رئيس التحرير
عصام كامل

إثيوبيا تستدعي السد العالي.. ودراسة قانونية مصرية ترد: لا سابقة تبيح الانفراد بالنهر الدولي

المستشار محمد عبدالوهاب
المستشار محمد عبدالوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة
18 حجم الخط

عاد الخطاب الإثيوبي في شأن نهر النيل إلى استدعاء السد العالي في مصر بوصفه حجةً في مواجهة المطالب المصرية باحترام قواعد القانون الدولي للمجاري المائية الدولية، بما ذكره وزير المياه والطاقة الإثيوبي حبتمو إتفَا في 3 أكتوبر 2026 بأن إثيوبيا تملك حقًا سياديًا في تطوير واستخدام مواردها من مياه النيل وفق مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، ورفض أن تكون هناك حاجة إلى موافقة مسبقة من دول المصب على مشروعاتها المائية، متسائلًا عن سبب مطالبة إثيوبيا بالموافقة بينما أقامت مصر السد العالي دون موافقة إثيوبيا. كما استند إلى الاعتراضات الإثيوبية التاريخية على مشروع السد العالي وبعض الترتيبات السابقة بشأن مياه النيل.

وعلى هامش الدراسة الفقهية للمستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة،  بعنوان  (النهر المقدس والمسألة المائية. دراسة فى الحقوق المتكافئة لدول حوض النيل لتحقيق الأمن المائى) تناول الفقيه الكبير عن أن السؤال القانوني الحقيقي ليس هل أقامت مصر السد العالي دون موافقة إثيوبيا؟ وإنما ما هي القواعد القانونية التي كانت تحكم تلك الواقعة؟ وما هي القواعد التي تحكم مشروع سد النهضة اليوم؟ وهل يستطيع تاريخٌ مختلف أن يُسقط التزاماتٍ دوليةً لاحقة قبلت بها إثيوبيا ذاتها؟  

كما أجابت دراسة الفقيه المصرى عن الحقيقة أن هذا الطرح يستحق أن يُناقش بلغة القانون الدولي لا بلغة المماحكة السياسية؛ لأن مجرد تشابه واقعتين في كونهما مشروعين مائيين لا يجعلهما متطابقين في مركزهما القانوني، كما أن القول بحق الدولة في تنمية مواردها الطبيعية لا يعني بحالٍ أن هذا الحق يتحول إلى سيادة منفردة على مورد مائي دولي تتشارك فيه عدة دول. ونعرض لهامش تلك الدراسة في 13 نقطة على النحو التالى  

أولًا: الخطأ في القياس بين السد العالي وسد النهضة

تقول هامش دراسة الدكتور محمد خفاجى ( إن أول ما يؤخذ على الحجة الإثيوبية أنها تجعل من واقعة تاريخية سابقة قاعدةً قانونية حاكمة لواقعة لاحقة، وكأن القانون الدولي يعمل بمنطق: «من فعلها بالأمس جاز لغيره أن يفعلها اليوم».وهذا ليس منطق القانون الدولي. فالسد العالي مشروع بدأ تنفيذه فعليًا في يناير 1960، واستمر حتى اكتماله في يوليو 1970، ودخل في سياق تاريخي وقانوني مختلف تمامًا عن السياق الذي نشأ فيه سد النهضة، الذي أصبح موضوعًا لإطار قانوني ثلاثي خاص به منذ إعلان مبادئ 2015.)

وتضيف الدراسة ( ولا يكفي، من ثم، أن يكون كلا المشروعين سدًّا على النيل حتى يستوي مركزهما القانوني. فالقاعدة القانونية لا تُستمد من تشابه الأسماء والمواقع الهندسية، وإنما من طبيعة الالتزامات الدولية القائمة وقت إنشاء المشروع، ومن الاتفاقات التي ارتبطت به، ومن آثاره على الدول الأخرى، ومن قواعد القانون الدولي العام ذات الصلة. ولهذا فإن استدعاء السد العالي لا يحسم النزاع، وإنما يفتح سؤالًا آخر أكثر عمقًا , هل تستطيع واقعة تاريخية أن تُنشئ قاعدةً قانونيةً دائمةً تجيز لكل دولة أن تنفرد بتغيير أوضاع مجرى مائي دولي متى شاءت؟ والجواب لا يستقيم إلا بالرجوع إلى القانون الدولي ذاته.)

