من البحث الجنائي إلى الطب الشرعي.. كيف تتكامل الأدلة لكشف ملابسات الجرائم؟.. تحليل البصمة الوراثية والكلاب البوليسية "أبرز الأدوات"
حين تختفي جثة ضحية جريمة قتل، لا تنتهي مهمة أجهزة التحقيق عند العثور على جزء من الجثة، بل تبدأ رحلة أكثر تعقيدا لكشف هوية صاحبها، وتحديد مكان باقي الأجزاء، ومعرفة كيفية وفاته، وصولا إلى إعادة تركيب تفاصيل الجريمة أمام جهات التحقيق.
وفي هذه الجرائم، تتحرك عدة جهات بالتوازي، بداية من رجال البحث الجنائي الذين يعملون على تتبع خط سير المتهم، مرورا بالمعمل الجنائي الذي يفحص الآثار والمضبوطات، وصولا إلى الطب الشرعي الذي يتولى فحص الأجزاء من الجثة وتحديد الإصابات وسبب الوفاة، بينما تدخل الكلاب البوليسية كأحد الأدوات المساعدة في عمليات البحث عن بقايا الجثامين.
جريمة مصر القديمة.. شقيق يقتل شقيقه
وشهدت منطقة مصر القديمة واقعة دامية، بعدما تحول خلاف بين شقيقين إلى جريمة قتل، أقدم خلالها أحدهما على الاعتداء على شقيقه باستخدام ساطور، ما أسفر عن مقتله.
وبعد ارتكاب الجريمة، لم يتوقف المتهم عند قتل شقيقه، وإنما أقدم على التمثيل بالجثمان والتخلص من أجزائه في أماكن مختلفة، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة وإبعاد جهات التحقيق عن الوصول إلى كامل تفاصيلها.
بداية الواقعة كانت بتقدم الأجهزة الأمنية بلاغا بالعثور على جثة شاب داخل شقة سكنية بدائرة قسم شرطة مصر القديمة، وبالانتقال والفحص تبين وجود شبهة جنائية في الوفاة، وأن المجني عليه تعرض لاعتداء باستخدام سلاح أبيض «ساطور».
وبتكثيف التحريات، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد مرتكب الواقعة، وتبين أنه شقيق المجني عليه، وأن خلافا نشب بينهما تطور إلى مشاجرة، استل خلالها المتهم الساطور واعتدى به على شقيقه، ليسقط قتيلا متأثرا بإصاباته.
وكشفت التحريات أن المتهم أقدم عقب ارتكاب الجريمة على تقطيع الجثمان والتخلص من أجزائه في أماكن مختلفة، فيما تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبطه والتحفظ على أداة الجريمة.
الكلاب البوليسية.. البحث عن بقايا الجثامين
وتعد الكلاب البوليسية من الأدوات المساعدة التي تستعين بها الأجهزة الأمنية في عمليات البحث عن الجثامين أو بقاياها، خاصة في الأماكن المفتوحة أو المناطق التي يصعب فيها تحديد المكان الذي تخلص فيه المتهم من الجثمان.
وتعمل فرق البحث بالتوازي مع الفحص الفني لمسرح الجريمة، إذ يمكن الاستعانة بالكلاب المدربة لتتبع الروائح المرتبطة بالجثمان، بينما يجري فحص الأماكن التي تشير إليها عمليات البحث، مع رفع الآثار والمضبوطات وإخضاعها للفحص بالمعمل الجنائي.
وفي الحالات التي يتم فيها العثور على أشلاء مجهولة الهوية، تصبح عملية تحديد شخصية المجني عليه محورت أساسيًا في التحقيق، ويتم الاستعانة بالوسائل الفنية الحديثة، ومن بينها تحليل البصمة الوراثية «DNA»، ومقارنتها بعينات من ذويه، للوصول إلى هوية الضحية.
