مطالب بإصدار قانون متكامل للسوق العقارية وتنظيم المنصات للحد من البيانات المضللة
دعا المهندس أحمد أبو زيد، الخبير العقاري، إلى إعادة صياغة مشروع قانون التطوير العقاري المتداول تحت مسمى «قانون اتحاد المطورين العقاريين»، مؤكدًا أن التحدي التشريعي الحقيقي يتجاوز إنشاء أو تنظيم كيان مهني للمطورين، ويتطلب وضع إطار تشريعي متكامل ينظم السوق العقارية بجميع أطرافها والعلاقات التي تربط بينها.
وقال أبو زيد: «إن تسمية المشروع بقانون اتحاد المطورين العقاريين لا تعكس نطاق القضية المطروحة ولا حجم التحديات التي تواجه السوق. نحن لا نحتاج إلى قانون ينظم كيانًا مهنيًا واحدًا، وإنما إلى قانون متكامل ينظم السوق والمنظومة العقارية في مصر».
وأوضح أن السوق العقارية المصرية شهدت تطورات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، سواء في نماذج المشروعات وطرق التمويل أو البيع على الخريطة والتسويق الرقمي، إلى جانب تزايد دور المستثمرين والمصريين في الخارج، وهو ما يستدعي تطوير الإطار التشريعي بما يواكب هذه المتغيرات ويحدد بوضوح حقوق والتزامات جميع الأطراف.
وأضاف: «عندما نتحدث عن التطوير العقاري، لا ينبغي أن نحصر الأمر في العلاقة بين المطور والمشتري فقط. فهناك منظومة متكاملة تبدأ من الأرض والتراخيص والتمويل، وتشمل المطور والمقاول والمقاولين من الباطن والاستشاري والمورد والسمسار وشركات التسويق والمنصات الإلكترونية والبنوك وشركات الإدارة والصيانة، وصولًا إلى المشتري أو المستثمر. وكل هذه العلاقات تحتاج إلى قواعد واضحة ومتوازنة».
وأكد أبو زيد أن القطاع العقاري يمثل أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد المصري، نظرًا لارتباطه المباشر بعدد كبير من القطاعات والأنشطة الاقتصادية، من بينها المقاولات والصناعات الهندسية ومواد البناء والنقل والتمويل والتشغيل والتجارة والسياحة والخدمات المهنية.
وأشار إلى أن أي خلل في تنظيم السوق لا تقتصر تداعياته على المطور أو المشتري، وإنما تمتد إلى المقاولين والموردين والبنوك والعمالة وغيرها من الأطراف المرتبطة بالنشاط العقاري.
وقال: «التشريع العقاري المطلوب يجب أن يكون تشريعًا اقتصاديًا وتنمويًا من الدرجة الأولى، يضع قواعد مستقرة وقابلة للتطور لقطاع يرتبط بالاستثمار والتشغيل وتكوين الأصول وتنمية المدن وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية».
وطالب أبو زيد بأن يتضمن القانون الجديد إطارًا متكاملًا لتنظيم السوق، يشمل قيد وتصنيف المطورين وفق معايير موضوعية، واعتماد المشروعات ومراحلها قبل الإعلان أو التعاقد، والإفصاح عن الموقف القانوني والمالي والفني للمشروعات، إلى جانب تنظيم البيع على الخريطة وحماية أموال المتعاقدين.
كما دعا إلى تنظيم حسابات المشروعات وحسابات الضمان، ووضع مسودة عقد مرجعية تحدد الحد الأدنى من الحقوق والالتزامات بين المطور والمشتري، وتنظيم العلاقات بين المطورين والمقاولين والاستشاريين والموردين، فضلًا عن وضع إطار واضح لترخيص وتنظيم نشاط السمسرة والوساطة وشركات التسويق العقاري.
وشدد على أهمية تنظيم الإعلانات والمنصات العقارية والحد من البيانات المضللة، ووضع آليات للإنذار المبكر والتدخل في حالة تعثر المشروعات، إلى جانب تنظيم الصيانة والإدارة واتحادات الشاغلين، وتطوير آليات فض المنازعات والتظلمات، ودعم التحول الرقمي والترميز العقاري، بما يعزز في الوقت نفسه قدرة السوق المصرية على التوسع في التصدير العقاري.
وأوضح أبو زيد أن حساب الضمان أو الحساب المستقل للمشروع يمثل أداة مهمة لحماية أموال المتعاقدين وتعزيز الانضباط المالي للمشروعات، إلا أنه يجب أن يأتي ضمن منظومة رقابية وتشريعية متكاملة.
وقال: «حساب الضمان مهم، لكنه جزء من الحل وليس الحل كله. فالحماية الفعلية تحتاج أيضًا إلى الإفصاح المالي والفني، وتصنيف المطورين، ومتابعة نسب الإنجاز، ومراقبة مستحقات المقاولين، ووضع نظام للإنذار المبكر وآلية واضحة للتدخل والتعامل مع المشروعات المتعثرة».