ثانيًا: السيادة على الإقليم لا تعني السيادة المنفردة على النهر الدولي

تشير هامش دراسة الدكتور محمد خفاجى إلى ( إن أخطر ما في القول الإثيوبي هو الانتقال من حقيقة صحيحة إلى نتيجة لا تلزم عنها.نعم، إثيوبيا دولة ذات سيادة , ونعم، للدولة ذات السيادة حق في استغلال مواردها الطبيعية وتحقيق التنمية الاقتصادية داخل إقليمها , لكن النتيجة التي لا يجوز استخلاصها من ذلك هي أن سيادة الدولة على إقليمها تمنحها سيادةً منفردة على مورد مائي دولي عابر للحدود. فالنهر الدولي لا يتوقف عن كونه موردًا مشتركًا لمجرد أنه يمر في إقليم دولة بعينها، ولا تتحول دولة المنبع بسبب موقعها الجغرافي إلى مالكة منفردة لمستقبل النهر.)

وتوضح الدراسة ( وهنا تظهر القاعدة الجوهرية , أن السيادة على الإقليم لا تُساوي السيادة المنفردة على النهر الدولي , فالسيادة في القانون الدولي سلطة قانونية، وليست رخصة لإهدار حقوق الدول الأخرى. وإذا كان للدولة حق الانتفاع بموارد النهر داخل إقليمها، فإن هذا الحق يمارس في إطار حقوق الدول الأخرى والتزامات الدولة ذاتها بموجب القانون الدولي.)

ثالثًا: الاستخدام المنصف والمعقول ليس حقًا مطلقًا في الانفراد

تذكر دراسة الدكتور محمد خفاجى (يستند الوزير الإثيوبي إلى مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النهر , وهذا المبدأ مقرر بالفعل في القانون الدولي للمجاري المائية الدولية؛ غير أن الخطأ يقع عندما يُقرأ على أنه حق منفرد لدولة المنبع , فالمادة الخامسة من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية تجعل الاستخدام والتنمية والحماية من الأمور التي تشارك فيها دول المجرى المائي على أساس من الإنصاف والمعقولية، كما تربط الانتفاع بواجب التعاون. وتحدد المادة السادسة جملة من العوامل التي يجب أن تؤخذ مجتمعة عند تقدير الاستخدام المنصف والمعقول، ومنها احتياجات السكان، والآثار المترتبة على استخدام دولة في الدول الأخرى، والاستخدامات القائمة والمحتملة.) 

وتضيف الدراسة ( ومن ثم فليس في مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول ما يمنح الدولة المنبع حقًا في الانفراد بتحديد ما هو منصف ومعقول من وجهة نظرها وحدها , فالإنصاف في النهر الدولي لا يصنعه طرف واحد.)

رابعًا: عدم اشتراط «الموافقة المسبقة» لا يعني سقوط واجب الإخطار والتشاور

وتوضح دراسة الفقيه الدكتور محمد خفاجى ( هنا ينبغي التمييز بدقة بين مسألتين مختلفتين تمامًا هما الموافقة المسبقة من ناحية، والإخطار والتشاور والتعاون وعدم الإضرار من ناحية أخرى. فليس صحيحًا، في صورة مطلقة، أن كل مشروع مائي في دولة من دول المجرى الدولي يتوقف قانونًا على الحصول على «ترخيص» من الدول الأخرى. لكن ليس صحيحًا كذلك أن غياب قاعدة عامة للموافقة المسبقة يعني أن الدولة تستطيع أن تعمل منفردة، دون إخطار، ودون تبادل معلومات، ودون تشاور، ودون مراعاة حقوق الدول الأخرى.)

وتضيف الدراسة ( وتظهر أهمية هذا التمييز بوضوح في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، التي نظمت إجراءات الإخطار بالتدابير المزمع اتخاذها، وأقامت آلية للمشاورات والمفاوضات إذا أثارت الدولة المتلقية للإخطار اعتراضًا قانونيًا على المشروع. كما أوجبت أن تتم المشاورات بحسن نية مع مراعاة معقولة لحقوق ومصالح الدول الأخرى , ويتضح إذن أن غياب حق الاعتراض المطلق لا يعني غياب واجب الإخطار , وعدم اشتراط «الموافقة» لا يعني إطلاق يد الدولة في «الانفراد».وهذا هو الفارق الذي غاب عن الخطاب الإثيوبي.) 

