عقيلة صالح، اختبار يتجاوز رئاسة مجلس النواب ليطال تماسك المؤسسة التشريعية.. دعم الجيش الليبي وتعامل بحذر مع مبادرة مسعد بولس.. وانحياز مطلق للحقوق الفلسطينية
بملامحه الهادئة، وشاربه الأبيض وشعره الذي غزاه الشيب، يحضر عقيلة صالح بوجه يعكس سنوات طويلة قضاها في القضاء والسياسة، قبل أن يصبح أحد أبرز وجوه المشهد الليبي، مدعوما بخبرة قانونية ودستورية طويلة، وشبكة علاقات قبلية ليبية واسعة، وعلاقات إقليمية أكسبته القدرة على فرض الحضور الليبي شرقا وغربا.
ومنذ انتخابه رئيسا لمجلس النواب الليبي عام 2014، ظل صالح أحد أكثر الشخصيات الليبية ثباتا في المشهد السياسي الليبي، واختار دعم القوات المسلحة العربية الليبية، ووقف خلفها بكل قوة، ومنحها الشرعية القانونية والدستورية من مجلس النواب، لتكون جيشا شرعيا لوطن يحارب الإرهاب والتطرف ويرفع شعار حماية السيادة الليبية.
حصل صالح على شهادة في القانون العام من جامعة بنغازي عام 1970، وعمل بعد تخرجه في وزارة العدل والسلك القضائي، حيث عين في عام 1971 كمساعد نيابة ثم أصبح رئيس نيابة دائرة الجبل الأخضر سنة 1974 بمدينة البيضاء.
وفي عام 1976، انتدب صالح للعمل في محكمة استئناف الجبل الأخضر، في رحلة جعلته الأقدر على الإمساك بنصوص القوانين والدساتير، لينتخب في 4 أغسطس من 2014 رئيسا لمجلس النواب، بعد تفوقه على أبو بكر بعيرة في جولة الإعادة، ليكون بعدها أحد أطول السياسيين بقاء في موقع قيادي داخل المؤسسات الليبية، رغم التحولات المتلاحقة التي حلت في المشهد الليبي شرقا كان أو غربا.
بيئة قبلية واجتماعية واسعة النفوذ
ينتمي صالح إلى قبيلة العبيدات، إحدى القبائل ذات الحضور الاجتماعي والسياسي البارز في شرق ليبيا، وهو ما أضاف إلى موقعه السياسي شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تحضر في حسابات المشهد الليبي، إلى جانب موقعه الرسمي داخل مجلس النواب، ما جعله أشبه بقائد "أوركسترا" قادرا على لم شمل كافة الأطياف الليبية المتصارعة، مدفوعا بخبرته الكبيرة في إدارة التوازنات داخل المؤسسة التشريعية الليبية، والتعامل مع القوى السياسية والإقليمية الفاعلة.
لكن صالح الذي رفع راية "لم الشمل" في أحد أكثر الفترات العصيبة التي شهدتها ليبيا على مدى تاريخها، وجد نفسه في لحظة طرفا في معركة لم يبدأها، مصرا في الوقت ذاته على أن يكون وحده صاحب الحق في إسدال الستار؛ حيث صوَّت 98 نائبا من أصل 102 حضروا جلسة عقدت في بنغازي، برئاسة النائب الثاني مصباح دومة، لصالح اعتماد دورة جديدة لهيئة الرئاسة مدتها 12 شهرا، بالتزامن مع إعلان تجميد عمل الهيئة الحالية إلى حين انتخاب قيادة جديدة. وهو ما رفضه صالح، في خطوة تؤكد أن الصراع على رئاسة البرلمان لم يُحسم بعد، وأن الرجل الأقوى دستوريا في المشهد الليبي لن يرفع الراية البيضاء.

