذى لا يمكن تجاهله: ماذا حدث بين يناير وأبريل 2026؟ وكيف انتقل المواطن صاحب العداد الكودى القديم من نظام الشرائح إلى سعر موحد يبلغ 2.74 جنيه للكيلووات؟
190 كيلووات تكشف فاتورة الزيادة
لنأخذ حالة بسيطة جدًا. مواطن يستهلك 190 كيلووات/ساعة شهريًا. وفق سعر 95 قرشًا للكيلووات فى الشريحة من 101 إلى 200 كيلووات، تبلغ قيمة استهلاكه 180.5 جنيه. أما إذا حُسب الاستهلاك بسعر 2.74 جنيه للكيلووات، فستصبح القيمة 520.6 جنيه. الفارق 340.1 جنيه فى شهر واحد، أى نحو 4.081 جنيها خلال عام للعداد الواحد، وفق هذا السيناريو الحسابي. المواطن هنا لم يستهلك كيلووات إضافيًا، ولم يطلب قدرة جديدة، ولم يغير العداد، ولم يحصل على خدمة مختلفة. الذى تغير هو طريقة المحاسبة.
عشرات المليارات.. والرقم الرسمى غائب
وهنا تبدأ الأرقام فى اكتساب خطورتها الحقيقية. فقد ظهرت خلال الفترة الماضية تقديرات مختلفة لأعداد العدادات الكودية، وتحدثت تصريحات عن ملايين العدادات، بينما ظهرت لاحقًا أرقام أقل. وهذا التباين نفسه يحتاج إلى حسم رسمي، لأن الوزارة وشركات التوزيع تعرف عدد العدادات الموجودة لديها، وتاريخ تركيب كل عداد، ومتوسط استهلاكه، ونظام المحاسبة الذى كان مطبقًا عليه. فلماذا لا تعلن الوزارة كشفًا واضحًا؟ كم عدد العدادات الكودية الموجودة حاليًا؟ كم منها رُكب قبل 27 أغسطس 2024؟ كم منها رُكب بعد هذا التاريخ؟ وكم عدادًا انتقل بالفعل إلى سعر 2.74 جنيه؟ لا نحتاج إلى تقديرات إذا كانت البيانات الفعلية موجودة. لكن حتى الحساب الافتراضى يكشف حجم القضية. إذا افترضنا أن الفارق السنوى فى حالة استهلاك 190 كيلووات يبلغ 4.081 جنيهًا، فإن عشرة ملايين عداد فى الحالة نفسها تعنى أكثر من 40 مليار جنيه سنويًا. وهذا الرقم ليس حصيلة فعلية، ولا يعنى أن عشرة ملايين عداد تستهلك 190 كيلووات شهريًا أو أنها جميعًا خضعت للسعر الموحد، وإنما هو مجرد سيناريو حسابى يوضح حجم الأثر المحتمل عندما نتحدث عن ملايين العدادات. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: هل تمت دراسة الأثر المالى والاجتماعى قبل تغيير طريقة المحاسبة؟ وهل جرى حصر الحالات التى ينطبق عليها سعر التكلفة أولًا، أم أن القاعدة طُبقت على نطاق واسع ثم بدأت عمليات التصحيح وإعادة بعض الحالات إلى الشرائح؟
القانون يقول شيئًا.. والتطبيق يقول آخر
القانون نفسه يفتح بابًا آخر للأسئلة. فالمادة العاشرة من قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 تتحدث عن العقار المخالف الذى لم يقدم بشأنه طلب تصالح أو رُفض طلبه، وتنص على أنه إذا كان العقار قد سبق إمداده بالمرافق تتم محاسبة استهلاك الخدمات بسعر التكلفة دون دعم. لكن النص يتحدث عن حالة قانونية محددة، وليس عن مجرد وجود عداد كودي. وهنا يصبح السؤال: ماذا عن المواطن الذى قدم طلب تصالح وما زال طلبه قائمًا؟ وماذا عن المواطن الذى حصل على شهادة تصالح؟ وماذا عن المبانى القديمة؟ وهل مجرد وجود عداد كودى يكفى وحده لتحديد طريقة المحاسبة، أم أن المركز القانونى للعقار يجب أن يكون هو الأساس؟ القضية هنا ليست منح مخالفات البناء دعمًا لا يستحقه، وليست اعتراضًا على حق الدولة فى مواجهة سرقة الكهرباء. الدولة من حقها تطبيق القانون، ومن حقها تحصيل تكلفة الاستهلاك من الحالات التى حدد القانون معاملتها بسعر التكلفة. لكن هناك فارق بين مكافحة سرقة الكهرباء وبين محاسبة مواطن لديه عداد قامت شركة الكهرباء نفسها بتركيبه، ويقيس استهلاكه، ويتم شحنه مقدمًا، وظل لسنوات داخل نظام معلن للمحاسبة. العداد الكودى لا يمنح شرعية للعقار، وهذه حقيقة لا خلاف عليها، لكنه فى الوقت نفسه يحول الاستهلاك من تيار غير مقاس إلى استهلاك مقاس ومُحصّل. ولذلك فإن مجرد وجود كلمة «كودي» على العداد لا يجب أن يكون وحده معيارًا لتحديد سعر الكهرباء، إذا كان القانون نفسه يفرق بين حالات قانونية مختلفة.