خامسًا: لا يجوز أن يتحول السد العالي إلى «سابقة قانونية» تبيح كل تصرف لاحق

وتوضح الدراسة ( لو صحت الحجة الإثيوبية على إطلاقها، لأصبح كل تصرف مائي سابق لدولة من الدول سابقةً تبرر أي تصرف مماثل في المستقبل. وهذه نتيجة خطيرة على استقرار القانون الدولي , فالقانون الدولى يبحث عن القاعدة القانونية الواجبة التطبيق , ذلك أن الاستناد إلى الواقعة التاريخية، حتى مع التسليم بوجود اعتراض إثيوبي عليها، لا يحسم السؤال المتعلق بسد النهضة؛ لأن القانون الواجب التطبيق لا يُستخرج من واقعة تاريخية منفردة، بل من مجموع مصادر الالتزام الدولي ذات الصلة.)

وتكشف الدراسة عن واقعة تاريخية (وقد وثقت وثائق تاريخية أمريكية من خمسينيات القرن الماضي أن إثيوبيا اعترضت على إنشاء السد العالي دون تشاور مسبق، بما يؤكد أن المسألة التاريخية ليست اختراعًا جديدًا في الخطاب الإثيوبي. لكن ثبوت وجود اعتراض تاريخي لا يحوله بذاته إلى قاعدة قانونية تجيز لاحقًا تجاهل الالتزامات التي نشأت بين الدولتين أو بين الدول الثلاث في أطر قانونية لاحقة.)

سادسًا: إثيوبيا ليست أمام السد العالي فقط.. بل أمام إعلان مبادئ 2015

وتؤكد الدراسة (هنا تكمن أقوى نقطة في الرد القانوني , فالمسألة المعاصرة ليست محكومة بالتاريخ وحده.لقد وقعت مصر وإثيوبيا والسودان في الخرطوم في 23 مارس 2015 إعلان مبادئ بشأن سد النهضة، وتضمن الإعلان عشرة مبادئ، من بينها التعاون، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف والمعقول، وقواعد الملء الأول والتشغيل السنوي، وتبادل البيانات والمعلومات، وسلامة السد، والتسوية السلمية للمنازعات, وهنا يتغير مركز المسألة القانونية.)

وتضيف الدراسة ( حتى لو جادلنا في مدى انطباق اتفاقيات تاريخية معينة على إثيوبيا، فإن ذلك لا يمحو التزامات نشأت عن اتفاق شاركت إثيوبيا نفسها في إبرامه. فالقانون الدولي لا يفرق في قوة الالتزام بين الدولة عندما تكون مستفيدة منه وعندما تصبح مطالبة بتنفيذه , والدولة التي تدخل في اتفاق دولي لا تستطيع أن تتعامل مع الالتزام باعتباره ملزمًا عندما يحقق لها مصلحة، ثم تعتبره مجرد إعلان سياسي عندما يفرض عليها قيدًا.)

سابعًا: اتفاق 1993 يضع حجة «السيادة المطلقة» أمام اختبار قانوني آخر

وتستعيد الدراسة الذاكرة لإثيوبيا ( ولا يقف الأمر عند إعلان مبادئ 2015 , ففي 1 يوليو 1993 وقعت مصر وإثيوبيا إطار التعاون العام، وهو اتفاق مسجل لدى الأمم المتحدة، ونص في مادته الرابعة على أن استخدام مياه النيل يعالج من خلال مباحثات الخبراء على أساس قواعد ومبادئ القانون الدولي، بينما نصت المادة الخامسة على امتناع كل طرف عن أي نشاط متعلق بمياه النيل قد يؤدي إلى إحداث ضرر ملحوظ بمصالح الطرف الآخر، ونصت المادة السادسة على التشاور والتعاون في المشروعات ذات الفائدة المتبادلة.)