وأشار إلى أهمية أن يتضمن القانون مسودة عقد مرجعية بين المطور والمشتري تحدد البيانات والحقوق والالتزامات الأساسية الواجب توافرها في العقود، مع السماح للمطور بإضافة الشروط المرتبطة بطبيعة كل مشروع أو وحدة، شريطة ألا تتعارض مع القانون أو تنتقص من حقوق المتعاقدين.
وأضاف: «وجود مسودة عقد مرجعية لا يعني فرض عقد موحد وجامد على جميع المشروعات، وإنما يضمن وجود حد أدنى واضح من الحقوق والالتزامات التي تحمي الطرفين، مع الحفاظ على المرونة اللازمة لاختلاف طبيعة المشروعات».
وشدد على أهمية إدارة حسابات الضمان من خلال بنوك مرخصة، وربط عمليات الصرف بنسب الإنجاز والبرامج الزمنية والتقارير المعتمدة بمعايير واضحة ومنظمة بكا لايدع مجالا للشك، بما يحقق الحماية المطلوبة دون الإخلال بإمكانية التمويل المصرفي أو بحقوق المتعاقدين والمقاولين.
ونبه أبو زيد على أن تنظيم السوق العقارية لن يكتمل دون إطار واضح لنشاط السمسرة والوساطة والتسويق والإعلان العقاري، باعتبارها من العناصر المؤثرة بصورة مباشرة في العلاقة بين المطور والمشتري.
وأوضح أن التنظيم يجب أن يشمل شروط الترخيص وممارسة النشاط، والإفصاح عن العمولات وحالات تعارض المصالح، وتحديد المسؤولية عن صحة المعلومات والبيانات المقدمة للعملاء، إلى جانب وضع ضوابط للإعلانات والمنصات الإلكترونية ومنع الإعلان عن المشروعات غير المعتمدة أو نشر معلومات غير دقيقة أو مضللة.
ورحب أبو زيد بإدراج أدوات التحول الرقمي ضمن الإطار التشريعي الجديد، بما يشمل الترميز العقاري والسجلات الإلكترونية الموزعة وتقنيات البلوكتشين وحسابات الضمان الإلكترونية، لما يمكن أن توفره من مستويات أعلى من الشفافية وقابلية تتبع البيانات والتعاملات.
وأكد في الوقت نفسه ضرورة تطبيق هذه الأدوات ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح، قائلًا: «الترميز العقاري والبلوكتشين يمكن أن يسهما في تعريف العقار وتتبع البيانات والأموال، لكنهما لا ينبغي أن يكونا بديلًا عن التسجيل العقاري الرسمي، أو أن ينشئا بمفردهما ملكية أو حقًا عينيًا في مواجهة الغير. التكنولوجيا أداة لتطوير المنظومة وليست بديلًا عن القانون».
ونوه أبو زيد إلى أن الدعوة إلى قانون شامل لتنظيم السوق لا تستهدف إلغاء غرفة التطوير العقاري أو الانتقاص من دور الغرف والاتحادات والجمعيات المهنية، مشيرًا إلى أهمية دور هذه الكيانات في تمثيل مصالح أعضائها، وتقديم الدراسات والمقترحات، والمشاركة في الحوار التشريعي، ودعم التدريب وتطوير الممارسات المهنية.
وقال: «المطلوب هو الفصل بوضوح بين التمثيل المهني من جهة، والتنظيم والرقابة من جهة أخرى. الغرف والاتحادات تمثل القطاع وتقدم الرأي والمقترحات، بينما تتولى الدولة أو الجهة التنظيمية المختصة والمحايدة اعتماد المشروعات وحماية السوق وتطبيق القواعد والجزاءات».
ودعا إلى إجراء حوار تشريعي ومجتمعي واسع يضم الجهات الحكومية والرقابية والبرلمان والمطورين والمقاولين والوسطاء والمشترين والمستثمرين والخبراء ممثلين في جهاز حماية المستهلك، بهدف الوصول إلى إطار تشريعي متوازن يحمي جميع المتعاملين دون تعطيل الاستثمار، ويدعم المطورين الجادين مع الحفاظ على المنافسة داخل السوق.
واختتم أبو زيد قائلًا: «مصر تمتلك واحدة من أكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ولديها فرص كبيرة تؤهلها لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتطوير والتصدير العقاري. وتحقيق ذلك يتطلب منظومة أكثر شفافية وتكاملًا وقدرة على التطور. لذلك فإن إعادة النظر في نطاق القانون ليست مسألة شكلية، وإنما تعكس ضرورة الانتقال من قانون يركز على تنظيم كيان مهني واحد إلى قانون متكامل ينظم السوق العقارية باعتبارها أحد المحركات الأساسية للاقتصاد المصري».