وبحسب تقارير إعلامية ليبية، أعلن صالح "عدم الاعتداد قانونا بالجلسة التي عقدها عدد من أعضاء المجلس في بنغازي"، معتبرا أنها "جرت بصورة غير رسمية ولا تترتب عليها آثار قانونية".
وأوضح صالح أن “اجتماع عدد من أعضاء مجلس النواب، أمس الإثنين، انعقد رغم دعوته السابقة إلى عقد جلسة رسمية اليوم الثلاثاء، مؤكدا أن أي قرارات أو إجراءات أو مخرجات صدرت عن اجتماع، الإثنين، تفتقر إلى السند القانوني، لعدم استيفائها الإجراءات والضوابط المنظمة لعمل المجلس، خاصة المتعلقة بتعديل القوانين وإقرارها”.
تأييد مطلق للحقوق الفلسطينية
على الصعيد الإقليمي، عرف صالح بمكانته الجيوسياسية، وتأييده المطلق للأسس التي يقوم عليها الأمن القومي العربي، ومواقفه الداعمة للحقوق الفلسطينية الثابتة والراسخة في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ودعمه لحق عودة المهجرين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، ورفضه القاطع لأي شكل من أشكال التطبيع أو التواصل مع الاحتلال الإسرائيلي.
وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية الجماعية ضد المدنيين في قطاع غزة، استنكر صالح الصمت الدولي تجاه الانتهاكات التي يرتكبها جيش الاحتلال، ومطالبا المجتمع الدولي بالتدخل لوقف الإبادة، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر.
إدراك كامل لأمن الجوار
وفي إطار وعيه بأمن الجوار، تحتل مصر مكانة خاصة في رؤية صالح لعلاقات ليبيا الإقليمية؛ فهو يتعامل مع أمن البلدين باعتباره مترابطا بحكم الجوار والتاريخ والمصالح المشتركة. ولم يخف صالح تقديره لمصر، قائلا: الحمد لله الذي جعل لنا مصر جارة وشقيقة وسندا وظهيرا في السراء والضراء، وداعما دائما للشعب الليبي ومللجأ وحيدا لكل العرب.

ويؤكد صالح أن العلاقات بين القاهرة وطرابلس ليست مجرد علاقات بين دولتين، بل روابط تاريخية وأسرية وإنسانية ممتدة عبر مئات السنين، مضيفا: احتلت مصر عبر التاريخ مكانة ثقافية وحضارية متميزة، بفضل وجود الأزهر الشريف ومكانتها العلمية، وأرضها كانت دائما ملاذا للمهاجرين والباحثين عن الأمن والاستقرار والعلم والعمل، والشعب المصري عرف بكرم الضيافة واحتضان كل من ضاقت به السبل.
ويتابع: العلاقة بين الشعبين الليبي والمصري تتجاوز المفهوم التقليدي للعلاقات بين الدول؛ حيث يتجاوز الشعبان الحدود والجغرافيا، ليرسمان علاقة أخ بأخ وجار بجار ودم بدم، خصوصا أن القبائل والعائلات والمصاهرات ممتدة بين شرق ليبيا وغرب مصر، بما يجعل من الصعب الفصل بين الشعبين.
الحل يجب أن يكون ليبيًّا ليبيًّا
يرفض صالح بقوة التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، مؤكدا أن حل القضية الليبية لن يكون سوى بأياد ليبية، وعبر مخرجات ليبية واضحة، رافضا أي إملاءات خارجية، معتبرا أن الليبيين قادرون على إدارة قضاياهم بأنفسهم، وأن الحل يجب أن يكون "ليبيا ليبيا"، مشددا على ضرورة تجاوز الخلافات والتجاذبات السياسية.

وفي السياق، اختار صالح سياسة التعامل بحذر مع مبادرة مسعد بولس، رجل الأعمال الأمريكي ذو الأصول اللبنانية ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدا أن "أي مسار سياسي أو انتخابي يجب أن ينطلق بإرادة محلية وقرار ليبي مستقل بعيدا عن أي املاءات خارجية".
وما بين رفضه للتدخلات الخارجية، وتمسكه بحل "ليبي خالص" للقضية الليبية، يجد صالح نفسه أمام اختبار يتجاوز مستقبل موقعه في رئاسة مجلس النواب، ليطال تماسك المؤسسة التشريعية نفسها، في وقت تبدو فيه ليبيا أكثر حاجة إلى تجنب انقسامات جديدة، والحفاظ على وحدة مؤسساتها في مشهد لا تزال فيه خطوط الانقسام قابلة للاتساع.