وتضيف الدراسة ( ومن ثم فإن القول بأن المسألة مجرد «سيادة إثيوبية داخل الإقليم» يتجاهل أن إثيوبيا نفسها قبلت، في إطار ثنائي سابق، تنظيم العلاقة المائية مع مصر وفق قواعد القانون الدولي والتشاور وعدم إحداث الضرر , وهنا لا يعود السؤال , هل إثيوبيا دولة ذات سيادة؟ فلا خلاف على ذلك , بل يصبح السؤال , كيف تمارس الدولة ذات السيادة حقوقها حين تكون ممارستها متصلة بمورد دولي وبالتزامات دولية قبلت بها؟)

ثامنًا: النهر الدولي يفرض توازنًا بين حق المنبع وحق المصب

وتوضح الدراسة نقطة مهمة ( إن النهر الدولي ليس ملكًا لدولة المنبع، كما أنه ليس ملكًا لدولة المصب , إنما هو مورد مائي تتقابل عنده حقوق والتزامات الدول المشاطئة , ولهذا جاءت قاعدة الاستخدام المنصف والمعقول لتمنع احتكار المورد من دولة، كما جاءت قاعدة عدم التسبب في ضرر ذي شأن لتمنع أن يتحول حق الانتفاع إلى وسيلة لإهدار مصالح دولة أخرى , وتؤكد اتفاقية 1997 أن دول المجرى المائي تشارك في استخدامه وتنميته وحمايته بصورة منصفة ومعقولة، وأن عليها اتخاذ التدابير المناسبة لمنع إحداث ضرر ذي شأن بالدول الأخرى.)

وتضيف الدراسة ( وهذه ليست معادلة «منبع ضد مصب»، وإنما معادلة حقوق متقابلة والتزامات متبادلة , فليس لدولة المنبع أن تقول  «الماء يبدأ من إقليمي، إذن القرار قراري وحدي» , وليس لدولة المصب كذلك أن تقول «الماء يصل إليّ، إذن لا يجوز للدولة الأعلى أن تنتفع به» والقانون الدولي جاء تحديدًا ليمنع هذين المنطقين المتعارضين.) 

تاسعًا: المفارقة القانونية في الاستناد إلى إعلان مبادئ 2015

وتشير الدراسة ( اللافت في الخطاب الإثيوبي الحالي أن الوزير نفسه أشار إلى أن سد النهضة تحكمه، في نظر إثيوبيا، منظومة أحدث هي إعلان مبادئ 2015 , وهذه الإشارة، من الوجهة القانونية، جديرة بالتوقف. فإذا كان إعلان 2015 هو الإطار الذي ينبغي أن يُنظر من خلاله إلى سد النهضة، فإن ذلك يعني أن النقاش لا يمكن أن يعود إلى نقطة الصفر التاريخية، وكأن السنوات السابقة على الإعلان لم تكن موجودة.!)

وتضيف الدراسة ( فالإعلان ذاته ألزم الدول الثلاث بالتعاون على أساس القانون الدولي، وأقر مبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن، ومبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، ونظم التعاون بشأن الملء الأول والتشغيل السنوي وتبادل البيانات والمعلومات , وبالتالي فإن الاستناد إلى السد العالي لا يمكن أن يكون طريقًا للالتفاف على الإطار القانوني الذي قبلت به الدول الثلاث في شأن سد النهضة ذاته.)

عاشرًا: لا يجوز تحويل «الحق في التنمية» إلى «حق في الانفراد»

وتذكر الدراسة ( إن لإثيوبيا حقًا أصيلًا في التنمية , ولا يحتاج هذا الحق إلى أن يكون محل إنكار. لكن القانون الدولي لا يمنح دولةً حقًا في التنمية بمعنى التحرر من كل قيد دولي , فالتنمية في الدولة الحديثة تتحرك داخل شبكة من الالتزامات الدولية، وخاصة عندما تكون آثار المشروع عابرة للحدود.)

وتضيف الدراسة (ومن ثم فإن العبارة القانونية الأدق ليست «إثيوبيا لا تحتاج إلى موافقة أحد» ولا «إثيوبيا لا تملك حق التنمية» , وإنما لإثيوبيا حق في التنمية، ولكن ممارسة هذا الحق في مجرى مائي دولي لا تنفصل عن التزاماتها الدولية؛ ولها حق في الانتفاع، ولكن ليس لها أن تجعل الانتفاع انفرادًا؛ ولها سيادة على إقليمها، ولكن لا تتحول هذه السيادة إلى سيادة منفردة على مورد دولي , وهنا يظهر الفارق بين السيادة المسؤولة والسيادة المنفردة.)