ولا يقتصر دور الطب الشرعي على تحديد هوية المجني عليه، وإنما يمتد إلى فحص الأجزاء من الجثة والإصابات التي لحقت بالضحية، ومحاولة تحديد سبب الوفاة وكيفية حدوثها، وما إذا كانت الإصابات سابقة على الوفاة أو لاحقة لها.
وتساعد نتائج الفحص الطبي الشرعي جهات التحقيق في بناء تصور أكثر دقة عن الجريمة، خاصة عندما يحاول المتهم إخفاء معالمها من خلال تقطيع الجثة أو التخلص من أجزائه في أماكن متفرقة.
لماذا يلجأ القاتل إلى التمثيل بالجثمان؟
ويرى خبراء قانونيون أن التخلص من الجثمان أو التمثيل به قد يكون أحد الأساليب التي يلجأ إليها مرتكب الجريمة في محاولة لإخفاء آثارها أو تعطيل الوصول إلى المجني عليه، إلا أن هذا التصرف لا يمحو الجريمة، وإنما قد يضيف أفعالا أخرى إلى الوقائع محل التحقيق بحسب ظروف كل حالة ودور كل متهم فيها.
تحديد المسئولية الجنائية في جرائم تقطيع الجثامين
وقال الخبير القانوني فهد مرزوق إن تحديد المسؤولية الجنائية في جرائم تقطيع الجثامين يرتبط بظروف الواقعة ودور الشخص في الجريمة.
وأوضح أنه إذا كان الشخص الذي قام بتقطيع الجثمان هو نفسه مرتكب جريمة القتل، فإن مسؤوليته عن جريمة القتل تظل قائمة، ولا يصبح تقطيع الجثمان في ذاته سببا لعقوبة أشد من العقوبة المقررة لجريمة القتل.
وأضاف أنه إذا كان شخص آخر قد شارك في الجريمة أو ساعد فيها وكان عالما بها قبل وقوعها، فإن تحديد مسؤوليته يكون وفقا لدوره ومدى توافر أركان الاشتراك الجنائي.
أما إذا لم يكن الشخص على علم بجريمة القتل قبل وقوعها، وإنما تدخل بعد ذلك للمساعدة في إخفاء الجثمان أو أدلة الجريمة، فتختلف مسؤوليته القانونية بحسب ما قام به ومدى علمه بالجريمة.
هل التمثيل بالجثة جريمة مستقلة؟
وأكد فهد مرزوق أن الإجابة لا تكون واحدة في جميع الوقائع، إذ يجب التفرقة بين مرتكب جريمة القتل، والشريك فيها، والشخص الذي يتدخل بعد وقوعها لإخفاء آثارها.
وأشار إلى أن المادة 145 من قانون العقوبات تتناول حالة من علم بوقوع جناية أو جنحة وأعان الجاني على الفرار من وجه القضاء، ومن صور ذلك إخفاء أدلة الجريمة، مع اختلاف العقوبة بحسب العقوبة المقررة للجريمة الأصلية، واستثناء الزوج أو الزوجة وأصول وفروع الجاني وفقًا لنص المادة.
من مسرح الجريمة إلى تقرير الطب الشرعي
وفي النهاية، لا تعتمد جهات التحقيق على وسيلة واحدة في كشف جرائم التمثيل بالجثامين، وإنما تجمع بين التحريات، وفحص مسرح الجريمة، والاستعانة بالكلاب البوليسية، وفحوص المعمل الجنائي، وتحليل البصمة الوراثيةDNA، وتقارير الطب الشرعي، فضلًا عن اعترافات المتهمين وأقوال الشهود.
وتتجمع هذه الخيوط أمام جهات التحقيق لتكوين الصورة الكاملة للجريمة، بداية من لحظة ارتكابها، مرورا بكيفية التعامل مع الجثمان، وحتى الأماكن التي جرى التخلص فيها من أجزائه، وصولا إلى تحديد المسؤوليات الجنائية لكل من يثبت تورطه في الواقعة.