عادوا إلى الشرائح.. فمن يرد ما دفعوه؟
الوقائع اللاحقة تجعل السؤال أكثر إلحاحًا. فقد أعلنت وزارة الكهرباء لاحقًا إعادة بعض الحالات إلى نظام الشرائح، ومنها الحالات التى أنهت إجراءات التصالح أو توفيق الأوضاع، كما أعلنت الشركة القابضة لكهرباء مصر فى سبتمبر 2026 أن إجمالى العدادات المستهدف تحويلها للحالات التى صدرت لها شهادات تصالح يبلغ 1.2 مليون عداد، وأن 605 آلاف عداد تم تحويلها بالفعل. كما وجهت شركات التوزيع إلى تحويل نظام المحاسبة إلى الشرائح بمجرد توافر موافقة توصيل المرافق، حتى قبل استكمال إجراءات التعاقد النهائي. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: إذا كان المركز القانونى للعقار هو الذى يحدد فى النهاية نظام المحاسبة، فلماذا لا يتم فرز الحالات أولًا ثم تطبيق التعريفة المناسبة لكل حالة؟ ولماذا يبدأ المواطن بسعر موحد، ثم يدخل بعد ذلك فى رحلة لإثبات أنه يستحق الشرائح؟ والسؤال الأخطر: ماذا عن الفروق التى دفعها المواطن خلال الفترة التى حُوسب فيها بالسعر الموحد، ثم ثبت بعد ذلك أن حالته تستحق العودة إلى الشرائح؟ هل تتم إعادة الفروق؟ أم أن التصحيح يبدأ من تاريخ التحويل فقط؟ هذه ليست مسألة هامشية، لأن الفارق فى حالة واحدة قد يبدو محدودًا، لكنه عندما يتكرر على مئات الآلاف أو الملايين من العدادات يتحول إلى أرقام ضخمة.
أين كانت حماية المستهلك ؟
وهنا يأتى دور جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك. فحماية المستهلك لا تعنى منع الدولة من تحصيل مستحقاتها، وإنما تعنى أن يعرف المواطن القاعدة التى تتم محاسبته على أساسها: لماذا تغير السعر؟ ومتى تغير؟ وبأى قرار؟ وهل القرار ينطبق عليه؟ وما موقف عقاره القانوني؟ وكيف يمكنه الاعتراض؟ ومن يراجع الفروق إذا تبين لاحقًا أنه كان يستحق المحاسبة بالشرائح؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا، خصوصًا عندما نتحدث عن ملايين العدادات ومليارات الجنيهات. المواطن الذى كان يدفع، فى مثال استهلاك 190 كيلووات، نحو 180.5 جنيه لقيمة الطاقة، ثم وجد نفسه أمام 520.6 جنيه، يحتاج إلى تفسير واضح للفارق. ولا يكفى أن يقال له: «لأن العداد كودي»، لأن السؤال التالى سيكون منطقيًا: هل كل العدادات الكودية لها المركز القانونى نفسه؟ والوقائع تقول إن الإجابة ليست بهذه البساطة، بدليل أن الدولة نفسها بدأت تعيد بعض الحالات إلى نظام الشرائح بعد التصالح أو توفيق الأوضاع. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس بيانات عامة أو تصريحات متفرقة، وإنما كشف حساب كامل: كم عدد العدادات الكودية؟ كم منها رُكب قبل 27 أغسطس 2024؟ كم منها ركب بعد هذا التاريخ؟ كم عدادًا كان يعمل بنظام الشرائح حتى مارس 2026؟ كم عدادًا انتقل إلى سعر 2.74 جنيه؟ كم بلغت الزيادة الفعلية فى قيمة التحصيل؟ كم حالة أعيدت إلى الشرائح؟ وكم بلغت الفروق التى دفعها المواطنون قبل إعادة تصحيح أوضاعهم؟ هذه البيانات موجودة لدى شركات التوزيع، وليست معلومات يستحيل الوصول إليها. وعندما تُعلن، يمكن وقتها أن نعرف حجم المليارات الحقيقي، بدلًا من ترك الملف للتقديرات والافتراضات. فالعداد الكودى ليس مجرد قطعة مثبتة على حائط. وراء كل عداد أسرة، واستهلاك، وفاتورة، وقاعدة محاسبة. وحين تتغير القاعدة، من حق المواطن أن يعرف. من «الجديدة فقط» فى 2024، إلى التأكيد فى بداية 2026 على استمرار الشرائح للعدادات القديمة، إلى سعر موحد بلغ 2.74 جنيه، ثم إعادة بعض الحالات إلى الشرائح بعد التصالح وتوفيق الأوضاع.. نحن أمام رحلة تنظيمية تحتاج إلى تفسير واضح. المواطن لا يرفض دفع ثمن الكهرباء التى استهلكها، والدولة من حقها تحصيل مستحقاتها كاملة، لكن بين حق الدولة وحق المواطن توجد قاعدة واحدة لا يجوز أن تضيع: أن تكون المحاسبة واضحة، ومعلنة، ومبنية على مركز قانونى محدد، لا على مجرد كلمة «كودي». ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت الشرائح قد عادت لبعض أصحاب العدادات الكودية.. فمن دفع الفارق قبل أن تعود؟ وأين ذهبت المليارات؟