حادي عشر: جوهر القضية ليس «الموافقة» وإنما «الالتزام»

تشرح دراسة الفقيه المصرى ( إن وضع النزاع كله في إطار ثنائي هو «هل تحتاج إثيوبيا إلى موافقة مصر أم لا؟» يُبسط المسألة أكثر مما ينبغي , فالاختبار القانوني الأعمق هو هل أُخطرَت الدول المتأثرة على النحو الواجب؟ هل جرى تبادل البيانات والمعلومات؟ هل تمت المشاورات بحسن نية؟ هل روعيت حقوق ومصالح الدول الأخرى؟ هل تحقق الاستخدام المنصف والمعقول؟ هل اتخذت التدابير اللازمة لمنع الضرر ذي الشأن أو تخفيفه؟ وهل احترمت الدولة التزاماتها الاتفاقية الخاصة بالمشروع؟)

وتضيف الدراسة ( هذه هي الأسئلة التي يضعها القانون الدولي على الطاولة , أما اختزالها كلها في عبارة «لا نحتاج إلى موافقة أحد»، فهو نقل للنقاش من مجال القانون إلى مجال السيادة المجردة , والسيادة المجردة لا تمحو الالتزام الدولي.)

ثاني عشر: استدعاء السد العالي لا يصلح أن يكون ستارًا لحجب الالتزامات الدولية المعاصرة--ولا يوجد في القانون الدولي حق اسمه الانفراد بالنهر الدولي

وتوضح دراسة الفقيه الدكتور محمد خفاجى (إن قول وزير المياه والطاقة الإثيوبي إن مصر بنت السد العالي دون موافقة إثيوبيا، ومن ثم فلا يحق لها مطالبة إثيوبيا بالحصول على موافقة مسبقة على مشروعاتها المائية، لا يحسم المسألة قانونًا؛ لأنه يبني نتيجةً معاصرة على واقعة تاريخية، ويخلط بين السيادة على الإقليم والحقوق المتقابلة في مجرى مائي دولي، وبين عدم اشتراط الموافقة المسبقة وبين سقوط واجبات الإخطار والتشاور والتعاون وعدم الإضرار.)

وتضيف الدراسة ( أن السد العالي واقعة تاريخية لها سياقها، أما سد النهضة فله سياقه القانوني الخاص، وفي مقدمة هذا السياق إعلان مبادئ 2015 الذي وقعت عليه إثيوبيا ومصر والسودان، والذي نظم على نحو صريح التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والملء الأول والتشغيل وتبادل البيانات والمعلومات.)

وتؤكد الدراسة (أن إطار التعاون المصري الإثيوبي لعام 1993، المسجل لدى الأمم المتحدة، يكتسب أهمية خاصة؛ إذ ربط استخدام مياه النيل بقواعد ومبادئ القانون الدولي، وألزم الطرفين بالامتناع عن الأنشطة التي قد تحدث ضررًا ملحوظًا بمصالح الطرف الآخر، وبالتشاور والتعاون في المشروعات ذات الفائدة المتبادلة , ومن ثم فإن استدعاء السد العالي لا يصلح أن يكون ستارًا لحجب الالتزامات الدولية المعاصرة. فالحق في التنمية حق، والسيادة حق، والاستخدام المنصف حق؛ ولكن لا يوجد في القانون الدولي حق اسمه الانفراد بالنهر الدولي.)

ثالث عشر: سد النهضة لا يملك أن يمحو السد العالي من التاريخ وواقعة تاريخية لا تتحول بمجرد استدعائها إلى قاعدة قانونية  

وتنتهى دراسة الفقيه المصرى ( أن سيادة الدولة لا تعني سيادتها على ما وراء حدودها، وحق الدولة في التنمية لا يعني حقها في الإضرار بالغير، وحق دولة المنبع في الانتفاع لا يلغي حق دولة المصب، وواقعة تاريخية لا تتحول بمجرد استدعائها إلى قاعدة قانونية، ومعاهدة ارتضتها الدولة لا تصبح نافذة المفعول حين توافق هواها وتصبح بلا أثر حين تقيد إرادتها.)

وتختتم الدراسة ( أن السد العالي ليس رخصة قانونية لسد النهضة، كما أن سد النهضة لا يملك أن يمحو السد العالي من التاريخ؛ وإنما الحكم بينهما هو القانون الدولي ذاته , حقوقٌ متقابلة، والتزاماتٌ متبادلة، وحسنُ نية، وتعاون، وإنصاف، وعدمُ إضرار. وفي الأنهار الدولية، لا تكون قوة الدولة في أن يردد رئيس وزرائها للعالم «أنا دولة ذات سيادة»؛ وإنما في أن تثبت أن سيادتها نفسها تحترم القانون الذي التزمت به.)

الجريدة الرسمية